0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


جبل محسن – باب التبانة (الجزء الثاني)

... حين اندلعت المعارك بين جبل محسن وباب التبانة بعد السابع من أيار 2008، وبعد اتفاق الدوحة، كانت المشكلة واضحة، وطرفاها صريحين، والأسباب في الشارع لمن يريد أن يرى.

يومها انعكس التوتر السني – الشيعي البيروتي على خط التماس السني – العلوي الطرابلسي. واعتبر الزعيم الدرزي وليد جنبلاط أنّ ما يجري في طرابلس هو "إنتقام" مما جرى في بيروت، قاصدا أنّ السنّة المجروحين في بيروت يداوون جرحهم في الشمال.

والعلويون، لمن لا يعرف، هم أبناء عمّ الشيعة، مذهبياً وسياسياً. مذهبياً لأنّهم الأقرب إلى الطائفة الشيعية من بين مجموعة المذاهب الإسلامية. وسياسياً لأنّ العلويين هم أبناء الطائفة التي تحكم سوريا، الطائفة التي ينتمي إليها آل الأسد وأقرباؤهم من القيادات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والمالية والثقافية والاجتماعية الرئيسية في سوريا.

أما اليوم، وبعد قذائف الإينيرغا والهاون عشية القمة السعودية – السورية في دمشق، فلا أحد من أبناء المنطقتين يعرف حتى الساعة  ما كان سبب "تجديد" الحماوة على خطّ التماس الشمالي.

لا أحد من سكان المنطقتين يعرف من أطلق النار، وعلى من، ولماذا، ومن المستفيد، وما التالي؟ ما يعرفونه هو الخوف وجهل الفاعل وأنهم هم الأكثر تضررا... هذا إذا كان هناك من متضرر غيرهم.



جبل محسن هو بلدة صغيرة وفقيرة تشرف على باب التبانة، البلدة الصغيرة والفقيرة بدورها. الجبل يتألف من مجموعة شوارع صاعدة ونازلة، معظم أبنيتها قديم لا يتعدى ارتفاعه أربع أو خمس طبقات. وهناك أبنية جديدة، لكنها من دون مصاعد كهربائية.

مشهد الجبل أقرب إلى الريف منه إلى المدينة. حتى الأبنية المؤلفة من طبقات عدة فيه، فهي "متقشّفة" ومن دون مصاعد. السيارات هناك معظمها قديم الطراز، وقليلة هي السيارات الحديثة، ونادرة هي الأبنية الفخمة.

وفي الجبل، الذي يسكنه نحو أربعين ألف نسمة، هناك عشرات العائلات السنية. وقد دلّنا مرافقو مسؤول العلاقات السياسية في "الحزب العربي الديمقراطي" رفعت عيد إلى بعض هذه العائلات.

في الجبل أيضا يصعب العثور على متجر كبير، أو على مؤسسة حديثة تشغّل عددا كبيرا من العمال وتقدم خدمات أو سلعاً باهظة الثمن. يتحدث بعض العارفين عن أنّ الجبل كان مشهورا ببعض مصانع الألبسة والأحذية، لكن مالكيها فضّلوا إقفالها أو نقلها إلى قلب طرابلس خوفا عليها من الاحتراق أو التوقف عن العمل بفعل الأحداث الأمنية.

أما باب التبانة فهي مجموعة حارات فقيرة جداً، متداخلة ومتشابهة، يسكنها نحو ستين ألف نسمة، عشرات العائلات من بينهم تنتمي إلى الطائفة العلوية، ويعيشون جنباً إلى جنب مع السنّة.

إحدى حارات باب التبانة هي حارة "البرانيّة"، لا تدخل شوارعها السيارة بسبب ضيقها الشديد (عرض واحدها أقلّ من مترين)، تماما مثل شوارع المخيمات الفلسطينية. الأبنية قديمة جداً، بنيت في الستينات أو السبعينات على ما يظهر، ولم تلق أيّ صيانة منذ ذلك الحين.



في باب التبانة تراوح المهن بين النجارة والدهان والدكاكين التي لا تنتهي، وبين تصليح السيارات وبيع اللحوم والدجاج في حدّ أقصى. تماماً كما في جبل محسن. لا خدمات حديثة، لا مقاهي إنترنت كما في الطريق الجديدة مثلا أو في الضاحية الجنوبية لبيروت.

لا ملاعب حقيقية. الشارع الخارجي، بين السيارات، هو الملعب الأكبر، فيما الشوارع الداخلية، الضيقة جدا، التي تسيل في وسطها مياه الصرف الصحي، هي "مراتع" الأطفال وملاعبهم.

وجوه السكان، في "الباب" كما في "الجبل"، تشبه الأبنية، وثيابهم تشبه وجوههم، وطريقة كلامهم تشبه ثيابهم. كلّ شيء بائس في "البرانيّة"، كما في الجبل. الفقر هنا ليس نقصا في المال أو في الطعام أو في الخدمات، أو في القدرة على القيام بنزهات.

الفقر هنا حالة متكاملة، من الرأس إلى أخمص القدمين. الناس يجسدون الفقر نفسه، وليس ما يملكونه أو لا يملكونه. الفقر يملأ عيونهم كما يظهر على ثيابهم وعلى أحذيتهم القديمة، أو "الشحّاطات" التي لا يزيد ثمن الواحدة منها عن الألف ليرة.

إدارياً، التبانة والجبل منطقة واحدة، شمال طرابلس. هما المنطقتان الأقرب إلى سوريا. وتربط بين المنطقتين حارات وممرات ضيقة وأزقة، وأدراج قديمة، لدرجة يصعب معها رؤية مسافة فاصلة بين الطرفين. فالبيوت متداخلة ومكتظة. وعلى الخطّ الذي يعتبر الفاصل الوهمي، شارع سوريا، خليط من منازل لعائلات سنية وعلوية، تضطر للنزوح عند كلّ اختلال أمني. والاختلاط ليس عمرانياً فقط، بل يتعدّاه إلى صلات القربى والزيجات السنية – العلوية والعلاقات التجارية والصداقات.



في الجبل حاول مرافقو عيد إقناع الكثيرين بالتحدث إلينا، لكنّ الناس خائفون. كلّ شيء له علاقة بباب التبانة وبالسنّة وبالطائفية يخيف سكان الجبل. هم الأقليّة هنا. والأقلية تخاف أن تستثير أقوالهاـ أكثرية محيطة بها.

الأمر نفسه تكرّر في باب التبانة.. السكان لا يريدون الحديث. ملّوا من وسائل الإعلام من جهة، ومن جهة أخرى "ما بيجينا شي"، أي لا فائدة من ظهورهم وحديثهم إلى الوسائل الإعلامية، ومن جهة ثالثة: "الإعلام بيزيدها"، أي أنّ وسائل الإعلام "تضخّم" ما يحصل، بحسب آراء السكان هنا.

الخوف إذاً والملل و"عدم الاستفادة" و"التضخيم لغايات سياسية وإعلامية"، كلّها أسباب للخوف من الإعلام وللنقمة عليه، ولرفض السكان في المنطقتين الحديث بشكل رسمي. الدردشة ممكنة من دون أسماء ومن دون صور ومن دون رسميات ومن دون تدوين.

في الجبل كانت المحاولة الأخيرة في منزل رئيس مجلس الطائفة، أسد عاصي، الذي استقبلنا، ثم رفض التوسّع في الحديث معنا، لكنّه أكّد أنّ "الطائفة مغبونة"، وطالب "بوزير علويّ في الحكومة للتعويض عن الغبن اللاحق بنا".

في منزل عاصي، وافقت السيدة الثلاثينية فصيحة درويش على التحدث إلينا. فصيحة تعيش في الجبل، لكنّها تتنقل بين الجبل والتبانة: "كلنا جيران ودائما عشنا معاً. كنا نجلس على سفرة واحدة، لكن ما الذي جرى؟ لا نعرف. ولماذا جرى ما جرى؟ لا أحد يعرف".

فصيحة تزور باب التبانة باستمرار "ولنا أصدقاء وأقرباء هناك، فنحن متصاهرون في المنطقتين، وأصدقائي يزورونني أيضاً في الجبل هنا، كما يزورون أولادنا وأخوتنا وأصدقاءنا بشكل طبيعي".

تعود بالذاكرة إلى الثمانينات، حين سقط الآلاف من المنطقتين في معارك مجنونة، وتقول: "بعد أحداث الثمانينات عادت الأمور إلى مجاريها وصار هناك ألفة قوية، لكن فجأة في العام الماضي، تغير كلّ شيء، ولا نعرف ما الذي تسبب بما جرى ومن المستفيد؟".

لا تعرف هذه المرأة من يطلق النار: "إذا عجزت الدولة والجيش عن كشف الفاعل من أين لي أنا أن أعرف؟"، وتضيف فصيحة: "لكنّ المنفذ لا يريد راحة البلد. هناك مستفيد لكن لا أعرف من هو ولا أحد يعرف، وإلا لكنا اتهمنا وعرفنا غريمنا على الأقلّ وحاولنا مواجهته. لكن ما يحصل هو أنّه في يوم تقصف حديقة أطفال وفي يوم آخر يقصف مقهى للرجال".. هنا تنفعل فصيحة، وتسأل بعصبية الثكلى: "الذين يموتون على حساب من يموتون؟ ولماذا؟ ولأي سبب؟"، وتكمل غاضبة: "في العام الماضي لم نعرف سبب التفجير، ومات العشرات من عندنا ومن عندهم، وحتى الآن لم نعرف إلا الخسارة، المادية والمعنوية".

هنا يتدخل أحد الحاضرين في منزل رئيس الطائفة، وهو يرفض نشر اسمه، قائلاً إنّ إسمه هو "نسر الجبل": "حتى الآن لم نقبض التعويضات التي وعدتنا بها الدولة وأطراف أخرى، من مؤسسات الحريري إلى مؤسسات الصفدي ومؤسسات ميقاتي. كلّهم أعلنوا عن تبرعات ومساعدات أمام وسائل الإعلام ولم يدفعوا لنا شيئاً منذ أكثر من عام حتى الآن".



في منزل عاصي أيضا تحدثنا إلى طفلين لا يعرفان من تفاصيل ما يحدث إلا الخوف. الأول هو علي عثمان، ابن الثماني سنوات، الذي يخاف من القصف كثيرا: "حين يبدأ القصف أروح أبكي وأخاف كثيراً وأحاول أن أختبئ".

لا يعرف علي من هو "العدوّ" الذي يطلق النار، على خلاف أطفال في مناطق أخرى، مثل الضاحية، حيث يعرفون أن "الإسرائيلي هو العدوّ". لكنّ علي في طرابلس لا يعرف شيئا على الإطلاق.

الأمر نفسه ينطبق على صديقه موسى جربوة، ابن السنوات العشر: "حين يقصفون نبكي قليلا ثم ننام خائفين". هو أيضاً لا يعرف من يقصف عليه وعلى أهله ولا لماذا. 

أما هلال الدوكة، ابن الـ35 عاماً، فهو مسجون في الجبل منذ ما قبل السابع من أيار 2008: "لم أخرج من الجبل منذ سنتين، ولا قلب لي للخروج الى التل أو المينا".

هلال يشعر بأنّه مسجون "في علبة حلاوة". وقال: "أخاف أن يدفشوا عليّ مجموعة مراهقين ويطعنونني غدرا بسكين"، ويضيف: "أنا عضو في الحزب العربي الديمقراطي، وبيننا وبين التبانة وبين تيار المستقبل لا يوجد شيء. زوجتي سنية من باب التبانة، وأهلها يزورونها هنا في الجبل وهي تزورهم، لكن انا لا أستطيع". ويختم متحسرًا: "لي أصدقاء في التبانة، أحيانا "يؤشّرون" لي بأيديهم وأنا "أؤشر" لهم، لكن لا أستطيع أن أقطع الشارع لأصافحهم".

كلّ ما يريده هلال هو استعادة حياته الطبيعية: "نريد أن نعيش كما كنا نعيش قبل أحداث أيار. نريد أن نعيش حياة طبيعية". هذا أيضا ما تريده فصيحة وما يريده علي وموسى، وما يريده محمد خاشقجي من باب التبانة وغيره من الأصدقاء الذين رفضوا ذكر أسمائهم.



يقول أحد الشبان في حارة البرانية: "هم ابتدأوا وتحرشوا بنا، ربما من أجل السياسة وربما بسبب أوضاع خاصة يمرون بها، وما زالت النفوس مشتعلة منذ ذلك الحين". شاب آخر يقول: " لا أعرف، فجأة يختفي الناس من المنطقة من دون سبب. فجأة نكون نشرب القهوة فتسقط قذيفة علينا. ربما هي حرب أعصاب. لا أعرف".

لم تشف ذاكرة سكان باب التبانة من القذائف التي سقطت عليهم في السنتين الماضيتين. يتحدثون عن القصف كما لو أنّه توقف قبل دقيقتن: "نحن وهم لا عداوة بيننا، ربما هناك طرف ثالث يحاول زرع الفتنة، ليقولوا إننا نطلق عليم القذائف ونقول إنهم يطلقونها علينا، لكن بيننا وبينهم لا عداوة"، فيتدخل شاب آخر: "بالتأكيد هناك طابور خامس".

رجل ثالث، تعدّى الأربعين من عمره، يقول بانفعال: "إسألوا السياسيين عن القذائف، هم الذين يملكون ثمن القذائف والصواريخ، أما نحن فلا نملك ثمن الطعام حتى".

ويضيف الرجل الأربعيني، مشيرا إلى متجره وإلى متجر مجاور له، في زواريب "البرانيّة" الضيقة: "هذا الرجل صاحب هذا الدكان من إخواننا العلويين في الجبل، ويجلس بيننا ونجلس معه ولا شيء بيننا.



هناك من يعيد العداوة بين المنطقتين إلى ثلاثين عاما مضت، إلى زمن المعركة بين الفلسطينيين والسوريين في ثمانينات القرن الماضي، يومها وقف أبناء الجبل مع النظام السوري، فيما انحازت التبانة إلى جهة الفلسطينيين، ودعمت كل جهة طرفها بالأسلحة، ودارت معارك متقطعة منذ عام 1980 وحتى عام 1986، إختتمت بـ"مجزرة باب التبانة"، التي لا ينساها أهل التبانة.

هذه المجزرة التي ارتكبها مسلّحون (قيل إنهم من جبل محسن) تحت غطاء سوري، أزهقت فيها مئات الأرواح. يروي أحد شبان التبانة، وهو مثقف ويعمل في وسيلة إعلامية، كيف "قتلوا العجزة والأطفال".

هكذا تعيش صور المجزرة في رؤوس الشبان الذين لم يشهدوها. بعدها فرضت سوريا سيطرتها على المنطقة إلى حين انسحابها في العام 2005، حين خرجت النار من تحت الرماد.

خلال هذه الهدنة الإجبارية لم تقم السلطات، لا المحلية ولا المركزية في بيروت، ولا حتى السورية، بأي خطوة لمصالحة حقيقية بين المنطقتين، ولم تعقد مصالحات حقيقية، فيما ينادي أبناء المنطقتين بتفعيل ومتابعة المصالحة التي وقعها الرئيس سعد الحريري مع الأمين العام لـ"الحزب العربي الديمقراطي" علي عيد في العام 2008 "حتى لا تبقى حبرا على ورق".



بعيدا عن السياسة التي أبقت المنطقتين محرومتين، وبعيدا عن السلاح المنتشر بكثرة في الجانبين، فإن الإهمال الرسمي لباب التبانة ولجبل محسن جعلهما الأفقر في لبنان، مع بطالة تتعدّى نسبتها، وفق التقديرات، الثمانين في المئة.

هذه البطالة تراها في الشوارع، حيث الشبان الذين كانوا يقبضون رواتب رمزية لقاء مشاركتهم في القتال، يجلسون على زوايا الأزقة "بلا شغلة ولا عملة"، بعدما هدمت حربهم الأخيرة أكثر من عُشر المباني، المهددة أصلا بالتداعي بسبب قدمها وضعف بنائها.

رغم ذلك كلّه، يؤكد السكان في المنطقتين أنّهم ملّوا القتال، وأنهم لا يكرهون بعهضم بعضاً، وأنّ ثمة طابوراً خامساً دخل على الخطّ... وقفز فوق القمة السعودية ـ السورية والمصالحات العربية والداخلية.