0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


جـميل ضـاهر

تمّت الصفقة في موسكو "السوفياتية"

موسكو

"لسوء" حظي أنني زرت الاتحاد السوفياتي قبل الانهيار بقليل، الزيارة كانت متصلة بتداعيات الحرب الأهلية اللبنانية.

 

... وصلت ليلاً إلى موسكو وكانت درجات الحرارة شيئا من غضب الله، 40 تحت الصفر .. صعد رجال الأمن إلى الطائرة قبل نزولنا منها، وكان هذا مصدر إعجاب شديد لكل من كان في طائرة "الجرحى" .. إنهم الـ"كاي جي بي" فخر السوفيات وفخرنا نحن شيوعيو لبنان، على اعتبار أنهم وحسب الرواية المتداولة بين الرفاق "أقوى جهاز مخابرات بالعالم" ... تمحّصوا بوجوهنا "المبتسمة"، ومن ثم نُقلنا إلى سيارات الإسعاف ومنها إلى مستشفيات مختلفة كل حسب إصابته ...

 

وصلت المستشفى ليلاً واستقبلتني ممرضة خارجة لتوّها من الحرب العالمية الثانية، تجهُّم وجهها وبدانتها المفرطة لا يوحيا أنها ابتسمت منذ سنوات، طلبت مني خلع ثيابي وسمحت لي بأخذ "البيجاما" الخاصة بي حتى يتم تسليمي اللباس الخاص بالمرضى داخل المستشفى، وهي بدلة صوفية تشبه ملابس عمال سكك الحديد .. لم ترق لي تلك البيجاما الروسية ورفضت استلامها، وأنا القادم من لبنان مع كل أدواتي "الرأسمالية".

 

لم يرني أحد من المرضى ليلة وصولي المستشفى ليتفاجأوا بي صباحًا .. فأنا الوحيد الملتحي (الشكل اليساري الكلاسيكي). نظرات العاملين والمرضى توحي بأني مخلوق فضائي، خاصة وأنا أرتدي زي رياضي ((Adidas و(شحاطة) بنفس المستوى ...

 

بدأنا بتبادل النظرات وشيئا فشيئاً بدأت لغة الإشارة تعمل بيننا، حتى أن بعض المرضى كانوا يأتون لزيارتي يومياً كوني وحيد، وبعضهم كان يقوم بحركات بهلوانية كي يضحكني لأني كنت حزيناً بعض الشيء..

 

بعد فترة من الإقامة في المستشفى جاءني "وفد" كبير من أحد الجمهوريات السوفياتية المتاخمة للحدود التركية، لهم قريب في المستشفى .. تبرع أحدهم في تقديم نفسه والوفد المرافق لا بل استخدم كلمةً كان من المستحيل أن أسمع مثلها في موسكو الشيوعية وهي (جميل بيك) .. أثارت هذه الكلمة استهجاني وأنا أراقب نظرات الوفد الذي يراقب (الشحاطة).. تدخل كبيرهم مرة ثانية وأخرج (شحاطة) تعيسة من كيس كئيب وأشار لي: هل من الممكن أن تعطينا (شحاطتك) وتأخذ هذه بدلا منها ؟ طبعا بلغة الإشارة .. شعرت وكأني أحضر طلب يد عروس .. أصابني الخجل أمام هذا التوسل والنظرات المستعطفة وحجم الوفد و"إشارات" الثناء والتلميح بأننا (مسلمين) وعلينا أن نساعد بعضنا في هذه الظروف الحالكة .. فخلعت شحاطتي الفاخرة وأخذت شحاطتهم المهترئة وتبادلنا السلام... وأكملت أيامي بتلك الشحاطة اللعينة حتى عودتي إلى لبنان.

 

الـ "كي جي بي" كانوا مصدر فخر لنا نحن شيوعيّو لبنان