1

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


"المونة"



يعتبر القرويون "المونة" بمثابة "القرش الأبيض لليوم الأسود"، فلا يرتاح  لهم بال إلا إذا اختزنوا في بيوتهم أصناف "المونة" من الكشك والشنكليش والزيتون والزيت والجبن واللبنة والزعتر، إلى الطحين والبرغل والعدس وأنواع الحبوب، فضلاً عن المربيات ورُبّ الندورة والمكدوس والقاورما وسوى كل ذلك مما درجنا على تسميته بـ"حواضر البيت" (اللائحة طويلة و... مشهّية)، لتتحول تلك البيوت في الشتاء إلى ما يشبه الـ"أهراءات" المخصصة لتخزين ضرورات المأكل لأهل الأرياف، مما يطمئنون إلى سلامته ونظافته (وخصوصاً) خلوّه من المواد الحافظة. ُثم يأتي دور الأعشاب والحشائش العطرة والمفيدة صحياً (مثل الزعتر البري، إكليل الجبل، البابونج، الزوفا، اليانسون، الورد، ورد الحصان...) لتحضير أباريق "الزهورات" التي تؤنس وحشة النهارات والليالي وتناصب العداء لأمراض الشتاء و"الرشوحات المتنوعة"، كما تفيد أيضاً في نشر الروائح الزكية والعبق الطيب في أرجاء البيوت.



الفترة المخصصة لتجميع المونة تبتدئ عادة مع اكتمال مواسم الحصاد أواخر الصيف، وتنتهي غالباً في عباءة "التشرينين"، حيث تتحول القرى إلى ورش لـ"دراسة" الحبوب (الدراسة بالمعنى البلدي المتعارف عليه تعني فصل الحبوب عن القشور، كمثل فصل حبات القمح مثلاُ عن أمهاتها السنابل وجعلها على حدة، حيث يتم فرز ما يتبقى ـ واسمه التبن ـ جانباً ليذهب علفاً مرغوباً للحيوانات الداجنة) وجرش البرغل... وهذا ينطبق على مختلف أنواع الحبوب المزروعة من قمح وشعير وحمص وعدس وفول...

وبينما تنصرف البيادر إلى استضافة السنابل و"مداعبتها" بصبر وطول أناة إلى أن تحوّلها اكواماً من حبوب القمح، إلى جانب أكوام أخرى من التبن، تنقلب سطوح البيوت إلى ما يشبه "منصّات العرض" لأصناف الحبوب التي يتم جنيها، ولأنواع الخضار التي يجري إعدادها لتدخل خزائن المونة. فهنا تفرد وريقات الملوخية ليتم تيبيسها، وهناك يفرش القمح الذي يجري تحويله إلى كشك (بعد مراحل تحضير مختلفة)، وفي مكان آخر تشمّس المربيات والحبوب من برغل وعدس وفول وحمّص وغيرها إلى أن  "تشبع" من الشمس، فتصبح منيعة على الطفيليات وجاهزة للتخزين.

وحين لا تتوفر السطوح المناسبة أو الكافية، تفرد النسوة وريقات الملوخية على الشرفات، في مهب الهواء وبعيداً عن أشعة الشمس المباشرة، حتى تجف وتيبس، ثم يرفعنها في أكياس من القماش الأبيض إلى مكان آمن وجاف، لتُطبخ وتؤكل ساخنة أيام الشتاء الباردة. والملوخية من وجبات الشتاء الرئيسية، طبق شهي من الممتع تناوله قرب الموقد (أو المدخنة) فيما تتساقط نتفات الثلج البيضاء في الخارج.



بعد سلق" القمح (والسلق هو طبخ كمية كبيرة من القمح بالماء في آنية عملاقة تُرفع على موقد كبير)، تقوم "ست البيت" عادة بـ "فلش"ـ أي نشر ـ القمح المسلوق على سطح البيت أو على الشرفة الواسعة حين تتوفر، وتعمل على تحريكه عدة مرات يومياً تحت اشعة الشمس، ولا تنسى أن تغطّيه في الليل كي لا ينال منه الندى. ويظل الحال على هذا المنوال حتى يجف القمح المسلوق تماماً، فتجري عملية جرشه (عملية الجرش تتم بواسطة ما يسمّى "الجاروشة" وهي كناية عن حجرين مستديرين من نوع خاص من الصخور الغنية بالثقوب، يجري تحريك أحدهما على الآخر يدوياً، فيتم بينهما جرش حبّات القمح لتتحوّل إلى خليط من أنواع البرغل). بعد ذلك يتم "تعريبه" – أي فرزه ـ أنواعاً مختلفة من البرغل والسميد (من خشنٍ وأقل خشونة، وناعمٍ وأكثر نعومة، وكل نوع يصلح لتحضير أطباق معينة من الطعام مثل أصناف الكبّة، من نيئة ومشوية ومطبوخة، إلى أنواع المجدرة وأطباق التبولة والمفروكة... وتعوّل سيدات البيوت على الله سبحانه في إعانتهنّ بأن يدفع نسمة الهواء المطلوبة في الأوقات المناسبة، لكي تعين النساء على فصل البرغل مثلاُ عن قشرة القمح (الرويشة) التي تُستخدم لحشو الوسائد (المخدّات)، وتساعدهن كذلك على فرز انواع البرغل المتعددة. فالقمح كالبترول الخام، كلُ ما فيه صالح لأمر ما.

هذا ومن الطبيعي أن ترى سيدات القرى في موسم جمع المونة، وقد عمدت الواحدة منهن إلى ربط منديل أبيض على رأسها كالعصبة بحيث يغطّي رأسها ومعظم وجهها، وقد جلست أمام قدر نحاسي مرفوع على موقد في زاوية الحديقة أو في ركن الدار، تحرّك محتواه من أنواع المربيات أو الدبس، بملعقة خشبية كبيرة إلى أن "يعقد" المربّى أو الدبس (أي يتماسك)، بينما تنصرف الأخريات إلى تحضير اللبنة البلدية أو الشنكليش ووضعها في أوان زجاجية مغمورة بزيت الزيتون، فيما رائحة القاورما تنتشر في كل زوايا المنزل.

.. يوماً بعد يوم تتكامل مقوّمات المونة لتحتل أماكنها في الأكياس والعلب والبراميل المحفوظة بعناية في "غُرف المونة" داخل البيوت. ومع اكتمالها، تطفو بسمة الرضا والثقة على الوجوه المنيرة بالتعب المثمر، ويتربع "الفلاحون السلاطين" على عروش ثقتهم بالغد، مطمئنين إلى ما حضّروه لمواجهة الشتاء، لتصحّ فيهم المقولة اللبنانية القديمة التي لطالما كانت تؤرق سلاطين الأتراك العثمانيين عندما كانت دولتهم مسيطرة على بلادنا: "فلاح مكفي.. سلطان مخفي".

  • ROULA

    إن هذا المقال رائع جداً إن الوصف الدقيق لمكونات المونة وطريقة تحضيرها تجعلك تحلم وتحسب نفسك في القرية وكأنك ترى فعلا تحضير هذه المونة التي كلها بركة وخيرات. إن كاتب المقال جعلني أحن إلى جدتي وأمي المتوفيتانز يا ليت كل الناس تهتم بمثل هذه المقالات التي تجعلك تفتخر بأنك لبناني.

    1 تشرين الأول 2009