4

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


القوات السورية في لبنان – الجزء الأول



في الذكرى الرابعة لانسحاب الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005، نستذكر أهم حقبات هذا الوجود العسكري في لبنان، والذي إستمر لما يقارب الثلاثين عاماً، وذلك بالاقتصار على مشاركته المباشرة في الكثير من "الحروب اللبنانية"، دون تلك التي قامت بها بعض الميليشيات اللبنانية بالنيابة.



يرى الكاتب تيودور هانف في كتابه "لبنان: تعايش في زمن الحرب" أنه "لم تعمل سوريا لتسهيل سيطرة الدولة اللبنانية على منظمة التحرير، ولا لمساعدة منظمة التحرير في السيطرة على الدولة اللبنانية، بل عملت لفرض سيطرتها ونفوذها على الفريقين عبر "توازن الضعف في لبنان". هذا التحليل يثبته غياب أيّة رؤية استراتيجية لإقامة التحالفات في الساحة اللبنانية، فقد عمل السوريون على تغيير دوري لاتجاه بنادق قواتهم العسكرية على أساس فلسفة "فرّق تسُد" التي أحسنوا اقتباسها عن الأتراك العثمانيين، بهدف الحفاظ على الفوضى التي تستدعي بقاءهم في لبنان.

عند بدء الحرب الأهلية اللبنانية، أعلن السوريون تخوفهم من تقسيم لبنان، وصرّح وزير الخارجية السوري يومها عبد الحليم خدام، باسم النظام في دمشق، بأن سوريا لن تتسامح إطلاقاً مع تقسيم لبنان، وإذا حصل ذلك فإنها ستضمّ كل لبنان إليها "كما كان تاريخياً"!

قبيل دخول القوات العسكرية السورية الرسمية الى لبنان، وبالتحديد  في 20 كانون الأول 1975 ، عبر الحدود إلى لبنان ثلاثة آلاف من جنود لواء اليرموك التابع لجيش التحرير الفلسطيني المرابط في سوريا والمؤتمر بأوامر ضباط سوريين، وحاصروا مدينة زحلة البقاعية، ثم قصفوها بالمدفعية بهدف منع محاولة الميليشيات المسيحية تصفية معارضيها في المنطقة. كذلك دعمت منظمة "الصاعقة" ذات ارتباطات السورية، وجيش التحرير الفلسطيني، مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية في إسقاط قريتي الدامور والجية المسيحيتين. وبعد قرار منظمة التحرير الفلسطينية، وجيش لبنان العربي، والحركة الوطنية تشكيل قوات مشتركة في آذار 1976 وهجومها على بعبدا، ساندت وحدات من منظمة الصاعقة وجيش التحرير الفلسطيني، بأوامر من الحكومة السورية، الجنود المسيحيين المرابطين في ثكنة الفياضية في التصدي للهجوم، كما مارست الضغوط على كلٍ من كمال جنبلاط وياسر عرفات للحؤول دون الحسم العسكري على حساب الأطراف المسيحية، وذلك بحجة عدم استدراج إسرائيل للمعركة، وخوفاً من تشكّل حالة لبنانية مستقلة عنها تماماً.

قطعت سوريا إمدادات الأسلحة عن منظمة التحرير الفلسطينية وعن الحركة الوطنية، ولكن القرار السوري لم يمنع هذين الطرفين من مواصلة إطلاق النار والزحف باتجاه المناطق المسيحية. فبدأت سوريا تعدّ لعملية عسكرية في لبنان بالتفاهم مع الولايات المتحدة الأميركية. وبدأ التدخل العسكري السوري على مراحل متدرجة تزامنت مع مفاوضات سياسية مع الفرقاء اللبنانيين. ففي بداية نيسان 1976 عبرت قوات نظامية سورية الحدود وتمركزت في سهل البقاع، وضغطت من أجل انتخاب الرئيس اللبناني الياس سركيس قبل ستة أشهر من انتهاء ولاية سلفه الرئيس سليمان فرنجية.

لم تتقارب مواقف الحركة الوطنية مع متطلبات السياسة السورية، فأرسلت سوريا وحدات عسكرية جديدة عبرت الشمال نحو مدينة طرابلس، وعبرت جزين نحو مدينة صيدا، ووصلت الى وسط لبنان مروراً بطريق دمشق- بيروت. فبدأت حرب سورية فلسطينية أسفرت عن تحطيم القوى العسكرية المؤتمرة بالأوامر السورية في لبنان وتصفية منظمة الصاعقة التابعة لسوريا، بشكل شبه تام.

خلال ذلك رفعت سوريا عديد قواتها في لبنان الى 12000 جندي. وفي السابع من حزيران 1976، وصلت وحداتها الى مضيق صوفر على طريق دمشق- بيروت، والى مدينة صيدا، حيث دارت معارك طاحنة بين السوريين ومنظمة التحرير الفلسطينية كانت نتيجتها تكبيد منظمة التحرير وجيش لبنان العربي (الذي إنشق عن الجيش اللبناني وتحالف مع الحركة الوطنية)، السوريين خسائر فادحة أجبرتهم على الانسحاب من صيدا بعدما تعرّضوا لهزيمة ميدانية لا لُبس فيها. واستغلّت "الجبهة اللبنانية" هذا التوتر السوري الفلسطيني لـ"تنظيف" بيروت الشرقية من المخيمات الفلسطينية المنتشرة فيها،  فاقتحمت مخيم جسر الباشا، واحتلت حي النبعة الذي كانت تقطنه مجموعات من الشيعة اللبنانيين ومن الفلسطينيين، ثم أسقطت مخيم تل الزعتر بعد حصاره وقصفه لمدة ثلاثة وخمسين يوماً. حصل هذا التنظيف دون أيّة معارضة سورية بعد أن كانت قد تدخلت لمنع حدوث مثل هذا الأمر قبل سنة ونيف. ابدت منظمة التحرير الفلسطينية، نتيجة هذه الأحداث، إستعدادها للتفاوض مع السوريين بوساطة ليبية، ورفض كمال جنبلاط أيّة تسوية وأعلن الحرب بكل الوسائل على سوريا.



حاولت سوريا تبرير دخولها العسكري الى لبنان بوسائل كثيرة. فقد قالت في بعض الحالات إنه أرسلت لها برقيات من القرى الشمالية، رغم عدم وجود مكاتب للبريد والبرق فيها. وفي 20 تموز 1976 أذاع راديو دمشق خطاباً للرئيس حافظ الأسد، عرض فيه ظروف التدخل السوري في لبنان. وجاء فيه أنه "في أحد الأيام انهارت جبهة الأحزاب في لبنان وكذلك جبهة المقاومة الفلسطينية. وصلوا الى حال لم يعد يسمح لهم بالوقوف على أرجلهم، فتوجهوا الينا بنداءات الإغاثة... وفي أحد الأيام، اتصل بي وزير الخارجية، وأعلمني بأن اتصالاً هاتفياً جرى معه من قبل  "قمة عرمون"... حيث كان يقع منزل مفتي الجمهورية اللبنانية، وهناك تعقد الإجتماعات التي تشارك فيها الزعامات الدينية الإسلامية والقيادات السياسية و"الوطنية" حسب التعبير الذي كان سائداً يومها. وقد جرى الاتصال من قبل المجتمعين بوزير الخارجية السوري وطلبوا اليه بإلحاح ان يطلب مني الاتصال بالرئيس سليمان فرنجية، وذلك لوقف القتال، لأن الوضع كان سيئاً للغاية... في الواقع وصلتنا تقارير عن سقوط المسلخ والكرنتينا، ومناطق أخرى. عندئذٍ قالوا انه إذا لم تقوموا بإتصال سريع، فإن حزب الكتائب سيجتاح بيروت الغربية... بعد ذلك جاءتنا تقارير بتصعيد القتال... بذلنا جهوداً سياسية، أرسلنا أسلحة وذخيرة... وذلك لم يكن كافياً لإنقاذ الوضع. عندئذٍ لم يعد لدينا أيّ خيار سوى التدخل بإسم جيش التحرير الفلسطيني". وفي الخطاب نفسه برّر التدخل السوري الثاني لمصلحة الجبهة اللبنانية، على عكس التدخل الأول، بأن كمال جنبلاط قال له: "دعنا نؤدبهم (الموارنة). نحتاج الى عمل عسكري حاسم. لقد حكمونا زهاء مائة واربعين سنة، ونريد الآن التخلص منهم" كما قال. ويعلّق على هذا المطلب بالتالي: "عند هذه النقطة بالذات أدركت أن كل الأقنعة قد سقطت... فالقضية لم تكن تتعلّق بخلافات بين اليمين واليسار، أو بين تقدمي ورجعي، ولكنها تتعلّق بعملية ثأر، وبحادث ثأر، يعود الى مائة وأربعين عاماً".

تسلّم الرئيس الياس سركيس سدّة الرئاسة في 23 ايلول 1976، وذلك في مدينة شتورا الواقعة تحت الاحتلال السوري، حيث ألقى خطاباً قال فيه إن الجيش السوري دخل الى لبنان بدعوة منه، فأسبغ عليه بالتالي شرعية لبنانية. حاول السوريون بعدئذٍ الحفاظ على التوازن الذي حصل بين أفرقاء الحرب اللبنانية، واستمروا في توسيع رقعة نفوذهم، فاحتلوا في 13 تشرين الأول مدينة بحمدون الجبلية بعد معارك ضارية. بعد يومين دعت المملكة العربية السعودية رؤساء مصر وسوريا ولبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية الى قمة عقدتها في الرياض. وتوصل المجتمعون الى قرار بوقف إطلاق النار، وتقرر إرسال قوة سلام عربية تتألف من خمسة وعشرين ألف جندي معظمهم من السوريين. وفي 25 تشرين الأول صادق مؤتمر قمة عربي، عقد في القاهرة، على هذه المقررات، رغم معارضة ليبيا والعراق لها. وهكذا تغطّى الوجود السوري في لبنان بشرعية عربية.

 وفي 14 تشرين الثاني 1976، وتطبيقاً لقرارات قمتي الرياض والدوحة، تقدّم نحو ستة آلاف جندي سوري "بقبعات زرقاء" نحو بيروت الغربية وبيروت الشرقي، ودخلوها دون أيّة مقاومة.



في 19 تشرين الثاني 1977، قام الرئيس المصري أنور السادات بأول زيارة من نوعها الى اسرائيل حيث القى خطاباً أمام الكنيست. هذا التقارب المصري الإسرائيلي دفع الى تقارب المتضررين منه، فتقاربت سوريا من منظمة التحرير الفلسطينية، ولم يعد لها مصلحة في نزع سلاحها، فتكاثرت عمليات المنظمة ضد اسرائيل إنطلاقاً من الأراضي اللبنانية، ما أدّى الى اجتياح اسرائيل للجنوب اللبناني. من ناحية أخرى، عارضت الجبهة اللبنانية مقررات مؤتمر الرياض، ولم ترضَ بالاكتفاء بمقررات اتفاقية القاهرة فيما خص السلاح الفلسطيني.

في الثامن من شباط 1978، اقام الجيش السوري حاجزاً أمام مدخل المدرسة الحربية في ثكنة الفياضية، فطلب الجيش اللبناني إزالته، وتم توقيف عناصر الحاجز بعد امتناعهم عن إزالته. رد السوريون بقصف الثكنة، فهاجمت كتيبة من المدرسة الحربية موقع المدفعية السوري. حاول السوريون عندها احتلال الثكنة، وبعد فشل أربع محاولات، قصفت القوات السورية المرابطة في برج رزق في الأشرفية الضواحي المسيحية، فحصلت معارك بين السوريين والميليشيات المسيحية في بيروت الشرقية. كشف حادث الفياضية عدم فعالية الرئيس الياس سركيس الذي كان يعتبر نظرياً القائد الأعلى لقوات السلام العربية.

في نيسان 1978، اشتبك السوريون والفلسطينيون من جهة مع الميليشيات المسيحية من جهة أخرى، فاتضح أن السوريين غيّروا تحالفاتهم. وبعد فشل عملية القوات اللبنانية في خطف طوني سليمان فرنجية، وتحوّل العملية الى مجزرة في إهدن، ردّ المردة بمجزرة في بلدة القاع، "ولم تكن قيادة القوات السورية في لبنان غريبة وبريئة عن عملية الثأر هذه" كما يذكر جوزيف ابو خليل في كتابه "قصة الموارنة في الحرب". ردّت الجبهة اللبنانية على المجزرة بإضراب عام في المناطق الشرقية، فبدأ السوريون بقصف مدفعي وصاروخي لهذه المناطق في 1 تموز 1978، وردّت الميليشيات المسيحية بمهاجمة مواقع الجيش السوري. واستمر الترهيب لما يقارب المائة يوم. وقد دفعت هذه الأحداث مجلس الأمن الدولي الى اتخاذ قرار دعا فيه الفريقين الى وقف فوري لإطلاق النار. أدت هذه الأحداث الى انسحاب القوات السورية من المناطق الشرقية لكي يصبح لبنان قطاعين منفصلين من جديد، أحدهما تحت القبضة السورية.

في بداية العام 1980، انسحبت القوات السورية من الطريق الساحلي الواقع جنوبي بيروت، ومن بعض مواقعها داخل المدينة، وسلّمت مراكزها الى جيش التحرير الفلسطيني الذي كان يتلقى أوامره من ضباط سوريين، وتحصّنت قواتها في موقع واحد داخل بيروت وفي مواقع في الجبال، وذلك بهدف الابتعاد عن المخاطر المباشرة.



رحّب أهل زحلة في البداية بدخول الجيش السوري اليها بإعتباره مساعداً على استقرار المدينة الأمني، ولكن مع الوقت بدأ سكان زحلة بالتململ من ممارسات القوات السورية المتعنتة التي كانت تحاصر المدينة، فاندفع أهلها نحو الالتحاق بحزبي الكتائب والقوات اللبنانية بشكل خاص. ردّ السوريون على هذا التحرك بتسليح بعض عناصر "نمور" الأحرار الفارّين الى المدينة بوجه القوات، فحصلت عدّة إشتباكات بين الطرفين دعم السوريون خلالها الـ"نمور". وفي أحد الإشتباكات قتل ضابط وخمسة جنود سوريين، فردّ السوريون بقصف المدينة خلال عطلة الميلاد، واشتبكت قواتهم مع القوات اللبنانية هناك، ما دفع السوريين الى الانسحاب من المدينة وحصارها.

بدأت القوات اللبنانية التي ارتفع عدد عناصرها الى 5000 مقاتل بشق طريق جبلي يكسر الحصار السوري، فتخوّف السوريون من إمكان استخدام الإسرائيليين لهذا الطريق والوصول بأمان الى وسط منطقة البقاع. حاولوا منع شق الطريق وقصفوا زحلة في آذار 1981، وتوسع قصفهم ليطال بيروت الشرقية. ونجح السوريون بمنع شق الطريق، واحتلوا موقعاً استراتيجياً على جبل صنين يشرف على كامل المنطقة المسيحية، وذلك بإستخدامهم لأول مرّة الطوافات المقاتلة، فخرقوا أحد الخطوط الحمر التي وضعتها إسرائيل والقاضية بعدم استخدام سلاح الطيران. لذلك أغارت طائرتان حربيتان اسرائيليتان على طوافتين سوريتين في 28 نيسان، ما دفع سوريا الى تصعيد الوضع ونشر صواريخ سام2 وسام6 المضادة للطائرات في سهل البقاع. وعاجلت الولايات المتحدة بإرسال مبعوثها فيليب حبيب لاحتواء الموقف والحيلولة دون وصوله الى حد اندلاع حرب بين اسرائيل وسوريا، فنجح في مسعاه وأزالت سوريا صواريخها، بعد أن أصبح لها على الأراضي اللبنانية، قوة عسكرية كبيرة وكافية للسيطرة على مقاليد الأمور في لبنان.

  • مواطن

    ولا زال السوريون يحاولون التلاعب باللبنانيينز هم لا يحترمون حلفائهم الحاليين ويقولون أن حركات المقاومة ستزول بمجرد أن توقع سوريا اتفاقية سلام مع اسرائيل!!

    4 أيار 2009

  • Aref

    لو لم يكن النظام السوري بارعا بتغيير البندقية من كتف لاخر لما صمد اربعين عاماو الهدف من إبقائه هو حفظ أمن إسرائيل من ناحية الجولان بشهادة الإسرائيليين أنفسهم. إنه نظام قائم على النفاق الشعارات الفارغة و الرنانة و للاسف الاوضاع الاقليمية تحتم وجود هكذاانظمة (...)

    2 أيار 2009

  • لبناني

    على اللبنانيين إستخلاص العبر من تقلب البندقية السورية عندما كان السوريون في لبنان.

    1 أيار 2009

  • mohamad shatila

    nice kter 7eloo

    1 أيار 2009