2

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


ريّـان ماجـد

أيها اللبنانيون: في عاصمتكم نهر فيه تمساحٌ وهذه قصته

نهر بيروت بين الواقع والتمنّي- من دراسة أعدّتها ساندرا فرام
نهر بيروت - تصوير طلال خوري
نهر بيروت بين الواقع والتمنّي- من دراسة أعدّتها ساندرا فرام

ما إن ينسى سكان بيروت وجود نهر في مدينتهم، حتى تأتيهم أخبار "عجائبية" تذكّرهم به.

منذ أشهر، أصبح لون نهر بيروت أحمر فاقعاً، بعدما كان أسود داكناً نتيجة تلوّثه. وحتى لو اعتاد سكّان المناطق المحيطة بالنهر التغيّر الذي يطرأ على لونه بين فترة وأخرى نتيجة رمي النفايات الصناعية فيه، إلّا أن التغيّر في اللون لم يكن في المرات السابقة فاضحاً الى هذه الدرجة. ظهر بعدها بفترة تمساح (أو أكثر) يعيش في هذا النهر، إحتلّ مكانه فيه وفي أحاديث الناس وتعليقاتهم. تمّ تناقل صوره، ومعها روايات عديدة حول كيفيّة وصوله الى هذا النهر، وكيف استطاع البقاء على قيد الحياة في مكان لا يحتمل أحد العيش فيه، وفتح للناس طاقة "الكوميديا السوداء" في ظل الهستيريا التي يعيشها البلد و"التماسيح الكثيرة الموجودة التي تسرح في طول البلد وعرضه". ومنذ أسبوع، ظهرت كائنات غريبة جديدة في نهر بيروت، من المرجّح أن تكون نوعاً من السلاحف النادرة، وهي الآن تسبح جنباً الى جنب مع التماسيح هناك.

ما هو نهر بيروت هذا؟

 

"ينبع نهر بيروت من المنحدرات الغربية لجبل لبنان على ارتفاع 1890 متراً. يتدفّق غرباً نحو 20 كم من نبع جوفي قبل أن يغيّر مجراه شمالاً في آخر خمسة كيلومترات ليمرّ في سهل ساحلي مكتظ عمرانياً ويصبّ بعدها في البحر المتوسط في بيروت. هذا النهر موسمي يشحّ في الصيف مثل الكثير من الأنهر اللبنانية ويكون غزيراً في الشتاء"، بحسب ساندرا فرام، المهندسة التي عملت سنتين على مشروع حول هذا النهر.

"لغاية العام 1933 كان النهر واسعاً وذاهباً في العرض. قدِم في ذاك العام لاجئون أرمن وسكنوا على ضفافه، فبدأ يضيق. أضف الى ذلك كميّة التراب التي تتساقط فيه والتي أدّت الى ارتفاع مستواه. فطاف النهر عام 1940. أخذت الدولة قراراً وقتها تماشياً مع ما كان يحصل في العالم بشقّ قنوات للسيطرة على فيضان النهر. في العام 1956 تمّ صبّ مجرى النهر بالباطون لغاية جسر الواطي، وفي الـ 1988، امتدّ الباطون إلى جسر الباشا".

بدأت ساندرا فرام في العام 2008 بالعمل على مشروعها. لم يكن هناك حينها عمران كثيف في محيط منطقة النهر كما هو حاصل الآن، ورأت أنه كان يمكن الاستفادة من هذه المساحات المفتوحة على جانبي النهر على المدى الطويل لتخزين المياه. "بما أننا نعيش في بلد، الدولة فيه غير معنية بالاهتمام وبتجميل طبيعتها ليستمتع بها الناس، عملتُ على تقديم مشروع لا يهدف فقط الى تجميل المدينة، بل الى استصلاح النهر وفتحه على المدينة، لتستفيد منه وليصبح جزءاً منها وليس منفصلاً عنها كما هو اليوم. في الصيف هناك نقص في المياه في لبنان، وإذا تمكّنا من تكرير مياه الصرف الصحي ومياه الشتاء ومن ثمّ توزيعها، نكون أمّنا الماء للمدينة وجمّلناها في الوقت ذاته".

بَنت المهندسة في بحثها جسوراً تربط بين الجنائن التي يمكن إنشاؤها على ضفتيّ النهر، وشقّت خطّ طريق مخصّص للنقل العام (الباصات أو الترامواي)، آملة بأن يصبح المشي حينها متعة عند البيارتة، وبأن يشكّل هذا النهر منفذاً ومتنفساً للعديد من الأحياء السكنية الفقيرة المحيطة به. "ممكن أن يساهم النهر في تغيير الناس".

بالنسبة لساندرا فرام، التي تُدرّس الهندسة في الجامعة اللبنانية الأميركية، الكلام عن هذا المشروع في مثل هذه الظروف يبدو غير واقعي. وهي الآن تخلّت عن "حلمها" في إمكانية تنفيذ هكذا مشاريع،  وقرّرت العمل في مكتبها الهندسي على مشاريع صغيرة قابلة للتحقيق أكثر.

"هذا المشروع حسّاس من الناحية السياسية والاجتماعية. فليس هناك إرادة سياسية للقيام بهكذا مشاريع في أحياء سكنية فقيرة، بل يفضلّون العمل حيث توجد أبراج".

يقول المهندس حبيب دبس إن المناطق الفقيرة هي الأكثر حاجة الى مساحات خضراء، لأن سكانها لا يملكون عادة وسائل نقل تخوّلهم الذهاب مع أولادهم الى أمكنة بعيدة للتنزّه، وهم بحاجة الى أن تكون هناك مساحات قريبة من مكان سكنهم، يلعب فيها الأولاد ويتمشّى فيها الكبار في السنّ.

وجد المهندس دبس في الدراسة التي أعدهّا مكتبه الاستشاري أن نسبة المساحات الخضراء في بيروت هي من أفقر المدن في العالم، ولتوسيعها يجب التركيز على الأراضي التابعة للملك العام. في هذه الدراسة التي موّلتها منطقة Iles de France بالتعاون مع بلدية بيروت، "خطّة الأخضر لمدينة بيروت"، أجرى المهندسون مسحاً للمساحات الخضراء الموجودة في بيروت واقترحوا على البلدية خطّة توجيهية تركّز على الفرص الموجودة والتي يمكن الاستفادة منها لتطوير المساحات الخضراء في المدينة.

"في الدراسة التي قدّمت الى بلدية بيروت شددت على أن يكون الملك العام الموجود في منطقة النهر مشجّراً، ليصير متنفّساً للأحياء الفقيرة الموجودة على ضفافه، وأن يكون هناك مكان للأولاد وللكبار في السنّ ليلعبوا ويمشوا. وبما أن التدخل بالنهر صعب، يركّز المشروع فقط على كيفية الزراعة على ضفّتيه. لسوء الحظ أن الأتوستراد الذي بني استهلك كل الأرض. اقترحنا أن يكون المتنزه على سكّة الحديد وعلى جزء من الأراضي الموجودة على جانبي النهر. قسم منه يتحوّل الى مساحة خضراء ونحسّن وضع منطقة كرم الزيتون، ومن الجانب الثاني أيضاً يتحسّن وضع سنّ الفيل وبرج حمود. كما أن سوق الأحد، وهو المكان الوحيد الذي يقطعه الأوتوستراد، يمكن أن يوصَل (بوَصلة خضراء) بجنينة السيوفي، ثم يمدّد هذا الوصل الى سنّ الفيل، ويصبح صالحاً للمشاة. لا تعود المنطقة مخصّصة للسيارات فقط".

معظم الحيّز العام في بيروت مخصّص للسيارات. الأرصفة ضيّقة والأولوية ليست للمشاة. "الناس في لبنان لا يتصوّرون أنفسهم إلّا بالسيارة. في كل العالم، كانت الأولوية للسيارة.  لكن الوعي الذي حصل خاصة في أوروبا أوصل الى فكرة أن السيارة لا يمكنها أن تكون الحلّ. على جهتيّ نهر "السان" في باريس مثلاً، كانت المنطقة مخصّصة للمشاة والبائعين. في السبعينات، بنوا أتوستراداً لتحسين السير، وهو بالفعل ساعد لفترة. لكن عجقة السير ما لبثت أن عادت، لأن كل ما جرى استحداث طرقات للسيارات، كلما زاد الطلب عليها. لذلك، في الثمانينات تغيّر التصور جذرياً إذاً، ورأوا أن الحلّ هو بالنقل المشترك وبتخصيص مسارات للنقل العام. تغيّر نمط الحياة في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا. هناك خط واحد للسيارات والباقي للمشاة، عوض أن تكون الطريق وسيلة عبور، أصبحت مكاناً للتلاقي".

يقول حبيب دبس بأن جزءاً من جيله الذي عاش الحرب الأهلية اللبنانية سافر خلالها وعاد عند انتهائها الى لبنان ليعمل في البلد ويساهم في تطويره وإعادة إعماره. "اليوم هناك إحباط. الوضع السياسي غير محمول. لكن إذا اشتغلنا على موضوع مثل الحيّز العام مثلاً، يمكن ساعتها بثّ الحيوية ضمن المجتمع".

هناك العديد من الفرص والمشاريع التي يمكن تنفيذها لتحسين الحيّز العام وبيئة الناس ونمط حياتهم. "يجب على المجتمع الأهلي المطالبة بذلك، وعلى الصحافة إلقاء الضوء على هذه الجوانب وأن يكون هناك إرادة سياسية"، عندها يتحوّل نهر بيروت من نهر تتغيّر ألوانه حسب لون النفايات التي تُرمى فيه وتعيش فيه كائنات عجيبة الى مكان جميل وممتع، يجمع الناس ويخفّف عنهم وطأة الحياة في هذا البلد.

 

إقرأ النسخة الانكليزية

نهر بيروت بين الواقع والتمنّي - من دراسة أعدّتها ساندرا فرام

إن المناطق الفقيرة هي الأكثر حاجة الى مساحات خضراء.

  • lama tarabay

    هذا مقال رائع جداً.. يؤسفني أن هذه المشاريع لا يتم التسليط عليها في وسائل الاعلام. كل ما تنقله قنوات الأخبار هو اجتماعات الوزراء والنواب الذين يعرقلون كل هذه المشاريع. أتمنى لو أنا الاعلام يتجهل هؤلاء ويسلط الضوء على كل هذه المشاريع التي من شأنها الرقي بالمنطقة والاستفادة من مواردها. وأأسف على هؤلاء المهندسين والمهندسات وكل أصحاب الادمغة اللذين يعملون جهدهم من أجل خلق الأفكار لكن للأسف تذهب سدى في ظل الأجندات السياسية أنا أأمل أن يقرأ هذا المقال مجموعة كبيرة جداً من الشعب لكي يستيقظ من سباته على هذا الواقع المبكي الذي نعيش فيه

    10 أيلول 2013

  • شب لبناني قرف من السياسات و الاحزاب

    كش اسد قصدي كش ملك......زز

    6 أيلول 2013