0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


حـنـيـن غـدّار

آخر اليهود في مصر

ماجدة هارون

أن تكون أقليّة في الشرق الأوسط أمر يبعث على السخط. ومع نمو الصراع الطائفي وانتشار التطرّف، تحتمي الأقليات في الظل، إمّا تُنسى أو تُجبر على دفع ثمن الصراع.

 

لكن بالنسبة إلى يهودي مصري، الأمر أكثر من صعب. هو كوشم محفور على بطاقة هويتك، يدلّ على تاريخ من الهوية المثقلة والنضال الشاق من أجل الانتماء. هو مثل أن تعلَق في صراع غير منتهٍ بين معرفتك لنفسك، لهويتك، والصندوق الذي يريد الجميع زجّك فيه. أن تكون يهودياً مصرياً هو أن تكون في حالة مستمرة من الصراع من أجل البقاء والانتماء.

 

تعرِف ماجدة هارون، رئيسة الطائفة اليهودية في القاهرة، الكثير عن هذا الصراع. فقد عاشت حياتها تحاول أن تصالح بين يهوديتها ومصريّتها. لا يمكنها القول إنها نجحت تماماً، ولكن ليس أمامها سوى الاستمرار في المحاولة.

 

لم يكن الحديث عن تاريخ اليهود في مصر مع هارون في بيروت عادياً أو خالياً من المشاعر. فقد خسر لبنان طائفته اليهودية بين عام 1967 والحرب الأهلية في السبعينات. لم يعد يعيش في لبنان أكثر من 100 يهودي. حيث كان للتغيرات التي يعيشها المجتمعان المصري واللبناني تأثيراً سلبياً على الأقليات، لكن وضع اليهود كان مأساوياً في الاثنين.

 

قبل الخمسينات، كان يوجد 80000 يهودي في مصر، عندما كان عدد سكان مصر 20 مليون. "اليوم يوجد سبع نساء مسنّات في بلد يعد 90 مليون نسمة"، تقول هارون لـ NOW في مقابلة أجراها معها في باحة احد الفنادق في بيروت.

 

مع زيادة النزعة القومية عام 1956، أصبح الوضع أصعب على اليهود المصريين. بدأ الرئيس جمال عبد الناصر بطرد جماعي لليهود المصريين، حيث مُنح بعض اليهود وثائق للخروج من البلد بدون عودة، في حين جُرّد آخرون من ملكيتهم وجرى الضغط عليهم لكي يتركوا البلد. العديد من اليهود اعتُقلوا ووضعت الحكومة يدها على أعمالهم التجارية. والعديد من الحسابات المصرفية اليهودية صودرت والعديد من اليهود فقدوا وظائفهم.

 

بضع مئات من اليهود الذين بقوا بعد هذه الحملة خضعوا لقوانين صارمة عام 1967. حيث خُيّروا بين ترك مصر أو البقاء في السجن. معظمهم توجهوا مباشرة نحو المطار، لكن عائلة ماجدة هارون كانت من بين العائلات القليلة التي قرّرت البقاء. كانت هارون في سن الخامسة عشرة عام 1967، وقد اعتُقل والدها الى جانب كافة اليهود الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و60. "والدي كان مصرياً، ولم يفعل شيئاً خاطئاً. لم يكن عليه أن يرحل وأنا سعيدة بأننا بقينا".

 

انتهى الأمر بهارون، وشقيقاتها وقلة من النساء في طائفتها بالزواج من غير يهود. "لم يعد هناك يهوداً ذكور للزواج بهم"، تقول هارون بابتسامة ساخرة، لكنها تتابع: "زوجي الأول كان مسلماً، وكذلك بناتي. زوجي الحالي كاثوليكي، ولذلك نحن بشكل ما البيت الوحيد في مصر الذي تعيش فيه الأديان الثلاثة تحت سقف واحد".

 

هارون ليست متديّنة وهي لم تربِّ بناتها على التديّن، لكنها ضمنت تعليمهن عن الأديان الثلاثة بالتساوي. لم يواجهن أية مشاكل في أن تكون والدتهن يهودية، إلا عندما توفي والد هارون. "بناتي ذهبن الى مدرسة فرنسية، ولم يسألهن أحد أية أسئلة لحين وفاة والدي. بدأ الناس بالقراءة عن ذلك في الإعلام، وبالتالي فقد أدرك أهالي الطلاب في المدرسة بأن والدتهن يهودية. في أحد الأيام، جاءت ابنتي الي وقالت لي إنها تكرهني. سألتها عن السبب. قالت لأنك يهودية عاهرة".

 

بالنسبة إلى هارون، تلك كانت أقسى لحظة عاشتها، وردة فعلها الأولى كانت الغضب والعدائية. "كان علي أن أسيطر على نفسي وأن أهدأ لكي أتمكّن من الحديث معها عن الأديان حتى تغيّر رأيها. الأمور سارت على ما يرام بعد ذلك، ولكن ذلك الوقت لم يكن سهلاً".

 

العديد من المصريين لا يعلمون بوجود طائفة يهودية في مصر، أو بوجودها في ما مضى، "أحياناً عندما أقول بلدنا أو بلدي في مقابلة إعلامية، يسألني المضيف عن أي بلد أقصد. هل بإمكانك تصديق ذلك؟"، قالت هارون إنها غالباً ما تلتقي بأشخاص يظنون بأنها إسرائيلية، على الرغم من أنها تتحدّث باللهجة المصرية وأنها عاشت كل حياتها في مصر. "في إحدى المرات، طلب مني الموظف في البنك بأن أحصل على موافقة من السفارة [في إشارة الى السفارة الإسرائيلية] وجوابي كان: يوجد سفارة لمصر داخل مصر أيضاً؟".

 

لكنّ هارون تدرك بأن هذا مجرّد جهل وليس عداء. "الأمور تتغيّر اليوم. بتنا نُذكر أكثر في الإعلام والناس بدأوا يسمعون بأننا مواطنون مصريون. للمرة الأولى منذ الخمسينات، يتم ذكر الدين اليهودي مجدداً في الدستور". وفقاً لهارون، بدأت التغيرات خلال حكم الإخوان المسلمين، عندما دعا عصام العريان، نائب رئيس حزب الحرية والعدالة التابع للإخوان ومستشار الرئيس المصري السابق محمد مرسي، اليهود المصريين الذين طردهم عبد الناصر الى العودة الى مصر. "هذا التصريح أعادنا الى الأخبار وأدى إلى أول ظهور لي في التلفزيون. عندما سؤلت عن هذا التصريح، شكرت العريان لأنه فتح أحد أبواب الجحيم الموصدة".

 

وبعد ذلك مباشرة، أطلق المخرج السينمائي أمير رمسيس الوثائقي الذي أعدّه حول يهود مصر، في المسارح. "العديد من شباب مصر جاؤوا لمشاهدته وجرى تمديده لأسبوع ثالث، على الرغم من أن الحكومة كانت تخطط لمنعه. ولكن الاهتمام الذي حظي به حال دون منعه".

 

بدأت الطائفة تظهر أكثر، وعلى الرغم من حجمها الصغير، فقد شعر أفرادها بدعم جيل الشباب الذي يريد رؤية مصر أكثر تنوعاً وتسامحاً، لهم. "عندما توفيت الرئيسة السابقة للطائفة، العديد من الناس جاؤوا الى الكنيس لتقديم العزاء"، تقول هارون بحماسة واضحة، "نعم، آمل بأنّ الأمور سوف تتحسّن، لأني أرى كيف يحاول هؤلاء المصريون الشباب أن يغيروا".

 

أكثر ما يقلقها هو الإرث اليهودي. يوجد 12 كنيساً في مصر، 10 منها تحت مظلة وزارة الآثار، بالاضافة الى عدد كبير من كتب التوراة. "لا يمكننا ممارسة ديانتنا لأنه لا يوجد حاخامات"، تقول. عندما توفيت شقيقتها العام الماضي، اضطرّت هارون الى دعوة حاخام من فرنسا. "خلال الأعياد، نجتمع، نطبخ وندعو الأصدقاء. أنا في سن الـ 63، وأنا الأصغر سناً. نحن سبع نساء كبيرات، لسنا متطلبات، ولكنّنا لا نريد خسارة إرثنا".

 

سبق لهارون أن طلبت المساعدة عدة مرات، وقدّمتها اليها العديد من المنظمات اليهودية الدولية، "ولكن المساعدة دائماً يكون لها ثمن"، تقول واليأس بادٍ على محيّاها. معظم المنظمات أرادت الحصول على الكتب والسجلات. "هذه الألواح هي تراث مصري ويجب أن تبقى في مصر، كجزء من تاريخها المتنوع. لا يمكن أن أسمح بخروجها من البلد". لكن ليس لدى هارون خيارات أخرى. إذ لا يتوفّر لدى وزارة الآثار تمويلاً كافياً لترميم التراث اليهودي. "الوزارة تدعمها السياحة، واليوم القطاع السياحي في وضع سيء جداً. الأمور في تغيّر وهم اليوم يريدون مساعدتنا، ولكن ليس لديهم الموارد اللازمة".

 

لم تعد اليهوديات السبع في مصر مهددات بالطرد من قبل الحكومة أو بأي اجراءات عقابية، ولكن لا يمكن القيام بالكثير من أجل إنقاذ التراث اليهودي أو منع فنائه. هارون مدركة تماماً لهذه الحقيقة، ولكن لا يمكنها الكف عن الحلم والمحاولة.

 

"يوجد كنيس قديم في مصر الجديدة لا تغطيه الحكومة. أتمنى لو أستطيع تحويله الى مركز ثقافي قبل أن أموت. أريد أن أراه مركزاً لالتقاء كافة المصريين من كافة الأديان والطوائف، حيث يمكنهم المجيء اليه والاستمتاع بالثقافة، وبالموسيقى، والسينما". ولكنها بحاجة الى تمويل لترميمه، والى دعم الحكومة لنقل الكتب والسجلات الى إحدى غرفها، ولذلك فهذا حتى اليوم مجرّد حلم.

 

حلم آخر هو ترميم المقبرة اليهودية في القاهرة. يعود تاريخ المقبرة الى القرن التاسع، ووفقاً لهارون، هي ثاني أقدم مقبرة يهودية بعد جبل الزيتون. وضعها مزرٍ. "اليوم هي محاطة بأحياء فقيرة قذرة ومكتظة ولا يمكن انقاذها الا من خلال انماء المنطقة المحيطة بها. هذا في الواقع مشروع ضخم ومكلف، ولكنّه يستحق العناء".

 

تعلم هارون بأن الطائفة اليهودية في مصر سوف تفنى عاجلاً أم آجلاً. ولا يمكنها فعل شيء حيال ذلك. ولكن لا يزال لديها آمال في انقاذ التراث، والحفاظ على الكتب والسجلات في مكان آمن، وترميم الكنائس، وفتح مركز ثقافي، وترميم المقبرة. "أنا بحاجة الى مساعدة، ولن أتخلى عن الكتب والسجلات في مقابل الحصول عليها. سوف ننتهي كطائفة عمّا قريب، ولكن إرثنا لن ينتهي، ويجب ان يبقى في مصر لتذكير الأجيال القادمة بأننا كنا هنا".

 

 

حنين غدار تغرّد على تويتر @haningdr

هذه المقابلة ترجمة للنص الأصلي بالإنكليزية

(ترجمة زينة أبو فاعور)

ماجدة هارون (الصورة لمحمد علاءالدين)