0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


ألكس راول

الجهاد السوري

مقابلة مع شارلز ليستر

الجهاد السوري

مع وجود أكثر من 1500 كتيبة مختلفة مؤلّفة ممّا لا يقل عن 150000 مقاتل، يصعب على المعارضة السورية المسلّحة أن تحافظ على استقرار معين لمن يعتاشون من القتال. فالأسماء تتغيّر باستمرار، والائتلافات تتعرّض لإعادة خلط أو تُحلّ بسرعة كما تمّ تشكيلها بسرعة. غالباً ما تكون التحالفات السياسية والإيديولوجية غامضة، ولا تتعدى كونها مناورات محدودة وفقاً لأهواء داعميها الأجانب المتقلبة. بالإضافة إلى شيوع الاقتتال الداخلي بين الفصائل والاغتيالات.

 

وما يزيد من الإرتباك بروز أكبر وأقوى حركة ثورية جهادية في التاريخ في موازاة حركة الثوار العاديين، والتي ضمّت مجاهدين من بلدان مختلفة يفوق عددهم حتى أسلافهم الذين قاتلوا الاتحاد السوفياتي في أفغانستان. وفي حين أنّ بعض هؤلاء الجهاديين، وبشكل خاص داعش، في حرب مفتوحة مع المعارضة السورية، آخرون مثل جبهة النصرة التي على صلة بالقاعدة لديهم علاقة أكثر غموضاً.

 

قلة من المحللين قادرون على حلّ هذه المعضلة من الأمور المتداخلة مثل شارلز ليستر، الذي أطلق كتابه "الجهاد السوري: القاعدة، الدولة الإسلامية وتطور ثورة"، في المملكة المتحدة في تشرين الثاني، وفي الولايات المتحدة هذا الشهر.

 

يرسم الكتاب "أكثر من أربع سنوات من الأبحاث"، بالإضافة إلى عامين من مشاركة الكاتب شخصياً في مبادرة ديبلوماسية غير رسمية جعلته يقابل وجهاً لوجه أكثر من 100 قيادة سورية ثورية. وبذلك يكون اطلاعه على ما يجري في سوريا لا مثيل له: حيث يحفل الكتاب المؤلّف من 500 صفحة بحواش لمحادثات خاصة مع الجميع، من مقاتلي داعش وجبهة النصرة، إلى قادة عمالقة الثوار "أحرار الشام"، و"جيش الاسلام"، وصولاً الى مسؤولين من الخليج العربي ودبلوماسيين غربيين. فيما يلي، يسأل NOW ليستر عن بعض أهم النقاط التي أثارها في الكتاب.

 

NOW: يبدأ الكتاب بتعقّب تاريخ الحركة الجهادية داخل سوريا ما قبل عام 2011، والتي قام بتنسيقها، بطريقة أو بأخرى، النظام نفسه. من المدهش كيف أنّ العديد من المدن التي اشتهرت بكونها مناطق نزاع بعد 2011- من حلب الى الزبداني، إلى مخيّم اليرموك، او عرسال في لبنان- شهدت حركة جهادية على صلة بالنظام قبل سنوات عديدة من بدء الربيع العربي. عندما نعلم ذلك، وبغض النظر عن الأهداف السلمية والديمقراطية للمظاهرات الأولى عام 2011، وبغض النظر عن الطبيعة غير الاسلامية للجيش السوري الحر في بدايته، هل كان من غير الوارد منذ البداية تجنّب بروز نوع من القتال الجهادي ما إن تحوّلت الثورة في البلد الى عنيفة؟

 

شارلز ليستر: يؤسفني بأن يكون جوابي هو "نعم" بدون أدنى شك. هناك عدد من الأسباب لذلك، أبرزها تحوّل الأرض السورية إلى محور رئيس للقتال الجهادي الدولي خلال فترة الاحتلال الأميركي للعراق. مع معرفة المخابرات العسكرية السورية بالأمر وتسهيلها المباشر في الغالب للأمور، تمكّنت القاعدة في العراق وبعدها الدولة الإسلامية في العراق من تأسيس شبكات لوجيستية واسعة ومهمة جداً في مختلف أنحاء سوريا، بهدف التجنيد، وجمع الأموال والتحويلات المالية، ومن أجل العناية الصحية بالمقاتلين، وخطوط الامداد وخدمات أخرى مشابهة هامة تحافظ على استمرارية أي منظمة ارهابية. وأصبحت محافظة دير الزور في شرق سوريا أحد أبرز الملاجئ الآمنة للقاعدة في العراق والدولة الاسلامية في العراق بين 2003-2008، مع وجود مخيمات تدريب صغيرة للمجموعة هنا، ومنازل آمنة وإطلاقها حتى لاعتداءات عبر الحدود الى داخل العراق. وقد لعبت محافظة الحسكة في شمال شرق سوريا دوراً مشابهاً كجبهة مهمة، لا سيّما في السنوات الأخيرة من احتلال العراق، عندما باتت مدينة الموصل في العراق وبلدتا تل عفر وسنجار القريبتين ذات أهمية كبيرة لبقاء الدولة الاسلامية في العراق.

 

ولعبت جغرافيا سوريا الأوسع دوراً مهماً كذلك- حيث لم تكن مجرد مسألة أراضي على طول حدود العراق. فقد آوى الزبداني عدداً من أهم قادة ومسهّلي أعمال القاعدة في العراق والدولة الاسلامية في العراق، الذين استضافوا العديد من الاجتماعات مع قادة البعث العراقيين والسوريين، وحيث جرى التخطيط بتسهيل من المخابرات السورية لموجات من الاعتداءات من قبل الدولة الاسلامية في العراق على قوات الائتلاف ومنشآت الحكومة العراقية. ووجدت في حمص، وشمال شرق دمشق، وفي حلب وشمال غرب ادلب شبكات من المنازل الآمنة والصلات اللوجيستية الأخرى.

 

هكذا كان دور سوريا كأهم محور لتجنيد مقاتلين أجانب في القاعدة العراق والدولة الإسلامية في العراق ربما أهم مؤشّر على احتمال ظهور القتال الجهادي وتعاونه مع الثورة السورية في بدايتها. فقد هرب مئات وآلاف المقاتلين عبر مطارَي دمشق وحلب خلال فترة الاحتلال ووصلوا إلى العراق من خلال شبكات القاعدة في العراق والدولة الإسلامية في العراق. وقيل إنّ حافلات تابعة للحكومة السورية نقلت أوائل الوافدين عام 2003، عندما أصدر مفتي سوريا التابع لبشار الأسد فتاوى دينية تدعو مسلمي العالم الى السفر الى العراق "للجهاد ضد أميركا وإسرائيل". وعلى نحو مشابه، اتُهمت المخابرات العسكرية السورية بالتورّط في توفير تدريب للمجندين الأجانب الوافدين جديداً، قبل دخولهم الى العراق. وبهذه الطريقة اكتسبت بلدات مثل عرسال أهمية كبيرة كطرق يسلكها المقاتلون الذين اختاروا الهرب الى بيروت أو للمقاتلين اللبنانيين أنفسهم. فقد استغلوا سكان عرسال المشاكسين، والجبال المحيطة بها، وقربها من سوريا.

 

هذه الأمور كلها، والعديد غيرها تدلّ على توفّر البنى التحتية اللازمة أساسًا للدولة الإسلامية في العراق لكي تقحم نفسها في عدم الاستقرار القائم في سوريا في منتصف عام 2011. طبيعياً، ذلك كان أمراً سعى الأسد ونظامه إلى استغلاله من خلال إطلاق سراح مئات المقاتلين الجهاديين في الأشهر الأولى للثورة. فالنظام الهادف الى تبرير زعمه أنّه يقاتل تمرداً ارهابياً، أطلق سراح هؤلاء المعتقلين الذين سُجن معظمهم بضغط كبير من الولايات المتحدة بين عامي 2007-2009، مسهّلاً بذلك تشكّل جبهة النصرة سريعاً بين آب وتشرين الأول من عام 2011. فبعض هؤلاء المعتقلين السابقين ذهبوا مباشرة إلى منازل القاعدة في العراق/ الدولة الاسلامية في العراق الموجودة في سوريا وانتظروا وصول أبو محمد الجولاني وستة قادة آخرين من الدولة الاسلامية في العراق في آب 2011.

 

وبعيداً عن النظر إلى تطورات القرن الواحد والعشرين، ما برز مهمّاً هو رؤية عودة دور المقاتلين القدامى في الحركات العسكرية المتّصلة بالإخوان المسلمين في سوريا الذين اشتهروا في السبعينات والثمانينات. بعض هذه الشخصيات الأكبر سنًّا شاركت مباشرة في نشاطات الطليعة المقاتلة قبل مجزرة حماه عام 1982، في حين كان آخرون هم أبناء قادة الطليعة المقاتلة الذين هربت عائلاتهم لاحقاً إلى الخارج، إلى أوروبا، وتركيا، والسعودية. وقد نشط العديد من أفراد هذين الجيلين على الجبهات الجهادية في البوسنة، وأفغانستان، والسودان، والشيشان وأماكن أخرى، قبل أن يعودوا بين 2011 و2012 الى ديارهم للجهاد في موطنهم، الذي لم يروه منذ سنوات. لقد استطعتُ شخصياً التعرّف على عدد من السوريين من هذه الخلفية خلال السنوات الأخيرة- ورويت قصصهم وتجاربهم في الثورة السورية الحالية في الكتاب.

 

NOW: تورّطت جبهة النصرة، ممثلة القاعدة في سوريا بشكل مبكر جداً في الحرب، مع وصول قائدها أبو محمد الجولاني من العراق بعد شهر واحد على تشكيل الجيش السوري الحر، في آب 2011. تكتب كيف أنّ النصرة ومنذ البداية كان لديها استراتيجية واعية، طوّرها الإيديولوجي أبو مصعب السوري، تنصّ على تطوير علاقات وثيقة مع مجموعات المعارضة من كافة الأطياف، حتى ولو عنى ذلك تنازلها في بعض المسائل العقائدية، وعلى "الانخراط في النشاطات المحلية المتحركة وفي عقد تحالفات، متفادين أي اعداء وممتنعين عن التشدّد والتطرّف في تطبيق الشريعة". عندما صنّفتهم الولايات المتحدة كإرهابيين في كانون الأول 2012، لجأوا إلى هذه الاستراتيجية، وبالفعل يمكن القول إنّ "المخابرات الأميركية عرفت ما كانت تمثلّه جبهة النصرة قبل كانون الأول 2012 بوقت طويل". إلى أي مدى تعتقد بأنّ هذا العامل كان مسؤولاً عن النقص في الدعم العسكري الأميركي الجدي للمعارضة؟

ليستر: جاءت الثورة السورية في وقت مهم بالنسبة إلى حركة القاعدة العالمية، مع وجود قيادتها الكبرى تحت ضغط كبير وتشكيل "الربيع العربي" تحدياً معيناً لمدى فعالية العمل العسكري من أجل إحداث تغيير سياسي. وُلدت النصرة من رحم منظمة عنيفة ووحشية لا تميّز بين أهدافها، هي الدولة الإسلامية في العراق. ولذلك بدا مثيراً للاهتمام كيف استطاع الجولاني تطوير حركة جهادية عملت وفقاً لأسلوب أذكى وأكثر عملية استراتيجياً. الجولاني لا يزال تابعاً للقاعدة بقدر ما هو زعيم للنصرة. لا مجال للشك بذلك. إنه يريد أن يؤسس إمارات اسلامية على الأراضي السورية، كخطوة أولى باتجاه مشروع الخلافة العالمي للقاعدة. ولكن الجولاني تعلّم دروساً من العراق بأنّ الوصول الى هذا الهدف النهائي وتأسيس حكم اسلامي حقيقي ومستمر لا يمكن أن يتحقق من خلال القوة الوحشية فقط لا غير.

 

منذ عام 2011 فصاعداً، بدأ الجولاني والعديد من أبرز قادة القاعدة بالحديث عن سكان من الوطن والدول المجاورة داخل مناطق نفوذهم بصفتهم "أطفال" أو "أولاد" لا يُتوقع منهم فهم ما يُنتظر منهم كمواطنين في "دولة اسلامية حقيقية". بدلاً عن ذلك، كانوا بحاجة الى تغذيتهم وتعليمهم على مهل، بدءًا من الأساسيات ولاحقاً، عندما تصبح الظروف مؤاتية أكثر، يمكن ادخال التعاليم الاسلامية الأقسى والأكثر اختلافاً. فضلاً عن ذلك، ومن خلال التركيز على بناء تحالفات والدخول في عمق التحولات الدينامية الثورية والشعبية الأوسع، سوف تضمن حركات القاعدة حيوية مشروعها على المدى الطويل. وهذا يناسب الاستراتيجية الطويلة الأمد التي يطبقها الجولاني والنصرة.

 

من المهم أن نتذكّر بأنّ النصرة لم تكن حركة شعبية في الأشهر الأولى لبدء عملياتها في سوريا. ولأسباب تتعلّق بأنها كانت لا تزال منظمة صغيرة نسبياً، اعتمدت أولاً على تفجيرات انتحارية كبيرة متقطعة في المناطق المدنية حتى آب 2012 في أقل تعديل. ومعظم المعارضة اعتقدت في ذلك الوقت بأنها مثلّت احدى مؤامرات النظام لتدمير سمعة الثورة و/أو أنّ الدولة الاسلامية في العراق تسعى الى تكرار سلوكها الوحشي داخل سوريا. ولكن ما كان مهماً جداً للنصرة هو نموها الذي سهّل التطور النوعي لاستراتيجيتها، لتنحو باتجاه تلك البراغماتية التي وصفتها في وقت سابق. ومع ذلك أكرّر بأنّ هذا السلوك مهما كان مدروساً ومسيَطراً عليه فإنّ النصرة لا تزال مرتبطة إيديولجياً بأهداف القاعدة المتطرفة، ولكنها فقط ترغب في بلوغ هدفها ذلك مع الوقت.

 

بالتأكيد فإنّ الولايات المتحدة ودول أخرى كذلك أدركت صلات النصرة بالدولة الإسلامية في العراق في وقت مبكر. فكل من يعلم بتطوّر ونمو القاعدة في العراق والدولة الإسلامية في العراق يعلم سهولة تمكّن المجموعة من التمركز في سوريا وسط نمو جو اللااستقرار هناك. ذلك أنّ طبيعة البيانات الدعائية الأولى للنصرة، وكلامها، والبيانات العديدة التي تعبّر فيها عن الدعم الذي حصلت عليه من المجتمع الجهادي حول العالم، كلها أشارت الى علاقاتها الجهادية الاقليمية. وعلى الرغم من تأخّر تصنيف الولايات المتحدة رسمياً للنصرة كمنظمة ارهابية، فأنا واثق بأنّ وجودها على الأرض حال دون قيام العديد من أصحاب القرار بدعم القوات المسلّحة بكميات كبيرة من الموارد في ذلك الوقت المبكر.

 

ولكن على الرغم من قول ذلك، أعتقد بأنّ ما كان أكثر أهمية هو الشعور العام بالتعب من الحرب وحقيقة رؤية أوباما لنفسه كمنتخب يعتمد سياسة عدم التدخّل. ووسط هذا السياق الأوسع من الثورات في عامي 2010 و2011، لا سيما التدخّل في ليبيا، لا أعتقد بأنّ كان هناك رغبة أو شهية للتدخّل بقوة لدعم ثورة في بلد مثل سوريا. للأسف، فإنّ هذا التردّد ومحاولة تفادي الخطر أديّا الى ما نحن فيه اليوم، حيث نواجه ما يمكن اعتباره أقوى وأقرب خطر جهادي سبق أن شاهدناه. ولكن الإدراك المتأخّر لأمر ما شيء رائع...

 

NOW: موضوع يتكرّر في الكتاب هو الطبيعة الغامضة لما تسميه "أكبر" مجموعة مسلحة و"الأكثر تأثيراً في سوريا"، وهي أحرار الشام. من جهة، بين قياداتها جهاديون كبار على علاقة بالقاعدة، مثل أبو خالد السوري، وهو مقاتل أفغانستاني قديم ومتهّم بتفجيرات مدريد عام 2004، عيّنه زعيم القاعدة أيمن الظواهري "مندوب" سوريا في أيار 2013. وكان لدى الأحرار كذلك علاقة وثيقة بالنصرة على الأرض، بحيث أنّ أحد كبار عملاء القاعدة الذي قُتل في تشرين الثاني 2014 في ضربة جوية أميركية، كان في منزل يمتلكه قائد في جيش الأحرار. غير أنّ جماعة أحرار الشام حاولت كذلك، لاسيّما مؤخراً، أن تظهر جانبها المعتدل، كاتبةً مقالات رأي في الواشنطن بوست والتلغراف، وحتى أنّ زعيمها هاشم الشيخ انتقد علاقات النصرة بالقاعدة على تلفزيون الجزيرة. مع هذه التيارات، المتنافسة، حتى لا نقول المربكة، كيف لك أن تلخّص لنا جماعة "أحرار الشام"؟

 

ليستر: أحرار الشام هي حركة معقدة، هذا أقل ما يُقال فيها. وُلدت من رحم السلفية، ولكنّها ركّزت على الجانب الوطني وكانت ذات رؤية سورية محض. وبعض كبار قادتها كانت لهم تاريخياً آراء جهادية عابرة للأوطان، ولكن مع اندلاع الثورة في وطنهم، مروا في عملية تحوّل لاعطاء معتقداتهم بعداً وطنياً من أجل تحقيق رؤية أكثر عدلاً لوطنهم. كبلد، يبدو بأن لدى سوريا تأثيراً عميقاً هذا المجال اكثر من أي بلدان إقليمية أخرى برز فيها القتال الجهادي وازدهر في أغلب الأحيان.

 

إن إيديولوجية المحافظة التي اتّبعها أحرار الشام والعلاقة التي نتجت عنها مع جبهة النصرة، جعلت الحدود غير واضحة بين ما يعنيه بالنسبة للعديدين بأن تكون جهادياً سلفياً في الأمة الإسلامية حول العالم وبين ما يعنيه بأن تكون سلفياً متورطاً في نشاطات عسكرية على المستوى الوطني. لستُ أكيداً إذا ما كان قد تمّ حلّ هذا السؤال أو لم يُحل بعد، ولكن تعقيد المسألة هو ما كافحت قيادة أحرار الشام الإديولوجية لتعريفه والإجابة عليه على مدى السنوات الأخيرة.

 

بالتأكيد فقد بدا مؤسس أحرار الشام حسن عبود مكرّساً أكثر فأكثر لرؤية وطنية حصراً لحركته قبل موته في انفجار غامض. بعد هذه الحادثة، دخلت المجموعة في نقاش داخلي مطوّل متعلّق بما يهم أحرار الشام بشكل خاص وما يجب أن يكون عليه وجهها العام. وكانت نتائج هذه العملية غير واضحة اطلاقاً، باستثناء بعض المقالات التي نشرها الوجه العام لما أسميها الحركة الاصلاحية، لبيب النحاس.

 

على الرغم من أنه سيبدو بأنّ هذا النقاش قد انتهى اليوم مع عزل الإصلاحيين على ما يبدو حيث لم يعد لديهم حضور جماهيري كبير، فإنّ النقاش حول علاقة النصرة مع القاعدة لا يزال مستمراً. إذا تستمر أحرار الشام بدفع الجولاني لانهاء مبايعته للقاعدة. وهذه المسألة باتت نقطة محورية للخلاف حولها في النقاشات الحالية حول احتمال اندماج النصرة ضمن مجموعة اسلامية معارضة مسلحة جديدة في شمال سوريا. وعلى الرغم من التقارير الأخيرة التي تعتبر النقاش حول هذا الاقتراح قد انتهى، فإنّ النقاشات لا تزال جارية في الحقيقة. سمعتُ من مصادر موثوقة بأنّ هناك فرصة 50-50 بأن الجولاني يريد وقف ولائه للقاعدة من أجل تأمين هذا الاندماج الكبير. لا أزال غير واثق إذا ما كان الجولاني يريد القيام بذلك، وحتى في حال حصول ذلك، إذا ما كان ذلك سوف يؤثّر عملياً على أي شيء يخص عقيدته - ولكن حقيقة أنّ الأمر متاح للنقاش تكتسب اهمية كبيرة، إذا لم نقل بأنها تثير تساولات كثيرة.

 

NOW: هذه الإشارات المذكورة آنفاً حول اعتدال الأحرار تتصادف مع اقامة المجموعة علاقات وثيقة الى حد كبير مع تركيا، وهو أمر كتبت بأنّه تسبّب باللوم للنصرة. وقد اشتبكت المجموعتان لأسباب أخرى- حيث تقول إنّ "مسؤولاً كبيراً في أحرار الشام" قال لك قبل أكثر من عام إنّ "النصرة بدأت بالتحرّك بالاتجاه الخاطئ". رأينا المزيد من التوترات مؤخراً عندما تنصّل مسؤولو أحرار الشام في سوريا من اتفاق زملائهم للانضمام الى وفد مدعوم من السعودية من أجل محادثات السلام، تحت ضغط من النصرة كما قيل. ما هو توقعك لمستقبل المجموعة- هل ستحل هذا الانفصام الظاهر في الشخصية داخلياً، أم سوف تؤول الى التشرذم؟

 

ليستر: هذا كله علامة على النقاش الداخلي لدى أحرار الشام الذي ذكرته سابقاً. لقد كان وقتاً مهماً جداً للحركة، بما أنها تسعى الى التعريف بشكل حاسم عمّا تؤيده وسط هذا التدخّل الروسي، وهزائم المعارضة، والعملية السياسية الفاشلة والتخلّي الواضح للغرب عن المعارضة وعن أهداف الثورة الرئيسة. في النهاية، سوف يعتمد أي حلّ تام لهذه الشخصية المرتبكة على كيفية تطور جبهة النصرة وكيفية تطوّر المعارضة "الأكثر اعتدالاً" من الناحية العقائدية وتفاعلها مع الضغط الذي تخضع له في الوقت الحالي.

 

قد يكون التطوّر الأهم في الوقت الراهن هو استثناء حركة أحرار الشام نفسها من العملية السياسية. وكان لذلك تأثير عميق على قدرة الحركة على اكتساب دعم مالي أساسي من داعميها الاقليميين حتى الآن في هذا العام. بالنسبة الى السعودية وبعض الدول الغربية، اعتمد تحديد من سيُصنّف "منظمة ارهابية" على من سيرغب بلعب دور في العملية السياسية. ولذلك بغضّ النظر عن الأسباب التي دفعت أحرار الشام الى الانسحاب- والتي يُعتبر جزء كبير منها مشترك بينها وبين المدنيين السوريين في البلد- فإنّ عدم حصولها على دور ما أدّى انخفاض مؤقّت في تأثيرها. البعض يقولون بأنّ فيلق الشام الأكثر التزاماً بالإخوان هو المستفيد من هذا الوضع، لا سيّما وأنّهم يتشاركون بشبكة الدعم نفسها. آخرون يقولون إنّ حركة أحرار الشام هي بكل بساطة من الضخامة والقوة على الأرض لكي تستحق "استبدالها" وسط كثافة الاعتداء الموالي للنظام في الوقت الحالي. اعتقد بأن الأمرين  صحيحان، كل حسب سياقه.

 

NOW: توثّق العديد من الاغتيالات ومحاولات الاغتيال لكبار قادة المعارضة تُعتبر النصرة المتهمة الأولى بها، بينها اغتيال مؤسس الجيش السوري الحر رياض الأسعد، وقادة في كتائب الفاروق التي على صلة بالجيش السوري الحر وصقور الغاب، وحتى الانفجار الكبير في أيلول 2014 الذي قتل 24 مسؤولاً كبيراً في الأحرار، بينهم قائدها في ذلك الوقت، حسن عبود. الشهر الماضي فقط، اعتقلت النصرة الناشطين الشهيرين في المعارضة رائد فارس وهادي العبد الله. لماذا لا يبدو بأنّ هذه الأعمال تجعل المعارضة في مواجهة النصرة الى الحد المتوقع؟

 

ليستر: أولاً، لم يكن هناك أي أدلّة واضحة تثبت ما شكّ به بعض السوريين. ولكن الأهم هو الحقيقة البسيطة بأنّ القتال على الأرض هو للصراع من أجل البقاء كل يوم. بل كل ساعة. وسواء أكنّا في الغرب نحبّ الأمر أو لا نحبّه، فقد لعبت النصرة دوراً فعالاً جداً في تأمين مكاسب للمعارضة وفي صدّ العديد من هجمات النظام على مرّ السنوات. لا يمكن للسوريين سوى تقدير هذا الدور في الدفاع عن الثورة. لا نقصد بذلك القول إنّ السوريين يدعمون أو حتى يقبلون بالرؤية العقائدية للنصرة- فهم بالطبع لا يدعمونها. ولكن في حين يستمر القتال شديداً كما هو وفيما لا يحرّك المجتمع الدولي ساكناً لتوفير شريك بديل أكثر حيوية للمعارضة التقليدية، يبقى السؤال المطروح: لماذا يتوجهون الى النصرة؟ ما هي الفائدة الحقيقية التي يمكن أن يتسبب بها ذلك لقتالهم اليومي من أجل البقاء على قيد الحياة؟

 

إنّ حقيقة توفر الحيّز المناسب لظهور النصرة، ولنموها وتطورها لتصبح الحركة الجهادية الرائعة التي هي اليوم هو السبب الأساسي لعدم انقلاب السوريين عليها. للأسف، الكثير من الأسئلة مطروحة أمام الغرب للاجابة عليها. لجهة عدم تحرّكنا، وغضنا الطرف عن أي خطر، والتردد ورفض فهم طبيعة المعارضة السورية بشكل حقيقي. كل ذلك منح القاعدة فرصة ثمينة تستغلها اليوم في سوريا.

 

NOW: النصرة نفسها لديها "جناح براغماتي" كما كتبت، "بقيادة صالح الحموي وأبو ماريا القحطاني". بماذا يختلف عملياً هذا الجناح عن باقي أقسام النصرة، وهل هناك أي فرصة لسيطرتهم على الجولاني في المستقبل؟

 

ليستر: اليوم طُرد صالح الحموي بسبب آرائه "البراغماتية"، ومما سمعته، فإنّ أبو ماريا القحطاني يتسكّع في هذه الأيام مع أحرار الشام أكثر مما هو مع النصرة. ومثل أحرارالشام، خاضت النصرة نضالاً طويلاً للتعريف عن هويتها وحتى اليوم يبدو بأنها تفكّر بالقيام بتغيير عميق، من خلال إنهاء ولائها للقاعدة. ولكن كما قلتُ سابقاً، لا أزال مشككاً بأن يقدم الجولاني على مثل هذه الخطوة- إلا إذا كانت ضمن سياق أوسع لا نعلمه. فعلى الرغم من أنّ الانفصال عن القاعدة قد يبدو منطقياً من وجهة نظر السياسة الواقعية- حيث يمنح النصرة دفعاً كبيرًا في سوريا ويسمح نظرياً للداعمين الخارجيين بمدها بالدعم- فإنّ التراجع عن البيعة ليس بالمسألة البسيطة بالنسبة الى جهادي ملتزم دينياً مثل الجولاني. فبعد أن درستُه لبعض الوقت، يبدو لي واضحاً بأنّ الجولاني رجل ذكي ولاعب سياسي محنّك، ولكن ليس بالشخص الذي يرغب بكسر عاداته الدينية من أجل الحصول على المزيد من السلطة فقط لا غير.

 

الطريقة الوحيدة الناجعة التي تسمح للجولاني بالحفاظ على مصداقيته العقائدية في الوقت نفسه الذي يوقف فيه مبايعته للقاعدة هو موت أيمن الظواهري أو قيام الظواهري بعتق الحركات التابعة له لتصبح حركات مستقلة. علماً أنّه يجري الحديث همساً عن احتمال تحقّق الأمر الثاني منذ بضعة أشهر، ولكن بدون أي أدلة على اتخاذ القرار. الوقت كفيل بايضاح الامر...

 

في النهاية، سوف تتحرّك النصرة في الاتجاه الذي يجرّها اليه الصراع على الأرض. فاليأس المتزايد ضمن المعارضة من سياسة الأرض المحروقة التي تتبعها روسيا يبدو بأنّه سيجبر بعض مسارح القتال على التحول الى مناطق حرب عصابات، بدل الثورة التقليدية. هذا النوع من المحيط سوف يعود بالخير الكبير على النصرة، وفي هذه الحال سوف تحافظ على خطها المحافظ. يبدو الآن بأنّ الامور تنحو بهذا الاتجاه، ولكن يوجد دائماً أمور مجهولة.

 

NOW: أخيراً، كتبت بأنّ "قيادات كافة المجموعات السورية الكبرى اعترفت لك بشكل سرّي" في صيف 2015 بأنّ أي نصر عسكري [...] يبدو بأنّه لا يزال بعيداً جداً. علام يدل برأيك هذا الاعتراف؟ هل لم يعد الثوار يؤمنون بقدرتهم على اسقاط الأسد بالقوة؟ وإذا كان الامر كذلك فهل يعني بأنّ أي حل سياسي للحرب قد لا يكون احتمالاً واقعياً كما بدا في السابق؟

 

ليستر: هناك قبول منذ وقت طويل لفكرة أنّ أي نصر عسكري نهائي لم يعد السيناريو المرجّح لأي طرف من أطراف الحرب في سوريا. وحتى مع اشتداد التدخّل الروسي، يبدو بأنّ أي نصر ساحق للنظام غير مرجّح. هذا الاعتبار يكتسب أهمية كبيرة لأنه يشير الى أهمية مجموعات المعارضة المسلّحة بكونها أكثر من مجرّد ثوار في اللعبة. في الواقع، فإنهم سياسيون بالفطرة وهم بحاجة الى مستوى نضج ساسي معين سيسمح لهم بتحقيق أهداف الثورة من خلال القنوات السياسية. بالنتيجة، فقد خصّصت كافة مجموعات المعارضة السورية المسلّحة المزيد من الموارد من أجل مكاتبها السياسية المتخصصة منذ بداية عام 2015، والتي بواسطتها يشاركون في دبلوماسيتهم الخاصة. وسواء أكان أساساً من خلال نشاطات المبادرات الرسمية وغير الرسمية الآن في الرياض وجنيف، فقد برزت المعارضة المسلحة قادرة أكثر سياسياً وجديرة بالاحترام أكثر منما كانت عليه قبل 18-24 شهراً. سوف يكون لذلك نتائج هامة كلّما تقدّمنا بالتأكيد.

 

ولكن بالرغم من ذلك، فإنّ أي حل سياسي لا يزال بعيداً. فالظروف على الأرض ليس مؤاتية بكل بساطة ولا تسمح لأي فريق في النزاع من مناقشة حصول تحوّل ما. النظام في موقع واثق جداً في هذه اللحظة، في حين أنّ روسيا وإيران تريان استثمارهما في دعم حكم الأسد قد بدأ يؤتي ثماره أخيراً. لقد تفوّق بوتين خلال الأشهر الأخيرة على الغرب في كل خطوة خطاها، ولا يبدو بأنّنا قادرون أو راغبون في معارضته.

 

وفي أثناء ذلك، تبدو المعارضة ولسخرية القدر موحّدة أكثر من أي وقت مضى. واليوم تعمل هيئات المعارضة السياسية والمدنية والمسلحة والخاصة بالأقليات يداً بيد ضمن هيئة التفاوض العليا- وهو سيناريو لم يتوقعه أحد. ولكن للأسف، فهم يواجهون ضغطاً كبيراً من قبل ناخبيهم داخل سوريا كي لا يدخلوا في أي شكل من أشكال التفاوض لحين توفير بعض المستلزمات الانسانية على الأرض. وهذه الإجراءات- أي إنهاء أي حصار ووقف القصف العشوائي، وإطلاق سراح السجناء، وتوفير المساعدة الانسانية بدون أي اعاقة، وغيرها- مقرّة بموجب قرار الأمم المتحدة (لاسيما الفصلان 12 و13 من القرار 2254)، وبالتالي فإنّ المعارضة لديها مبررات لكي تصر على تطبيق هذه الاجراءات قبل البدء بالمحادثات. وفي النهاية، كيف لنا أن نتوقع من المعارضة أن تؤمن بعملية سلام تقودها الأمم المتحدة عندما لا تكون الأمم المتحدة نفسها قادرة على تطبيق القرارات التي تصدر عنها. من الصعب لوم المعارضة على اتخاذ هذا الموقف المبدئي، في حين أن أهلها في مرمى القصف الروسي، يتضورون جوعاً حتى الموت بفعل حصار النظام، ويعذبون حتى الموت في سجونه- هذه كلها أعمال يمنعها القانون الدولي و/أو تحظرها قرارات الأمم المتحدة. وبدورها تقول شخصيات المعارضة إنّ هذه ليست "إجراءات لبناء الثقة" يمكن أن تمهد الطريق للعملية السياسية، بل هي بكل بساطة حقوق انسانية اتفق عليها كافة أعضاء مجلس الأمن أنفسهم، بموجب القانون، وواجب تطبيقها.

طالما أنّ هذا الوضع مستمر، لن تحرز العملية السياسية أي تقدّم.

 

 

شارلز ليستر هو عضو مقيم في معهد الشرق الأوسط في العاصمة واشنطن، وهو من أهم مستشاري مبادرة مجموعة الشيخ حول سوريا. قبل انضمامه الى معهد الشرق الأوسط في كانون الثاني 2016، كان عضواً زائراً في مركز بروكينغز الدوحة. وهو يغرّد على تويتر @Charles_Lister

 

هذه المقابلة ترجمة للنص الأصلي بالإنكليزية

(ترجمة زينة أبو فاعور)

الكتاب يفصّل الكثير من الحقائق حول الحركات الجهادية في سوريا