0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


تـونـي بـدران

علم دلالات الألفاظ السامية

خلاف نتنياهو والبابا فرانسيس حول لغة المسيح يثير خلافاً أعمق حول الهوية

انخرط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والبابا فرانسيس في نقاش ودّي مقتضب حول اللغة التي كان يتكلّمها المسيح. (أ.ف.ب.)

الإثنين الماضي، انخرط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والبابا فرانسيس في نقاش ودّي مقتضب حول اللغة التي كان يتكلّمها المسيح. "المسيح كان هنا، في هذه الأرض"، قال نتنتياهو. "لقد تكّلم العبرية". فما كان من البابا فرانسيس إلاّ أنّ ابتسم مصحّحاً له المعلومة: "الآرامية". وفي المقابل ردّ نتنياهو قائلاً إنّ المسيح قد يكون تكلّم اللغة الآرامية، ولكنّه كذلك قد يكون تكلّم اللغة العبرية.


وقد أثارت هذه المحادثة المقتضبة اهتمام وسائل الإعلام التي سارعت الى إيجاد علماء من أجل التعليق على القضية، ولم تنس أن تضيف الى المحادثة الكثير من التضخيم والتبهير لتظهرها بمظهر المبارزة العدائية بين الإثنين.

 

وفي المحصّلة أجمعت مختلف التقارير الإعلامية على أنّ  اللغة الآرامية كانت هي اللغة المحكيّة في زمن المسيح، في حين أنّ اللغة العبرية كانت قد باتت محصورة بفئة قليلة هي فئة رجال الدين، وكانت تُستخدم من أجل أداء الطقوس الدينية  فقط لا غير. غير أنّ هذا التأكيد يقلل من أهمية [أو يطيح بـ] عقود من الاكتشافات الأثرية والتغيرات في فهم العلماء للبيئة اللغوية في فلسطين خلال القرن الأول بعد الميلاد.


كانت تلك البيئة في الأصل تقوم على ثلاث لغات، هي الآرامية، واليونانية، والعبرية. وفي حين أنّه ممّا لا شكّ فيه بأنّ المسيح تحدّث باللغة الآرامية، فمن المرجّح أن يكون تكلّم أيضاً اللغة العبرية العامية. حيث أظهرت الأدلّة النصية التي كُشفت في القرن الأخير أنّ اللغة العبرية كانت لا تزال مستخدمة في القرن الأول بعد الميلاد، ولم تكن مجرّد لغة فصحى تُستخدم فقط من قبل رجال الدين والعلماء، بل كانت أيضاً تستخدم كلغة عامية.


هذه النظرة التي جرى التعبير عنها في القصص الإعلامية والتي تشير الى أنّ اللغة الآرامية كانت اللغة السامية الوحيدة المحكية في فلسطين في ذلك الوقت، في حين أنّ اللغة العبرية كانت ميتة أو محنّطة، تعيد قولبة المفاهيم الخاطئة القديمة في الثقافة المسيحية الأوروبية التي تعود الى القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

 

فمن المؤكّد أنّ علماء تلك الحقبة لم يطّلعوا على الأدلة التي اكتُشفت لأول مرة في منتصف القرن العشرين. ومع ذلك فقد كانت رؤيتهم للأمور تحكمها أفكار من الصعب حلّها وحسابات لاهوتية وسياسية، بعضها متعلّق بموقفهم من اليهودية، في حين يعكس بعضها الآخر قضايا مختلف عليها بين المسيحيين أنفسهم (البروتستانت والكاثوليك). ويبدو أنّ النقاش الشائع اليوم يعاني من عيوب مشابهة.


على سبيل المثال، في القرن الثامن عشر، استند التأكيد بين العلماء الأوروبيين على أنّ الآرامية كانت هي لغة المسيح، حسب تصريح أحد العلماء، "استند فقط الى "اعادة اكتشاف" اللغة السريانية والى ادعاء الكنائس الشرقية على أنّ لغتها كانت "لغة المسيح"".

 

وعليه فلا يسعنا سوى أن نتساءل إذا ما كان هذا الشعور ينعكس اليوم أيضاً، على المستوى الشعبي، من خلال إعادة اكتشاف الإعلام لمجتمعات مسيحية في الشرق الأوسط تتحدّث لهجات الآرامية الجديدة. ولن يخفى إلاّ على قلة قليلة ملاحظة كثرة المقالات حول هذا الموضوع خلال العامين الماضيين، لا سيما حول هذه المجتمعات في سوريا.


وعلى الرغم من أنّ الآرامية الجديدة هي لغة بعيدة جداً عن الآرامية التي كانت تُستخدم أيام يسوع، وبالتالي فلا يمكن ولا بأي شكل من الأشكال اعتبارها "لغة المسيح"، فإنّ التأكيد [على أنها كذلك] استمر. حيث وفّر هذا اللقاء المتجدّد بواحد من "المجتمعات القديمة" امكانية الاطلاع على حقيقة محلية يمكن الوثوق بها وبدون أن تكون في الوقت نفسه يهودية. واليوم تظهر هذه الأقلية التي أعيد اكتشافها مجدداً بشكل كبير في التقارير الإخبارية حول الحرب في سوريا، وكذلك في العناوين الرئيسة للقصص التي تحتوي على إشارة ما الى "لغة المسيح".


هكذا جرت حياكة رواية متعلقة بالهوية- روّج لها زعماء الكنائس المسيحية الشرقية- حول هذه المجتمعات، ما ساعد على خلق آراء ورؤى معينة للصراع [في سوريا] في أوساط المسيحيين في الغرب. وبالتالي أدّى ذلك الى مواقف إشكالية من الحرب في سوريا. وبالإضافة الى ذلك فقد سبغت وجهة النظر هذه اهتمام الفاتيكان بسوريا. ما يجعلنا نشكّ بأن يكون تصحيح البابا لكلام نتنياهو يعود في جزء منه الى إعادة تركيز الفاتيكان على مسيحيي المنطقة، وما يمكن لهذا الاهتمام أن يحمل من معان.
هكذا ومن خلال ردّات فعل بعض الصحافيين الفلسطينيين المسيحيين، يبدو أنّ رواية الهوية هذه هي شغلهم الشاغل. إذ لم يتم النظر الى تصريح نتنياهو على أنّه ذو طابع تاريخي، بل كمحاولة منه "للمطالبة بالمسيح"، وبالتالي إضعاف هوية المسيحيين التي بنوها في الشرق الأوسط.


ويمكن في هذا المجال أن نضيف بأنّ ثمة نزعة مستمرة  لدى الكنائس الشرقية (لا سيما في المشرق) تقوم على مقاربة اليهودية من خلال نظرية "اللاهوت الاستبدالي"، والتي تعتبر أنّ الكنيسة المسيحية حلّت محل الشعب اليهودي، وبالتالي أخذت محل إسرائيل في عهدها مع الله. وممّا لا شك فيه بأنّ هذا الموقف ينسجم جداً مع الجدل السياسي [القائم دائماً]. حيث إنّ نظرية اللاهوت الاستبدالي كانت إحدى الأفكار الإشكالية التي لوّنت وجهات نظر العلماء المسيحيين الأوروبيين التي تعود الى القرن التاسع عشر والى أوائل القرن العشرين حول موضوع الآرامية مقابل العبرية. إذ تم النظر الى العبرية على أنها لغة خاصة باليهود فقط لا غير، في حين ظهرت الآرامية كلغة عالمية منفتحة على الجميع.


في صميم أهمية هذه القصة تبرز هذه الهويات والاهتمامات المعاصرة، أكثر من المسألة التاريخية المتعلقة باللغة التي كان يتكلّمها المسيح. وفي الواقع فإنّ هذا النقاش العام للمسألة كما برزت في الإعلام، قلّل من أهمية الاكتشافات والخطوات المتقدّمة التي أنجزت في هذا المجال. ولكن الأهم من كل ذلك هو أن النقاش يبدو أنّه أعاد إحياء أفكار إشكالية تعود للقرون السابقة، [ولكنها] باتت اليوم متداخلة بالمناظرات السياسية بشكل أساسي.


طوني بدران هو باحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات. وهو يغرّد على العنوان التالي @AcrossTheBay

هذا المقال ترجمة للنص الأصلي بالإنكليزية
(ترجمة زينة أبو فاعور)

انخرط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والبابا فرانسيس في نقاش ودّي مقتضب حول اللغة التي كان يتكلّمها المسيح. (أ.ف.ب.)