0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


نتائج الحرب من دون نيرانها

من بداهات تأويل الخطاب السياسي اللبناني القول ان المعترضين على دولة حزب الله القائمة في الجنوب والضاحية وأجزاء واسعة من البقاع، يؤسسون اعتراضهم على عجزهم عن إنجاز دولهم المقابلة.
وليس سرا كبيرا القول ان الحزب يتصرف على انه سلطة في حالة طوارئ في المناطق التي يهيمن عليها، حيث تجري الاستعدادات لمواجهة مختلف انواع الحروب، بما في ذلك إبداء الضيق من الاصوات الشيعية المستنكرة توليه مقاليد تمثيل الطائفة في الاجتماع اللبناني وصولا الى الافراط في دق نفير التأهب لملاقاة العدو الآتي، وما يستتبعه من استصغار لمشكلات تحول دون استواء الحياة اليومية للبنانيين.
يُعد حزب الله، إذاً، العدة لحرب مقبلة ضد اسرائيل، يقال انها ستقع في شهور الصيف. وفي اعداده للحرب هذه، يسرع وتيرة بناء ما يصفه الآخرون «بالدولة» سواء لناحية الجهوزية القتالية او الاطباق الامني على المناطق التي تعنيه او تعزيز اجهزته الخدمية والاعلامية.
غير ان الحزب يخطئ عندما يجزم باستحالة خوضه حربا أهلية. فاستكمال عدة الحرب يغري وحده بحسم الموقف اذا بدا انه يجنح نحو الخروج عن سيطرة الحزب او تطلعاته. هذا من دون الاشارة الى أن الحروب الاهلية تندلع عادة عبر تراكم الاحداث وليس وفق قرار واع تتخذ بناء عليه الاستعدادات اللوجستية اللازمة.
ما من شك في أن القوى الاخرى، في الاكثرية النيابية، تنظر الى دولة حزب الله نظرة حسد. ويمكن تلخيص تاريخ علاقة القسم الاكبر من القوى المنضوية تحت لواء الاكثرية بالدولة اللبنانية، انه تاريخ يسير بين محاولة الاستحواذ الكامل ومحاولة التدمير الكامل.
لم تقتنع هذه القوى، يوما، بمشروع الدولة ككيان سياسي عابر للطوائف. وما الدولة في حساب الجهات المذكورة، الا مصدر للغنائم وأداة لاعادة انتاج الزعامة الطائفية بالاتكال على رصيد عام.
عليه، يمكن تفسير الحسد بإزاء حزب الله الذي بنى دولته و«قواته المسلحة» بالاعتماد على نفسه (وعلى حلفائه في الخارج، بطبيعة الحال)، من جهة، والبرم من عجز الدولة القائمة عن أداء الدورالذي تريد لها قوى الاكثرية ان تؤديه اي ان تكون أداة لمواجهة دولة حزب الله وتفكيكها، ومنهلا للأسلاب، في آن واحد.
البديل المتاح امام مأزق العجز عن السيطرة على كل الدولة سيطرة «أداتية»، وأمام الشعور بجسامة الخطر الذي تمثله دولة حزب الله، هو الشروع في بناء دول موازية تتولى بنفسها زمام الامن والاقتصاد والاعلام.
طريقان تقودان الى البديل هذا، هما الحرب الاهلية التي قد يعرف الساعون اليها كيف تبدأ لكنهم لن يعرفوا كيف تنتهي (وفقاً لقول سائر). الطريق الثاني هو تعزيز الكانتونات المذهبية والحزبية وإضفاء المزيد من «الشرعية» عليها من دون شن الحرب بالشكل الكلاسيكي والمعروف.
بكلمات أخرى، يمكن الوصول الى نتائج الحرب الاهلية من دون الاضطرار الى خوضها. يعزز منطقية الخيار هذا، افتقار اي جهة بمفردها او مع حلفائها المباشرين على تحقيق انتصار عسكري على «اعدائها» (بحسب الدروس المستقاة من الحرب الاهلية السابقة التي كانت تتحول حربا اقليمية كلما لاح ان طرفا يسعى الى قلب المعادلات المتحكمة بالصراع ومعادلاته وموازينه).
ولا يعوز ايا من اللبنانيين البصر والبصيرة لرؤية ان الانقسام آخذ في التصاعد بينهم وبين مناطقهم وفق الفرز الطائفي والمذهبي، بصيغتيه القديمة والمستجدة. وان ملامح من الحكم الذاتي تنمو تحت انظار «السلطة المركزية» العاجزة عن التصرف او عن قول كلمة من دون ان تتهم بالانحياز الى طرف ضد طرف آخر. ومن يفتقر الى الشواهد عليه مراقبة عملية اعادة الاعمار في الجنوب والكيفية التي تسير بها احوال البناء قرب مطار بيروت. ومن باب الحرص على التوازن، هل يتيعن الحديث عن احياء الاجهزة الامنية في الجبل، مثلا؟
من هنا، قد يتبادر الى الذهن تساؤل مشروع عن امكان تحقيق تقاسم جديد لمناطق النفوذ بين امراء الطوائف وأحزابها الملهمة، من دون الاضطرار الى تدمير ما تبقى من هذا البلد وقتل المزيد من مواطنيه. ان مؤتمرا للحوار بشأن تقسيم البلد الى كانتونات متعايشة (سواء بصيغة الفدرالية القواتية السابقة، او بصيغة المقاومة الراهنة) قد يكون اجدى وأنجع من مؤتمر لتوحيد لبنان ثبت، بالدم والنار، فشله.
وإذا كان لبنان «اصغر من ان يقسم وأكبر من يبتلع» على ما يقول الشعار الشهير، فإن الحاجة تدعو الى ابتكار اسلوب لادارة متعددة الرؤوس للبلد يتمتع كل منها بسلطات ملموسة ومباشرة. وهذا خيار. او البحث في امكان قيام دولة تستحـق هذا الاسم، وهذا خيار آخر.