0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


ياسـمينا حـاتم

لبنانيان يسعيان للاكتفاء الذاتي زراعياً انطلاقاً من البترون

زراعة مستدامة

"مشكلة العالم اليوم أنّنا لا نأكل بطريقة صحيحة. لم يعد للطعام أي مذاق، وهو يأتينا من أماكن بعيدة عنّا، مليء بالمواد الكيميائية، وطريقة إنتاجه تدمّر كوكبنا. لذلك بدأنا نطرح على أنفسنا هذه الأسئلة: كيف لنا أن نستقل عن هذا النظام المدمّر المُتحكّم بنا بطرق عديدة (اقتصادية، وبيئية، واجتماعية، وثقافية، وروحية) والذي يجعلنا نشعر وكأنّ لا خيار أمامنا؟ كيف لنا أن نخرج من هذا النظام ونعيش حياة بسيطة، حيث ننتج نحن طعامنا، ونعيد بناء حياتنا دون أن تكون لذلك أي ارتدادات عكسية على كوكبنا؟".

 

بدآ حياتهما مثل العديد من الشبان والشابات اللبنانيات؛ حيث انتقلت ليزا شربل وكذلك جوي الخوري إلى دبي بعد أن أنهيا دراستهما، للعمل في شركة متعدّدة الجنسيات وكسب عيشهما، ويمكن القول الى حد العيش برخاء. "كسبنا الكثير من المال وصرفنا الكثير أيضاً"، تقول ليزا. "أصبحنا عبيدًا لثقافة المستهلك، وبطاقات الإئتمان، والاستدانة التي لا تنتهي... ورغم أنّنا كنا مكتفين جداً على المستوى المادي، إلاّ أننا شعرنا أن ثمة شيئاً أساسياً مفقود من حياتنا". هكذا بدأت رحلتهما نحو تغيير حياتهما— والعمل من اجل تغيير حياة الآخرين كذلك.

 

بدأ كل من جوي وليزا بوعي أسلوب حياتهما، وكيفية تأثيره مباشرة على الكوكب. "في نهاية المطاف، لسنا بحاجة الى الكثير لكي نعيش حياة كريمة"، تقول ليزا. "نحتاج الى سقف فوق رؤوسنا ليقينا البرد، وطعاماً صحياً لتغذية أجسامنا وأرواحنا. وهذا بالضبط ما سنكتشفه!". وللإجابة على هذه الأسئلة، شعرا بفضول لمعرفة طرق العيش المختلفة في العالم، واكتشفا الزراعة المستدامة.

 

الزراعة المستدامة (المعمّرة) هي أسلوب عيش يرتكز الى المعرفة القديمة ومجتمعات السكان الأصليين. أحد مُبتكري هذا المفهوم في الزراعة، دافيد هولمغرين، يشرحها على أنها "مناظر طبيعية مصمّمة عن معرفة، تُحاكي الأنماط والعلاقات التي نجدها في الطبيعة، وتهِبنا في الوقت نفسه كميات وافرة من الطعام، والألياف، والطاقة لتأمين حاجات السكان المحليين".

 

قرّرت ليزا أن تدرس الزراعة المستدامة، وحصلت على شهادة فيها. في غضون ذلك، ذهب جوي الى مالي في شباط 2011 للعمل على مشروع زراعي في كاماكا، وهي قرية صغيرة تعتاش على صيد الأسماك. بقي هناك لثلاثة أشهر، ليعود بعدها وقد تغيّر تغييراً كلياً. "توجد هوّة عميقة بين أسلوب الحياة في الغرب، وأسلوب الحياة في البلدان النامية. في الغرب، نستهلك دون حدود، ودون القلق من تأثير ذلك على صحتنا وعلى كوكبنا. أما في البلدان النامية، فيعانون لأنّ العادات الغربية تستهلك وتلوّث مواردهم. والنتيجة هي التصحّر، واندثار الغابات، والطعام الذي يُرمى في هذه المجتمعات".

 

هذه الرغبة في تحسين أسلوب حياتهما، ومساعدة الآخرين على تحسين أسلوب حياتهم، أدّت الى خلق "Gardens Without Borders" أو "حدائق بلا حدود". وهي مؤسسة اجتماعية لا تبغي الربح، مهمتها زراعة غابات للطعام، حيث تنمو الأشجار، والنباتات، والنباتات الطبية، والأزهار، والأعشاب، والحيونات، جنباً الى جنب بانسجام، وفقاً لمبادئ الزراعة المستدامة. والهدف هو مساعدة المجتمعات بشكلٍ عام، والمجتمعات الفقيرة بشكل خاص، لكي تتمتّع بالاكتفاء الذاتي من ناحية الطعام، ولكي تصبح قابلة للحياة اقتصادياً لكي تحمي تلك البيئة.

 

فماذا يعني ذلك بالضبط، وبطريقة ملموسة؟

 

نفذّت جمعية "Gardens Without Limits" مشروعها الأول في السنغال هذا العام، من شباط وحتى أيار 2013. حيث شاركت ليز وجوي برعاية بستان زراعي معدّ لبيع منتوجاته (إنتاج على مستوى صغير نسبياً) مع مجموعة من الفلاحين من باباك- سيريريه. "علّمنا النساء، ومن ثم بعض الرجال والأطفال كيفية استخدام تقنيات الزراعة المستدامة. واليوم أكثر من 20 صنفاً من الخضار والفاكهة  تنمو في ذلك البستان، بفضل العمل اليومي الذي تقوم به نساء باباك". وقامت بتمويل هذا المشروع منظمة كندية تُدعى CREDIL، بالإضافة الى منظمات أخرى.

 

هدف "Gardens Without Limits" هو خلق غابات لإنتاج الغذاء في المجتمعات الريفية في لبنان، وتطبيق وتطوير الزراعة المستدامة في لبنان، من خلال ورش العمل، والتجارب، والتأهيل. يبحث جوي وليز حالياً عن تمويل ويأملان بدء عملهما في لبنان عام 2014. لكنّهما سبق ان بدآ بتعبيد الطريق؛ فقد قاما بورشات عمل تحضيرية حول الزراعة المستدامة في بيروت. وقاما كذلك بشراء قطعة أرض في نيحا، في البترون، وهما يخطّطان لزراعتها وفقاً لمبادئ الزراعة المستدامة؛ أي بالاعتماد على الإنشاءات الطبيعية والطاقات المتجدّدة. أما حلمهما الكبير فهو تشييد منزلهما هناك، والتمتّع باكتفاء ذاتي بنسبة 100% من ناحية الطعام والطاقة. أريد أن نبني منزلنا بأيدينا"، تقول ليزا.

 

جوي يشرح بدوره أنّه يريد ان يصبح "مزارعاً في نيحا، مزارعاً حسب نسخة عام 2020". هما يأملان بالاعتماد على نور الشمس لإضاءة منزلهما، وتدفئة نفسيهما بالاعتماد على حرارة الكمبوست الزراعي، وتجميع مياه الأمطار. ويريدان أن يفتحا هذا المجال أمام أي احد يرغب بالتعلّم وبتبادل الخبرات. "نريده ان يصبح مكاناً حيث يتلاقى الناس ويرافقونا قليلاً في رحلتنا".

 

ويضيف جوي "بالنسبة لي العودة الى نيحا تعني أيضاً إعادة اكتشاف ثقافة لبنانية ضائعة. أريدُ العودة الى المصدر، وإعادة تقدير تقاليدنا وثقافتنا، من خلال طريقة زراعة أرضنا، وإنتاج طعامنا، وبناء منازلنا... وأن نتمكّن من نقل ذلك الى الأجيال القادمة. ويمكننا كذلك أن نُري الأجانب نوعاً جديداً من لبنان – وليس فقط لبنان الملهى الليلي "Sky-bar". فكما قال جبران "لي لبناني، ولكم لبنانكم".

 

هذا المقال هو ترجمة للنص الأصلي الانكليزي

(ترجمة زينة أبو فاعور)

يسعى جوي وليزا للتمتّع باكتفاء ذاتي بنسبة 100% من ناحية الطعام والطاقة (غاردنز وذآوت بوردرز)

الزراعة المستدامة أسلوب عيش يرتكز الى المعرفة القديمة ومجتمعات السكان الأصليين