0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


مـكـرم ربـاح

نايا: الجدار الذي لن يسقط أبداً

نايا شحود
أبو إيلي

لطالما اعتاد المؤرّخون تدوين حكايا انتصارات وهزائم الرجال العظماء، وأحياناً النساء، غير موليين أي اهتمام لمساهمات الناس العاديين الذين لم تكن حكاياهم عظيمة بما يكفي لكي يتم تدوينها.

ولعلّ قصة نايا شحود، أبو إيلي- صاحب الحانة التي تحمل اسمه في الحمرا الذي توفي في 31 تموز الفائت- هي خير شاهد على أنّ هذا المنهج في العمل والتفكير تشوبه أخطاء، لا بل ويعتبر ظالماً.

وُلد نايا عام 1956، بعد حرب السويس، وأراد جدّه أن يسميه سعيد، على اسم بورسعيد، الذي قاوم هجمات الحلف الثلاثي، الذي جمع كل من فرنسا، وبريطانيا، وإسرائيل.

ولحسن حظه كما اعتاد أن يقول على سبيل الدعابة، سُمي بـ "نايا" على اسم الدير الشهير في ضواحي دمشق، صيدنايا، الذي التجأ اليه أجداده الروم الأرثوذكوس للعبادة والاحتماء.

وكان نايا يتذكّر زيارته السنوية الى الدير عندما كان ولداً بناء على إصرار والدته، حيث كان يُجبر على النوم معزولاً ومحاطاً بأيقونات قدّيسين متوفّين وبصلبان. وهي تجربة اعتبرها مرعبة خصوصاً بالنسبة الى ولد في مثل عمره.

مع بداية الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، وجد نايا، كعضو ماركسي في الحزب الشيوعي اللبناني، نفسه منغمساً في القتال دفاعاً عن هوية لبنان وروحه. وبعد قتاله على العديد من الجبهات، تم إرسال نايا الى وحدة النخبة الخاصة لحماية الأعضاء الرفيعي المستوى في المكتب السياسي للحزب.

على حد قول نايا، فقد كان محظوظاً وتشرّف بخدمة أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني الرجل القدوة والمثال جورج حاوي. وقد منح أبو أنيس، كما كان يُعرَف حاوي، نايا أفضل ذكريات حياته عندما كان يكرّس أيامه ولياليه في مرافقته في أنحاء البلد وصولاً إلى مخيمات التدريب، والمحاضرات، والمهرجانات، والاجتماعات التي لا تنتهي أبداً.

خلال حصار بيروت في صيف 1982، كان نايا شاهداً على قتال الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين ضد الجيش الإسرائيلي. وكان دائماً يتندّر في رواية كيف أنّ أبو أنيس، الذي كان معروفاً بشهيته المفرطة، طلب منه أن يحضر وجبة طعام له ولباقي أعضاء المقاومة اللبنانية- منظمة العمل الفلسطيني. فذهب نايا الى المطعم الوحيد الذي كان يعمل في ذلك الوقت، مروش، الذي كان مشهوراً بسندويشات الدجاج التي يصنعها ولم يكن يضاهيها شهرة سوى أسعارها الخيالية. وبعد أن دفع قرابة الـ 100$ لكل سندويش دجاج، راودته رغبة برمي قنبلة على المحل قبل أن يغادره. ومن حسن حظ صاحب المطعم، أنه كان لدى نايا قضايا ملحّة أخرى وبالتالي غادر المكان مسرعاً.

عام 1987، بعد دخول الجيش السوري الى بيروت وسلسلة الاغتيالات ضد عدد من أعضاء الحزب الشيوعي اللبناني، لم يعد من الأمان لأشخاص مثل نايا بأن يبقوا. وبعد مبادرة وليد جنبلاط، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، الحليف التقليدي للحزب الشيوعي اللبناني وابن القائد اليساري الأسطوري كمال جنبلاط، التجأ الشيوعيون الى قرية الرميلة قرب جبال الشوف.

وسرعان ما اكتشف نايا ورفاقه الشيوعيون، أنهم مجبرون على بناء حياة جديدة في ما يدعونه اليوم بـ جمهورية الرميلة الشعبية". في هذه الجمهورية الخيالية، افتتح نايا مطعماً على البحرـ اعتاد أصدقاؤه، الذين يسميهم بالرفاق بغضّ النظر عن عقيدتهم السياسية، أن يأتوا اليه ويتشاركون الطعام والشراب.

في احدى المرات، مرّ بنايا أحد أصدقائه، جورج، وهو يقود سيارة إسعاف، لتحيته وهو في طريقه من الجنوب الى بيروت. ونزولاً عند إصرار نايا، وجد هذا الصديق نفسه مجبراً على الأكل والشرب على مدى الساعات التالية ليسأله نايا لاحقاً عن سبب قيادته لسيارة الإسعاف. تبيّن لاحقاً بأنّ جورج، الذي هو عضو في ميليشيا البعث، كان ينقل أحد رفاقه الجرحى الى بيروت للحصول على العناية الصحية اللازمة.

لا تكون حكايا نايا دائماً مهمة بالنسبة لكل مستمع إليها، لكنها بكل تأكيد تعبّر عن عبثية وصدق نايا في التزاماته من أي نوع كانت في ذلك الوقت. وقصص الحرب التي يرويها لم تكن تحمل تعطشاً الى العنف أو الوحشية، بل تعبّر عن أيام كان فيها بحثهم عن حياة أفضل هو وأبناء جيله أمر قابل للتحقق.

بعد نهاية الحرب، انتقل نايا الى بناية يعقوبيان السوفياتية الطراز في نهاية شارع كاراكاس، حيث زرتُه عام 1996 للمرة الأولى. ورغم أني كنتُ في السادسة عشرة حينها إلاّ أني وجدتُ نفسي على صلة وثيقة بأبو إيلي وبعدها عندما كنتُ في الجامعة، وجدتُني أصبحت عضواً مداوماً (وليس مجرد زبون) في الجلسات الليلية التي كانت تضم أفراداً آخرين من عائلة نايا الخيالية.

هذا الثقب الصغير في الجدار المُزدان بصور مقاتلي الحرية، والمفكرين، والسياسيين، وحتى الديكتاتوريين، هو تحية من نايا إلى هؤلاء الأبطال الذين سقطوا. فقد أبقى نايا على الجدار خلف الحانة من أجل رفاقه، ناشراً عليه صور رحلات وحفلات وصور أصدقاء طفولته، حتى بات كل ذلك جزءا من الحانة.

قد لا تكون حكاية نايا استثنائية بالنسبة لمن لم يتعرفوا عليه، أو كانوا محظوظين بما يكفي لكي يتشاركوا شرابا أو قصة مع هذا الرفيق الماركسي- اللينيني، كما يُحب أن نسميه. غير أن تاريخ لبنان المعاصر والنسخات العديدة منه التي ستُروى في المستقبل القريب يجب أن تكون مليئة بقصص رجال ونساء من مختلف الانتماءات (يمين ويسار)، مشابهين لنايا الذي خطيئته الوحيدة وسر يأسه لاحقاً هي طموحه العيش في عالم أفضل.

منذ عام 1956، الذي وُلد فيه نايا والعالم حولنا في تغير مستمر. فقد نشأت أمم وسقطت أمم. اغتيل بطلا نايا، كمال جنبلاط وجورج حاوي، وسقط كذلك جدار برلين. رغم كل ذلك، ما بقي صامداً هو أن نايا شهود، ذلك الرجل الطيب القلب والجميل الابتسامة قد بنى جدارا لن تسقط منه آمالنا في مستقبل أفضل.

نايا... سوف نفتقدك.

 


هذا المقال ترجمة للنص الأصلي بالإنكليزية
(ترجمة زينة أبو فاعور)

نايا شحود "أبو إيلي"