0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


إيلـي فــواز

الموارنة والفوضى

في  العام 1988 خَيَّرَ المبعوث الأميركي ريتشارد مورفي أقطاب الموارنة بين انتخاب مخايل الضاهر رئيساً للجمهورية اللبنانية أو الفوضى. فاختار الموارنة، أو أكثريتهم، الفوضى. وكان هذا الخيار بمثابة الاتفاق الضمني الوحيد بين سمير جعجع قائد القوات اللبنانية آنذاك والعماد ميشال عون قائد الجيش. بعدها اختلف الرجلان على كل شيء، وخلافهما أشعل ناراً ما زالت متّقدة حتى يومنا هذا.

 

ولكن يبقى هناك تساؤل مشروع بعد مرور بضعة عقود على هذا الخيار، بالنظر الى كلفته السياسية والبشرية والاقتصادية: على ماذا اتكل الرجلان في رفضهم عرض مورفي؟ مع العلم أن رياح التغيير كانت بدأت تهبّ على العالم لتدمّر جدار برلين، وتهزم السوفيات في أفغانستان وتفتح عصر البريسترويكا وتسقط الامبراطورية الشيوعية.

 

فجأة أصبح العالم يقف عند أعتاب واشنطن. كُسر التوازن لصالحها. أصبحت سيدة العالم بلا منازع. هذا على الصعيد العالمي، أما في الداخل اللبناني فكانت قوات الرئيس حافظ الاسد تسيطر على كل لبنان، ما عدا المناطق المسيحية التي كانت تمتد من الاشرفية حتى جسر المدفون. الشعب اللبناني عموماً كان منهكاً من حروبه الاهلية وحروب الآخرين على أرضه.

 

عندما زار نيوتن مساعد مورفي الجنرال عون لحثه على الالتزام بالخيار الاميركي السوري، من خلال تأمين محيط مجلس النواب عسكرياً وأمنياً حتى يتسنى للنواب تنفيذ هذا الاتفاق، انتفض العماد عون وقال لزائره إنه لن يغطّي عملاً مسرحياً، بل انتخابات حرة فعلية. كانت رغبة الجنرال بمثابة وهمٍ لا يملك أية حظوظ لتطبيقها.

 

منذ هذا اليوم، المنتفض على الواقع وظروفه القاهرة، شعر المسيحيون أنهم في غربة عن وطنهم. تكلفة رفض الاتفاق كانت باهظة: إقتتال بين الاخوة، دخول لبنان عهد الوصاية، إنتزاع صلاحيات رئاسة الجمهورية، إغتيال ونفي وسجن  قادتهم، وهجرة شبابهم المنهجية.

 

على ماذا اتكل الرجلان في رفض عرض مورفي؟ حتى بابا روما كان منغمساً في مواجهة الشيوعية المترنحة آنذاك.

 

اليوم يرى المسيحيون أن التاريخ يعيد نفسه. يتحوّل العالم من حولهم وهم جامدون.

 

الولايات المتحدة انتقلت من مبدأ نشر الديمقراطية في بلاد العرب أيام حماسة الرئيس بوش لمحاربة الارهاب التكفيري الى أيام انكفاء أوباما. والتكفير حسب الادارة الاميركية ليس له وجود في إيران أو عند حزب الله أو حتى في ممارسات بشار الاسد نفسه. بل على العكس تماماً، فالولايات المتحدة ترى في إيران شريكاً في إرساء حلول لحروب المنطقة ومشاكلها، لا سيما التكفيرية منها.

 

في هذا السياق يقول مسؤول أميركي لجريدة الراي الكويتية إن "لبنان أصبح خارج دائرة الخطر". وهذا ما يريده الاميركيون بالذات. فالخطرالامني الذي تم تفاديه يعود أساساً الى تعاون أجهزة الاستخبارات الاميركية مع الاجهزة اللبنانية والتي كانت ثمرته توقيف ماجد الماجد ونعيم عباس، وهو نتيجة التوافق الايراني الأميركي على تحييد لبنان عن الأتون السوري. وهو انسحب سياسياً وأفضى الى تأليف حكومة جمعت أقطاباً كانت لديهم شروط عديدة، تجاوزوها.

 

الرئيس الاسد ما زال صامداً، وهو يرسم بدقة حدود كانتونه العلوي تمهيداً لاتفاق إيراني أميركي.

 

العالم العربي ما زال يعيش فوضى ربيعه، وهو أبعد ما يكون عن التأثير على مسار أمور المنطقة.

 

هذا هو المشهد اليوم.

 

فليتفق أقطاب الموارنة على اسم رئيس يستطيع إدارة الازمة وتنفيس الاحتقان المذهبي الذي يعصف بلبنان. وهذا ليس أبداً تقليلاً لدور الموارنة. فالمهمة التي ترسو على أكتاف الرئيس العتيد تكمن في الحفاظ على لبنان في صيغة الطائف وما قبل الطائف. وهذا إنجاز بحد ذاته.

 

إن الوصاية الايرانية التي نعيش على وقعها اليوم لن تدوم، تماماً كما لم تدم الوصاية السورية. صحيح أن العالم من حولنا يتغير ولكنه لم يستقر على حال. فما هو متعارف عليه اليوم قد يصبح مختلَفاً عليه غداً. ولكن ما هو أكيد أن ما يريده الاميركيون والايرانيون اليوم سيمرّ.

 

وعلى الموارنة التأقلم مع هذا الواقع.

 

 

اليوم يرى المسيحيون أن التاريخ يعيد نفسه. يتحوّل العالم من حولهم وهم جامدون