0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


حـازم الأميـن

ساحة "ميشال ساسين"

وحده ميشال ساسين، من بين السياسيين اللبنانيين الذين أُطلقت أسماؤهم على ساحات عامة، من كان حياً حين جرى إطلاق اسمه على الساحة. وهو عايش الساحة لأكثر من خمسين عاماً بعد أن تحولت من ساحة "الدحديلة" إلى ساحة "ساسين". لا بل أن الرجل راح يعاين الساحة من شرفة منزله المطلة تماماً على الساحة. إنها ساحة ساسين، أشهر ساحات بيروت الحية، بعد أن أنهت الحرب وظيفة ساحة رياض الصلح التي أطلق عليها اسمه بعد اغتياله.

 

رحل ميشال ساسين قبل أيام. رحل الرجل الذي سميت الساحة على اسمه. هي أقوى ساحات بيروت من دون شك، فالساحات الأخرى تصدعت. خسرت وظائفها أو اخترقتها شوارع وحولت وجهاتها. ساحة ساسين استمرت في وظيفتها، لا بل إن الحرب عززت من وظيفتها كعقدة اتصال بين مناطق وجماعات. بين الماضي الأرثوذكسي للأشرفية، والحاضر الماروني لها. والساحة هذه امتصت الصدام بين الماضي والحاضر، وسهلت العلاقة بين الجماعتين.

 

والساحة، لقوتها، كانت أقوى من الرجل الذي سُميت باسمه. فهو سياسي تقليدي أرثوذكسي، امتدت حياته السياسية الهادئة من الخمسينات حتى أواخر الثمانينات، كان خلالها نائباً ووزيراً ووجهاً أشرفاوياً.

 

تقاعد في أوائل التسعينات، لكن الساحة، ساحته، لم تتقاعد. الأمكنة بصفتها تواريخ ونسيجاً اجتماعياً وجغرافياً يمكن لها أن تصمد إذا كان النموذج هو الأشرفية. فالسياسة، بعد أن تجاوزت ميشال ساسين، لم تتمكن من تجاوز الساحة التي كرسها باسمه على نحو ما فعلت طرابلس مثلاً حين غيرت اسم ساحتها من ساحة عبد الحميد كرامي إلى ساحة النور.

 

ثم إن ساحات بيروت الأخرى صارت أسماء بلا وظائف. ساحة الشهداء صارت مجرد اسم، وساحة البرج أيضاً، وساحة النجمة صارت معلماً سياحياً بائساً. بينما لساحة ساسين وظيفة، لا بل وظائف، وهذا ليس مصادفة، ذاك أن الجماعة المسيحية اللبنانية كانت أكثر مناعة حيال ما أحدثته الحرب من صدوع في التركيبة اللبنانية. التحولات الكبرى التي رافقت وتوجت سنوات القتال الأهلي أصابت المسيحيين في بيروت طبعاً، لكنها أصابت البنية الاجتماعية والسياسية والمدنية للمسلمين أكثر.

 

يمكن رصد ذلك في العمارة وفي العائلات السياسية والتجارية، وفي الأمزجة أيضاً، وأكثر ما يمكن رصده على هذا الصعيد هو مظاهر عيش الطبقة المتوسطة التي صمدت في الأشرفية أكثر مما صمدت في أي منطقة أخرى من بيروت.

 

في ساحة ساسين نصب لبشير الجميل وضع بعد اغتياله، لكن النصب لم يُغير اسم الساحة، ولم يبتلع مساحاتها، وبقي مشهدياً على هامشها. لم يرغب السكان بتغيير اسم ساحتهم على رغم أنهم يحبون بشير، ولم يشعروا بميل إلى مغادرة زمن ميشال ساسين.

 

كم يبدو غريباً وخيالياً أن تجلس في مقهى وسط ساحة أطلق عليها اسم رجل يعيش في المبنى المشرف والمطل عليها. سياسي متقاعد يعيش بهدوء فوق الساحة التي أهداه اسمها كميل شمعون حين كان رئيساً للجمهورية، يُطل من شرفته على الساحة، يتفقد ساحته، الساحة الأشهر والأقوى في بيروت. الاسم الأقوى لرجل كان قوياً، كما هي حال الرجال الذين يتقاعدون في الأشرفية.

 

 

 

كم يبدو غريباً وخيالياً أن تجلس في مقهى وسط ساحة أطلق عليها اسم رجل يعيش في المبنى المشرف والمطل عليها