0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


نتـالـي روزا بوخر

اعادة اكتشاف "جنّة معمارية" في الجميزة

(image courtesy of Nathalie Rosa Bucher)
(image courtesy of Tom Young)

منزل قديم لإحدى العائلات يتحوّل الى أحدث مركز ثقافي في بيروت: "فيلا بارديزو"

بينما يسير عائداً الى منزله في أوّل ساعات يوم رأس السنة مع زوجته نور، وقع نظر الفنان والموسيقي والمدرّس البريطاني طوم يونغ على منزل قديم كبير وجميل قيد الترميم في الجميزة. وأمامه كانت توجد لافتة مغطّاة بالباطون مكتوب عليها: "للإيجار او الاستثمار".

 

بعد عدة أيام، اتصّل يونغ بالرقم الموجود على اللافتة فأجابه ريمي الفغالي، المهندس المعماري وابن العائلة التي تملك المنزل اليوم. أما ما لم يعرفه أحد يومذاك فهو أنّ هذا اليوم سوف يشير الى بداية تحوّل رائع، وسريع لمنزل عائلي قديم الى مركز ثقافي، هو Villa Paradiso.

 

منذ إقامته في بيروت، ويونغ يفكر كثيراً بموضوع خسارة التراث ويتحدّث عنه في كل حين. وفي النهاية، أراد أن يحاول استخدام الفن لإنقاذ المنازل المهجورة أو ترميمها.

 

في الماضي كان هذا المبنى المميّز الذي بات مهملاً اليوم منزل عائلة بالوميان، وهي عائلة أرمنية- لبنانية غنية تعمل بالتجارة وقد سكنت في هذا المنزل حتى عام 1975، حيث هربت بسبب الحرب. عندما أجرى يونغ اتصاله هذا، كانت عائلة فغالي تقوم بترميم المنزل على مراحل متقطّعة منذ أربع سنوات. "في آخر السنة الماضية" يشرح ريمي قائلاً "اتخذتُ القرار بأن أستأنف عملية  ترميم المنزل لأنّنا جميعاً في العائلة شعرنا بان المنزل كان بحاجة لأن تعود إليه الحياة ولأن يعود نافعاً مجدداً". ريمي هو المسؤول عن أعمال الترميم، وسيكون الى جانب شقيقته ريتا، المسؤولين الرئيسين عن إدارة المركز الثقافي الذي ستتحوّل إليه هذه الفيلا "فيلا باراديزو" عمّا قريب.

 

"لم تكن لدينا أية فكرة واضحة إلى ماذا قد نحوّله، لحين ظهر طوم يونغ وطلب منا استخدامه كمكان لعرض أعماله. قبلنا على الفور وبدأنا بتحقيق حلم لطالما راودنا منذ سنوات؛ هو أن يكون لدينا منزل حيث يمكننا الاحتفال بالحياة في بلدنا، بكافة أشكالها، الفنون، والأحداث الثقافية، والأحداث الاجتماعية... ومن هنا جاء اختيارنا للاسم: Villa Paradiso [الجنّة]".

 

أما علاقة يونغ بلبنان فتعود للعام 2006 عندما كلّفه الميكانيكي اللبناني الذي يهتم بسيارته في إنكلترا بأن يرسم مناظر طبيعية  من بلده الأم. هكذا تألّف العمل الذي أنجزه عقب رحلته الاولى تلك، من مناظر طبيعية ساحرة ورومنسية، تعبّر عن جمال طبيعة لبنان وعن الضوء والنكهة المتوسطيين. ويقول الكاتب إنّه وقع على الفور في غرام لبنان.

 

شاهد يومذاك الدمار الذي تسبّبت به حرب 2006 عن بُعد، وقرّر العودة في تشرين الأوّل من ذلك العام لكي يقوم بورش عمل فنية مع اطفال الضاحية. "أحد أهم الدروس التي يمكن ان نتعلّمها من اللبنانيين هو أن نعيش اللحظة [في الحاضر]" قال يونغ لـ NOW.

 

"نسمع كثيراً عن العصر الذهبي، وكيف كان لبنان حينذاك. لماذا هذا الحنين الى الماضي؟ ثمة العديد من الحفلات الرائعة [اليوم]. هناك تلك النزعة الى الصخب و[الاستمتاع بالحاضر] فبينما يتحدّث البعض عن احتمال حصول انهيار ما للوضع، هناك من يتحدّونهم قائلين: "فلنحتفل إذن".

الأعمال المعروضة في "فيلا باراديزو" خاصة بالمكان هذا بحد ذاته. فبعضها مثل Gunflowers و Let the Light  مستوحاة من المنزل القديم نفسه، والبعض الآخر مثل Carousel، The Beat، Goes on، وGolden Age مستوحى من بعض التذكارات التي عثر عليها يونغ في المنزل. وتبقى بعض اللوحات المعروضة، مثل Cuban Heels، و Orientalism تستند الى صور ورسوم تخطيطية تم التقاطها في أماكن أخرى، وبالتحديد في كوبا وعُمان.

 

سيطرت لبعض الوقت مواضيع الذاكرة، والتوق، والخسارة على أعمال الفنان، ولكن بعد زيارته الثانية الى لبنان بشكل خاص، عقب حرب 2006، تحوّل عمله من المناظر الطبيعية الرومنسية نحو رسم الواقع بشكل أصدق وبشكل يحاكي السياسة نوعاً ما.

 

"إذا كنت حساساً، تلاحظ وجود الظلم، والشجاعة، والمرونة- وكفنان كان عليّ أن أستجيب لذلك. كان تحديا حقيقياً بالنسبة لي أن أستخدم مقاربتي الرومنسية. لقد منحني لبنان قناة للتعبير عن هذه المسائل الحساسة. وأحد الامثلة على ذلك هو استخدام يونغ للتصريح الذي أدلى به رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال دان هالوتز عام 2006، بأنّه سيُرجع لبنان 20 سنة الى الوراء، كمصدر وحي جعله يرسم الدمار الحاصل في الضاحية الجنوبية. ففي اللوحة، تحت عنوان "عشرون عاماً"، تترافق الخطوط الواضحة مع المسحات اللونية الناعمة، والغريبة، والواعدة مبدئياً.

 

هكذا استطاع هذا الفنان التعبير عن مكنونات نفسه من خلال سكبها رسومات على قماش الكنفا. "لقد حرّرني ذلك. من الصعب أن تستمر بالقيام بأمر لا تؤمن به". يعترف يونغ بأنّ الحيّز الذي وجد أنّه يختبر نفسه فيه كان في الوقت نفسه حيّزاً هشّاً:"من خلال لبنان، تمكّنتُ من رؤية العالم بشكلٍ مختلف".

 

والمعرض عبارة عن مشهد مختلف الألوان من الأشياء والمشاهد، المنفّذة بعناية: بيروتي الطابع بامتياز ولبناني بامتياز. "هل على الواحد منّا أن يعود خطوة للخلف لكي يرى جمال بيروت؟ يسأل سمير قصير في كتابه "بيروت". وجواب قصير هو نفسه جواب يونغ: انظر الى الجمال في الزوايا الخفيّة، في الأماكن غير المتوقعة، وفي التفاصيل. وإحدى اللوحات، Gunflowers، تعبّر عن ذلك خير تعبير، حيث تمزج ما بين جدار مخروق بالرصاص وزهور محليّة. في كافة انحاء المدينة، التي يصوّرها يونغ بأدق تفاصيلها، تظهر الندبات حيث يرفض الألم أن ينحسر. غير أنّ الجدران التي تبدو عليها آثار الرصاص تتحوّل هي الأخرى، والجمال يعود ليفرض نفسه كالنسيج الأساسي الذي تتألف منه المدينة.

عثر يونغ على ممتلكات شخصية- على جوازات سفر، وقناني عطر، ومجموعات موسيقية، وتسجيلات قديمة، وكتب أرمنية، وصور فوتوغرافية- داخل الفيلا. وقد ألهمته بعض هذه الأمتعة على إعادة خلق مشاهد من صور فوتوغرافية مُلتقطة على الشاطئ، مثل لوحة Golden Age، أو في بعض السهرات التي حصلت في هذا المكان.

 

أما لوحة The Beat Goes on، وهي لوحة ضخمة معروضة في الطابق العلوي، فهي تصوّر إحدى هذه السهرات حيث يرقص الضيوف بكامل أناقتهم طوال الليل. وفيها يمزج المشاهد الصاخبة التي شاهدها هو في حفلات تُقام في أبنية مهجورة في بيروت وحولها، مع ما يتخيّل ان تكون السهرة عليه قبل عقود، بالإضافة الى رسوم مصنوعة من القرميد الأصلي الذي وجده في الفيلا. تركّز اللوحة على رسم الأرض: أقدام تتنقّل، وفساتين تتمايل، وأطراف تتحرّك – أما الطاقة فهي واضحة، نشيطة، ومقبلة على الحياة.

 

تكسوها طبقات من الغبار الذي تجمّع منذ غادرت عائلة بالوميان المنزل عام 1975، عثر يونغ على بطاقة دعوة الى افتتاح متجرهم لبيع الهدايا، أي Carousel، الذي فتح أبوابه عام 1965. أما اللوحة المستوحاة من ذلك فهي Carousel وهي معروضة في مكان بارز في الطابق الأول، وتعكس المرونة الكبيرة التي تتمتع بها بيروت. ترمز اللوحة  الى الطفولة والبراءة، وهي مرسومة بألوان تشبه الجمر، وتُنير ساحة، مسمّرة الاطفال أمامها لدى التفافها، ومشعلةً سماء الليل. وبالطريقة نفسها، يتقلّب  لبنان بمعظمه على إثر اللكمات التي يتعرّض لها، فيخسر ناسه أمتعتهم ولكنّهم يتابعون حياتهم بالرغم من كل شيء، حتى عندما كان يبدو خط سير الحياة وكأنّه واقف في مكانه لا يتقدّم قيد أنملة.

"أعشق ذلك، إنّه يلهمني"، يقول يونغ بكل جرأة. ولدى سؤاله عن شعوره حيال النسيان الذي سيطر على سنوات ما بعد الحرب الأهلية، يرى يونغ أنّ ثمة نوعا من التوازن يجب أن يُقام بين الاعتراف بآلام الماضي وفي الوقت نفسه مواجهتها، وتخطيها.

 

خلال وقت الترميم، الذي كان كذلك وقت الخلق والإبداع، كان يونغ، الذي أقام لنفسه أستوديو صغيرا في الطابق العلوي، يرسم تحت انظار رسم أمه المتوفيّة، وكذلك رسم رب أسرة آل بالوميان، مادريوس بالوميان الذي أنجزه بنفسه. وقد باركت عائلة بالوميان- التي تعيش بأكملها الآن خارج لبنان مبادرته تلك وشكرته عليها.

 

حتى تاريخ 9 حزيران، أي تاريخ انتهاء معرض يونغ، سوف تُنظّم العديد من الأحداث في الفيلا، بينها حفلات موسيقية وعروض أفلام، وورش عمل فنية للأطفال المحتاجين، وأحاديث ونقاشات مفتوحة لمهتمين وخبراء بعلم النفس وبالهندسة المعمارية.

 

وابتداء من أيلول المقبل، سوف تبدأ "فيلا باراديزو" باستضافة أحداث ثقافية واجتماعية. "وهي تهدف الى التحوّل الى حيّز حيث يلتقي الناس ويحتفلون بالحياة وبولادة المدينة من جديد"، يشرح فغالي "لن تكون مركزاً للفن فحسب، ولكن نأمل بأن تتمكّن من احتضان كافة النشاطات الثقافية والاجتماعية الخاصة بثقافتنا اللبنانية المتوسطية الشرقية الجميلة".

فعائلة الفغالي سوف تصوغ مستقبل الفيلا.

 

"آمل بأنّ هذا الزخم الذي نعمل فيه اليوم والذي مكّننا من نقل منزل لبناني مميّز من حقبة أواخر القرن العشرين (وما قبلها) الى القرن الواحد والعشرين، سوف يساعد كذلك مالكي المنازل اللبنانية القديمة والقيّمة المشابهة له" يضيف الفغالي. "هناك العديد من الأفكار التي يمكننا العمل عليها من اجل هذه المنازل بدل هدمها ومسح أي هوية لها متبقية من الماضي!"

 

هذا المقال هو ترجمة للنص الانكليزي الاصلي

 

(ترجمة زينة أبو فاعور)

(image courtesy of Nathalie Rosa Bucher)

"أما علاقة يونغ بلبنان فتعود للعام 2006 عندما كلّفه الميكانيكي اللبناني الذي يهتم بسيارته في إنكلترا بأن يرسم مناظر طبيعية من بلده الأم"