0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


زينة أبو فاعور

"آب: بيت بيوت" بين الوحدة والاختناق

اب بيت بيوت

قرّرت "فرقة تحويل" التي تأسّست عام 2015 تقديم مسرحية إلى الجمهور اللبناني لتعريفه على ما يدور على مسارح العالم، ولتعريف العالم على مسرحنا. وهي المهمة التي أخذتها على عاتقها، فاقتبست مسرحية للكاتب المسرحي الأميركي ترايسي ليتس تحت عنوان "August: Osage County" وتقوم بتعريبها، بل بلبننتها بشكلٍ بارع لا يجعل المُشاهِد يشعر بعبء الاستيراد. وحدها كلمة "أوكلاهوما" تذكّر بالنص الأصلي.

 

ديكورٌ رمادي بسيط قاتم، يفي بالحاجة وأكثر، لمنزلٍ مسكون بكل أسباب النفور وعدم التلاقي بين أفراده.

 

الأم هي الشخصية المحورية، لكن غير الجامعة. تحاول أن تجمع ولكن جُلّ ما تستطيعه هو أن تمنح كل واحدة من بناتها الثلاث سبباً كافياً ومقنعاً للرحيل. الأم المريضة تظهر في ثياب النوم، و"الروب الطويل" يوحي وحده بالمرض والوهن. هي مدمنة على حبوب الدواء تحاول أن تسكّن بها وجعها من السرطان، او على الأرجح وجعاً آخر لا نعلم ما هو.

 

سبب اللقاء هو اختفاء الأب. الأب أيضاً بدوره سكّير مزمن. كان في ما مضى شاعراً وأكاديمياً ناجحاً قبل أن يستسلم ليأسه، الذي مرة أخرى لا نفقه سببه.

 

الحرارة الوحيدة في هذا المنزل هي حرارة شهر آب. حرارة يشكو منها الجميع ولا علاقة لها بدفء العائلة. ربما هي حرارة الاضطرار الى الاحتكاك بالآخر، بأفراد العائلة. حرارة تولّد الشعور بالاختناق ليس إلاّ.

 

نساء (أمهات) لا يُجِدن سوى التقريع. الأم التي كانت تكتفي بصبّ جام نكدها على ابنتها التي لا تزال تعيش معها، فتقوم بتهزئتها على اعتبار أنّ هذه هي طريقتها في حثّها على إيجاد زوج لها، تجد الفرصة أكثر من سانحة لتوزيع سخريتها وتأنيبها على بناتها الثلاث اللواتي يجتمعن حول مائدة عزاء والدِهنّ. الوالد الذي تبيّن أخيراً أنه انتحر.

 

الأحداث مرصوصة، والشخصيات رشيقة ومباشرة بشكل يستحيل أن يشعرك بالملل. فتجد نفسك مستمتعاً بمشاهدة مسرحية تحمل هذا القدر من المرارة والعلاقات الشائكة والجراح الملتهبة التي لا يبدو أنّ أحداً سيتبرّع لتبريدها.

 

كيف يمكن لهذا الخليط من عدم المودة أن يطلق عليه اسم عائلة. وما معنى أن تكون لديك عائلة؟! لماذا يجتمع كل هؤلاء غير المتحابين وغير المتعاطفين مع بعضهم البعض. لماذا يتكبدون عناء السفر للقاء بعضهم. هل لأنّ هذه مجرّد فسحة لوضع الحق على الآخر وتحميله المسؤولية. لأن الوحدة أصعب؟ لأنها الشبح الأكثر ايلاماً الذي يضعنا في مواجهة أنفسنا ويدفعنا الى النهوض بأنفسنا بدون عون. (الزوجة مثلاً ليست حزينة على فقدان زوجها بل قلقة من كيفية تدبّر أمورها اليومية بدونه).

 

هنا النساء صامدات في تقريعهنّ، باسم الصراحة وتسمية الأشياء بأسمائها، قول الأمور كما هي، وكأنّ الأمور تكون يوماً كما هي وليس كما نختار أن نراها. أما الرجال فيهربون في كافة الاتجاهات؛ واحد نحو الانتحار، آخر نحو الخيانة، ثالث نحو الكسل. واحد فقط صامد، هو زوج الخالة القاسية كخبز يابس. حتى هو يهدّد بالرحيل ولكنّه صامد.

 

الحكاية منهكة وكأنها الجحيم، وعبثاً تحاول فيها البحث عن بقعة ضوء، عن انشراح ما، عن بعض الرأفة التي لا نراها سوى في مشهد الأب [زوج الخالة] الذي يطيّب خاطر ابنه غير الفالح والكسول. نراه يقبل ضعفه، يحويه، ويشد من أزره. شعاع بدا مبهراً وسط هذا الظلام الحالك.

 

يبقى أنّ الممثلين أجادوا في تقديم أنفسهم بشكل سلسل وبارع، كلّهم.

 

مشهد من المسرحية