0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


صالـح حـديفـة

دروز ساحل جبل لبنان "هنود حمر" ينتظرون ... الإنقراض

دروز ساحل جبل لبنان "هنود حمر" ينتظرون ... الإنقراض

منذ ستينات القرن الماضي، شهد لبنان وغالبية بلدان العالم تغيّرات ديموغرافية نجمت عن نزوحٍ من الأرياف إلى المدن وتشكيل ضواحٍ فقيرة للعمّال، تحوّلت بفعل غياب الدولة كما في الحالة اللبنانية، إلى أحزمة بؤس. فالحرب الأهلية زادت النزوح إلى العاصمة ومحيطها بفعل الاقتتال والاجتياحات الخارجية وانعدام التنمية وغياب الدولة عن الريف وحاجاته حينها. هكذا كان نصيب لبنان من إفراغ الريف من سكّانه أكثر حجماً من بقية دول العالم، إذ تجاوزت نسبة النزوح، وفقاً لأرقام الأمم المتحدة، 90 في المئة.

في أعقاب الحرب الأهلية، وفي ظل الارتفاع المطّرد لأسعار العقارات في العاصمة اللبنانية، تحوّل النزوح باتجاه ساحل جبل لبنان الذي تشكّلت غالبية سكانه تاريخياً من الدروز. وعلى رغم هذا التمدّد السكاني طبيعي، إلا أن التوتر الطائفي في أعقاب الأحداث الدامية في أيار عام 2008، وما تلاها من اشتباكات درزية – شيعية في منطقة جبل لبنان، وتحديداً في الشويفات، استدعت تساؤلات عديدة ومخاوف انعكست إجراءات للحد من عمليات البيع العابرة للطوائف أسوة بما يحصل اليوم في المناطق ذات الطابع المسيحي (بلدة الحدث مثالاً).

ما هو حجم هذه التغيرات الديموغرافية؟ وهل يستدعي دق ناقوس الخطر في أوساط الموحدين الدروز؟

يقارب عدد دروز لبنان اليوم 400 ألف نسمة، لكنّ القاطنين منهم في لبنان لا يتخطى عددهم 250 ألفاً. وعلى رغم أن أياً من هذه الأرقام لا يستند إلى إحصاء رسمي، إنّما إلى تقديرات مبنية على أرقام الانتخابات، فإنها تُظهر أن عدد سكان لبنان فاق الأربعة ملايين نسمة، وأنّ الدروز باتوا فعلياً لا يشكلون أكثر من 6.5 في المئة من اللبنانيين المقيمين في بلدهم.

يقطن الموحدون الدروز 136 قرية في أقضية حاصبيا وراشيا والشوف وعاليه ومرجعيون وبعبدا وصيدا وجزين والمتن الشمالي والبقاعين الأوسط والغربي وفي بيروت. عدد كبير من هذه القرى مختلط طائفياً، فيما شكّل الدروز غالبية سكانية في مدن عاليه وبعقلين وحاصبيا وراشيا والشويفات (حتى أمد ليس ببعيد). وفي أواخر القرن الماضي، هاجر قسم كبير من دروز لبنان كغيرهم من اللبنانيين إلى أميركا الشمالية والجنوبية وأستراليا وأفريقيا، وأقاموا هناك جاليات درزية لها مدارس ومؤسسات خاصة بها.

إلا أن التغييرات الديموغرافية الأخيرة كان لها وقع أكبر مما سبق من أحداث. فما كان حتى التاريخ القريب واقعاً أكثرياً للدروز في منطقة ساحل غرب عاليه، وصولاً إلى ساحل الشوف، لم يعد كذلك على الإطلاق. الشويفات التي كانت عاصمة الإمارة الأرسلانية، بات الدروز فيها أقلية صغيرة اليوم في مقابل كثافة سكانية من الوافدين إليها من مناطق الجنوب والبقاع وبيروت من طوائف اسلامية أخرى. كما فيها أعداد كبيرة من المقيمين السوريين والعراقيين الذين حوّلوا مع الوافدين اللبنانيين ساحل الشويفات وصحرائها - التي لطالما اشتهرت بكروم الزيتون - إلى غابات من الأبنية المكتظّة، وأحياء العمروسية وحي السلم وحي بركات وغيرها، خير مثال على ذلك. ومدينة الشويفات واسعة جغرافياً، إذ تمتد من حدود مطار رفيق الحريري الدولي حتى الناعمة جنوباً، مروراً بخلدة والدوحة، وصولاً الى عيناب شرقاً والمريجة والحدث وكفرشيما شمالاً. وتضم أحياء السلم وبركات وأبيض غيرها المحسوبة ادارياً على الشويفات، وسياسياً على الضاحية الجنوبية.

في الأرقام، تُوضح مصادر مطّلعة في بلدية الشويفات لموقع "NOW" أنّ عدد سكان المدينة من أبنائها الأصليين والمقيمين معاً، زاد على 600 ألف نسمة، منهم 30 ألف درزي من أبناء الشويفات، و24 ألف مسيحي، وحوالي 5000 سنّي، وقرابة ألفي شيعي، فيما الباقون من الوافدين غير المسجلين في نفوسها. وأشارت المصادر عينها إلى أنّ 3 آلاف درزي فقط اقترعوا في الانتخابات البلدية الأخيرة في الشويفات من أصل 13 ألف ناخب درزي، في حين شارك في الانتخابات ذاتها حوالي 400 ناخب شيعي، إضافة إلى 1500 ناخب سنّي. لكنّ المصادر تؤكد أن الناخبين السنّة والشيعة هؤلاء هم من أبناء المدينة الأصليين، ولم تجرِ أيّ عملية نقل للنفوس إليها، مشددةً على أنّ فاعليات الشويفات واعون لهذا الأمر جيداً.

وإلى الشويفات وبيروت، باتت مناطق مثل دوحة الشويفات ودوحة عرمون وبشامون خارج السيطرة الدرزية العددية، وكثرة الإشكالات في هذه المناطق بين سنّة "تيار المستقبل" وشيعة "حزب الله" دليل واضح على الوجود الكثيف للطرفين في هذه الواحات الدرزية السابقة التي باتت اليوم "مناطق تماس جديدة" بدت واضحة المعالم في أحداث أيار 2008 التي شنّها "حزب الله"، وواوجهته فيها مقاومة شرسة من الدروز.

ينظر الموحدون الدروز اليوم إلى "إرثهم الجغرافي" فيرونه يتقلّص، بعدما فقدوا ما كانوا يعتبرونه منفذهم إلى البحر، ووجودهم الفاعل في بيروت، وخصوصاً بسبب الفارق في النمو الديموغرافي بينهم من جهة وبين السنّة والشيعة من جهة ثانية، وهو ما حدا بالزعيم الدرزي وليد جنبلاط إلى تشبييه وضع طائفته بحال "الهنود الحمر".

خارطة جبل لبنان

هل يستدعي دق ناقوس الخطر في أوساط الموحدين الدروز؟