1

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


مـارون صـالـحـانـي

وسط العاصمة.. "قبل – بعد". صور التقطها الياس خلاط منذ عشرين سنة

المكان: بيروت - وسط العاصمة.

الياس خلاط يفضّل التسمية القديمة. تلك الراسخة في وجدان جيل بكامله: "البلد".. ربّما لأنه دال اختصر يومًا "بلد". بيروت تختصر لبنان. والوسط يختصر العاصمة.

إنتهت الحرب. يتفاجأ بحشريّة الطفل القابع أبدًا فيه. حشريّة تدفعه على خطى ذاكرته، على ما اختزن يومًا من صور وذكريات عندما كان ينزل عـ"البلد"، عـ"ساحة البرج" أوعـ"ساحة الشهدا".. ولم يكن ليلفظ تلك الهمزة. تركها هي الأخرى على السطر، على قارعة الطريق عندما اضطر أن يهرب سريعًا أمام جنون حرب اشتعلت دون أن تستأذنه، وطبعًا لم تقف على خاطره.

إنتهت الحرب. الياس خلاط يعود بقلق إلى ذلك المكان. هل ذكرياته عن المكان دقيقة؟ هل سيجد محلّ الألعاب القابع على زاوية سينما "أمبير"؟ "ليرة ليرة" كان ليصرخ البائع... تراه يركض في اتجاه محلات قيصر عامر. كانت هنا، تتربّع قرب مسرح شوشو ... هل شممت رائحة الشاورما؟ حان الوقت الآن لتناول كوب عصير "قصب مصّ" من عند عصير الزين. نعم، نحن في "طلعة" شارع بشارة الخوري... 

أمام بناء "صمد" مبدئيًا، وقف الياس خلاط يُحدّق بمدخل محل لم يعد موجودًا. قطعة زجاج ما زالت عالقت في إطار (برواز) صدء أو ما يُذكّر بواجهة ذلك المحل. تسمّر أمام مشهد. لم يجرؤ على النظر خلفه. قطعة الزجاج هذه كانت لتعكس "حياة"؛ صور بالأحرى دبّت فيها الحياة. من ورائه، زحمة سيارات، ضجة المكان، أصوات مألوفة... وانعكاس لوجوه يعرفها هو.. تبتسم له، تمسك يده، وجوه لم تعد موجودة. لم ينظر إلى الخلف ليتأكد. هو يعلم الحقيقة المرّة. زمن ولّى ولن يعود. ومعه ربما "براءة" وطن وشعب.

تأبط كاميرته. لن يسمح بأن يعيد التاريخ نفسه. هذه المرّة سوف يثبّت ومضات ذاكرة المكان.. يلتقطها على "نيجاتيف" قبل أن تزول. صور تقول له "تذكّر"، بينما مأساته هو -ونحن معه– بأننا لا نستطيع ولن نستطيع أن ننسى مهما حاولنا.

عاد في ذلك المساء الى طرابلس... ليدرك لاحقًا بأنه "فقد" ذلك النيجاتيف؟!! تُرى لماذا؟

٢٠ سنة مرّت. يتّصل به صديق ليخبره عن علبة "نيجاتيف" ما زالت بحوزته. مجموعة صور ستشكل موضوع كتابه:

c’était il y a 20 ans: BEYROUTH, le centre…aujourd’hui عن دار نشر Eklat©.

يضعها بمتناولنا. سرد اعتمد معادلة الـ"قبل – بعد". شواهد من الماضي تطرح مجددًا إشكاليّة موضوع الذاكرة. وإذا ما أتيحت لنا الفرصة لإعادة النظر في المشروع برمّته، ماذا كنا لننقذ؟ وماذا كنا أبقينا؟ الهدف ليس إعادة إحياء الجدل الذي رافق مشروع إعادة إعمار بيروت. الياس خلاط هو من المتحمسين جدًا للمشروع (على ما أفادني به). الياس خلاط من النشطاء العاملين بمجال الثقافة والمحافظة على التراث في مسقط رأسه طرابلس. وكأنني به أراد الكتاب "لتسمع الكنّة". بيروت دمّرتها الحرب. ولكن لا شيء يبرّر عشوائية المخطّطات التوجيهيّة التي تُعنى بإعادة إعمار وتأهيل مدينة طرابلس القديمة، شوارعها وأسواقها... أبنيتها الأثرية.

ترى هل سنأخذ العبر قبل فوات الآوان؛ هل سنتعلم من دروس الماضي القريب جدًا؟ منذ ٢٠ سنة بالكاد، عاد طائر الفينيق ليمارس لعبته المفضّلة. عفواً! هذه المرّة، سنضع عليه شروطًا.

  • حسن عباس

    كالعادة يا صديقي، مقال يفيض بالإحساس. مع ذلك أرى أن فيض إحساسك هذه المرة أتى بدفق أكبر. ربما لأن الموضوع ذاكرة مدينة لم نعد نستطيع التعرف عليها إلا من خلال نتف تأتينا من هنا وهناك. شكراُ لكل من يعطينا أية "قطعة" أو أي "حجر" نستطيع باستعماله ترميم جدران ذاكرتنا المثقوبة.

    10 كانون الثاني 2012