1

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


مـكـرم ربـاح

سباق رئاسة الجمهورية

سليمان فرنجية

بالنسبة إلى غالبية اللبنانيين، باتت الأخبار المتواترة حول فشل المجلس النيابي في تحقيق النصاب اللازم لانتخاب رئيس جديد للجمهورية لا تقدّم أي جديد، إن لم نقل إنّها باتت تتصّف بشكل ما بالتفاهة. فعلى مدى الـ 18 شهراً الماضية، فشل البرلمان اللبناني 32 مرة في الاجتماع، خصوصاً بسبب رفض فريق 8 آذار الموالي لإيران بالتقدّم في هذه المسألة إلاّ إذا كان مرشّحها الأساسي ميشال عون هو المتباري الأوحد للفوز بالرئاسة.

 

هذه الحقيقة تغيّرت مؤخراً عندما وجد عون، المنافس الأبرز على الرئاسة، نفسه وقد تم الالتفاف عليه أو ربما استُبدل بأحد حلفائه وهو سليمان فرنجية. ولطالما تباهى فرنجية، المعروف بمقاربته غير المتحفظة للسياسة، بعلاقته الأخوية بالرئيس الحالي بشار الأسد، الى حد الإعلان أنّ "الأسد هو صديقي وأخي وسوف يبقى كذلك".


إلا أنّ التغيير الأصعب لا يكمن في كون فرنجية كسح عون، في الوقت الراهن أقلّه، بل في كون هذا التغيير حصل بعد أن قام كل من خصمي بشار الأسد ونظامه البارزين سعد الحريري ووليد جنبلاط بالموافقة على ترشّحه.


هذه المبادرة التي قادها جنبلاط، الخبير المخضرم في الأمور الاستراتيجية، تلقفتها القيادة الشيعية، لا سيما رئيس مجلس النواب نبيه بري بمشاعر متشابكة. أما حزب الله فلم يعلن موقفاً واضحاً حتى اللحظة، الأمر الذي يترك الأمور ضبابية، خصوصاً وأنّ بري لا يكن مشاعر مودة عظيمة لعون الذي هاجمه في العديد من المناسبات.

 

المعارضة الحقيقية الوحيدة لفرنجية جاءت من جهة عون وسمير جعجع وباقي مسيحيي 14 آذار. ففي حين يعتقد الأول بأنّ هذا هو حقّه المقدّس كممثل شرعي للموارنة في أن يصبح رئيساً، يرى الأخير انتخاب فرنجية بمثابة صفعة لمبادئ السيادة واحتمال عودة السيطرة السورية كما كانت قبل عام 2005.


وبغض النظر عن احتمال أن يغير أي من الفرقاء المذكورين آنفاً آراءهم، فإنّ ترشيح فرنجية المفاجئ يجب أن يُنظر اليه من ضمن السياق الإقليمي، وعلى وجه التحديد التدخّل العسكري الروسي أخيراً في سوريا وما ترتّب عليه. حيث يرى العديد أنّ قرار فلاديمير بوتين إرسال جيوشه لإنقاذ كل من الأسد وإيران من فشلهما المتكرّر في القضاء كلياً على المعارضة السورية بكافة أشكالها وعلى الدولة الإسلامية، هو انتصار للأسد.


لكن لدى النظر الى الموضوع من منظار آخر، يمكن اعتبار التدخّل الروسي خطوة باتجاه سوريا ما بعد الأسد حيث تحلّ روسيا مكان إيران في دور الوسيط الإقليمي. ويمكن طبيعياً أن تصادق الولايات المتحدة، وأوروبا والدول الإقليمية مثل السعودية وقطر على هذا الدور الروسي. حيث بدا أن روسيا تحظى بدعم هؤلاء الفرقاء للهجوم على داعش، غير أنّ بوتين مدرك أنّه من أجل التخلّص من داعش نهائياً، يجب التخلّص من سبب قيامها، أي الأسد. والمفاجئ هنا هو أنّ إيران قد تكون منفتحة على مثل هذا السيناريو بما أنّه يبدو بأنّ تكلفة الابقاء على سوريا وبالتالي الأسد أكثر مما كان متوقعاً.


الأهم من كل ذلك هو أنّ بداية هذا التوافق الإقليمي والدولي بدأت تنعكس على الوضع اللبناني مع ترشيح فرنجية وإطلاق سراح 16 عسكريا لبنانياً كانوا معتقلين لدى جبهة النصرة منذ آب 2014. حيث جرى حل هذه المعضلة المحرجة، أقله بالنسبة للدولة اللبنانية، بعد عملية تفاوض مضنية ضلع بها مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم الذي قام بحركة مكوكية ناشطة بين مختلف الفرقاء وعمد إلى تنسيق صفقة مقبولة من كافة الأطراف المعنية، شملت اطلاق سراح معتقلين في السجون اللبنانية بالاضافة الى دفع فدية ضخمة.


وفي حين انتقد كثيرون هذه الصفقة معتبرين أنها تشكّل صفعة الى سيادة الدولة اللبنانية وفرصة للنصرة لتبييض صورتها، تبقى الحقيقة أنّ ابراهيم، وبدعم من قطر وحزب الله (إيران) وربما من سوريا، تمكّن من تفادي سفك الدماء وعبّد الطريق نحو تسوية من شأنها أن تمدّ حكومة الرئيس تمام سلام الغارقة في سبات طويل ببعض القوة.


توقيت هذا التبادل بالاضافة الى التفاصيل المحلية والاقليمية المختلفة المصطفة خلف ترشيح فرنجية، هو مؤشر على جديّة مشروع انهاء الأزمة السياسية وتعبيد الطريق نحو المزيد من الاستقرار الأمني.


ومن غير المفاجئ أيضاً أن يأتي هذا التحرّك الناشط من أجل انتخاب رئيس بعد أسابيع قليلة على استهداف انتحاريي داعش للضاحية الجنوبية لبيروت. فعلى الرغم من الإجراءات الأمنية الصارمة التي يفرضها حزب الله لحماية مناطقه، تبقى الحقيقة بأنّ الفراغ الرئاسي مقروناً بعجز الحكومة ومجلس النواب عن تسيير شؤون الدولة فتح البلد على العديد من التحديات، وعلى رأسها تهديد داعش.


لكن يبقى العائق الأساسي أمام ترشيح فرنجية لحصوله على الدعم اللازم من قبل الفرقاء المسيحيين هو تبنّي قانون انتخابي جديد. فإذا ما حصلت انتخابات نيابية في هذا الوقت، سوف يرتكز القانون الذي سيُعتمد على قانون 2009 وهو قالب جديد للنظام الذي اعتُمِد عام 1960 مع القليل من التعديلات، والقانون نفسه الذي قرّرت الأحزاب المسيحية المختلفة التخلّي عنه في اتفاق الدوحة عام 2008، الذي أنهى مرحلة من العنف بين الفريقين الموالي والمناهض للحكومة في ذلك الوقت. وقد تعرّض هذا القانون كما هو، لمعارضة شديدة ن قبل الأحزاب المسيحية، وخصوصاً التيار الوطني الحر، وحزب الكتائب والقوات اللبنانية الذين كانوا يدفعون باتجاه قانون يترواح بين القضاء، والتمثيل النسبي.


من الناحية النظرية، في حال حُلّت مسألة القانون الانتخابي من خلال تبنّي قانون انتخابي هجين قائم على التسوية، يبقى عالقاً تعهّد فرنجية وحلفائه، وربما بقية الفرقاء اللبنانيين، بفصل أنفسهم عن الحرب الأهلية السورية.


في حين يمكن لكثيرين الاستخفاف بفرنجية على اعتبار أنّه زعيم عشيرة فظّ يفتقر الى المهارات الدبلوماسية والفكرية للإمساك بزمام الرئاسة، قد يكون ترشيحه وانتخابه لاحقاً مؤشراً على الوصول الى التوافق اللازم لتحريك الآثار الجانبية لسنوات من الانقسام السياسي الداخلي. وبغض النظر عما إذا كانت هذه المبادرة لانتخاب فرنجية سوف تأتي بالنتائج المرجوة، من المؤكّد بأنّ لبنان ونخبته السياسية لا يمكن أن يأملا بالمزيد من تأخير أو تمديد هذا الفراغ الرئاسي.

 

علّق مرة المرحوم ريمون إده، السياسي الماروني المحنّك ورئيس الكتلة الوطنية، بشكل ساخر على الرئيس الخامس للبنان، سليمان فرنجية الجد، قائلاً إنّه انتُخب من أجل استخدام عضلاته فإذا به يستخدم عقله. ولعله فيما خصّ سليمان الحفيد، على اللبنانيين أن يأملوا بأن يستخدم رأسه وبأن يحاول ابعاد لبنان عن الحرب الأهلية التي تزداد سخونة في الجانب الآخر من الحدود، أي في سوريا حث يبدو "الأخ بشّار" محكوماً بقدر مشؤوم.

 

مكرم رباح: مرشّح لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة جورج تاون، قسم التاريخ. صاحب كتاب A Campus at War: Student Politics at the American University of Beirut, 1967–1975، ومن كتّاب الرأي الدائمين في موقع NOW.

 

هذا المقال ترجمة للنص المنشور باللغة الإنكليزية في موقع middleeasteye

(ترجمة زينة أبو فاعور)

 

سليمان فرنجية

  • فلاح السعيدان

    ما شكله رئيس دولة

    17 كانون الأول 2015