0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


حـسن عبّـاس

"ليمبو بيروت" لهلال شومان

حيوات تنتظر المجهول

غلاف الرواية
الوجه الغائب
"أفيش" من الخيال
البحث عن الذات
صرخة الهرب من بيروت
متاهات شبكات سلوى
بيروت من منظور آخر
الأحداث
شاهد على المدينة
الضوء الهارب

أكثر ما يوقفك وأنت تقرأ رواية "ليمبو بيروت" لهلال شومان، الصادرة مؤخراً عن "التنوير للطباعة والنشر والتوزيع" بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، هو تلك الحيادية التي تطبع الأحداث ومساراتها.

 "إن الأشياء حولنا محايدة. إنها سواء. نحن من نرفعها إلى مراتب عليا أو نهوي بها إلى تحت. حتى التقزز، هو تعريفنا"، تشرح تاكارا لحبيبها الروائي، في أحد حواراتهما. منذ البداية، يتسرّب إليك شعور بأنك في مواجهة نص غريب يسير وفق إيقاع يفرض عليك التوقف مراراً مع إحساس بالدهشة يتسرّب إليك بشكل غامض.

الأشياء، الأشخاص والعلاقات

تتأسس بنية الرواية الفنية بشكل يستجيب للتفكير في الأشياء والعلاقات القائمة بينها. من جوّ "ليمبوي" يسوده الضياع والانتظار المعلّق على مجهول، ندخل إلى عالم شخصيات الرواية لنتابع جزءاً من حياتها يمكن وصفه بأنه عادي. كل شيء في أجزاء الرواية - قصصها- يسير بصورة عادية إلى أن تصل جميعها، وبالتتابع، إلى لحظة تتداخل شخصياتها بعضها بعضاً في مشهد يحويها جميعها. تداخل أدوار الشخصيات في هذا المشهد الحاوي هو أساس البنية الروائية لـ"ليمبو بيروت".

في أحد مشاهد الرواية، تقول الشابة اليابانية لزوجها اللبناني الساعي إلى كتابة رواية: "الأشياء بطبيعتها بسيطة، لكن تتواجد ضمن حلقة علاقات معقدة. أنت لمّا تكتب، تعقّد الأشياء، وتبسّط العلاقات." هل يعقّد هلال الأشياء ويبسّط العلاقات؟ على مدار صفحات الرواية لا يُشعرك بذلك، بل بالعكس. روايته تسرد قصصاً مستقلة - متداخلة تصوّر الحياة في مدينة بيروت أو بالارتباط بها. هي رواية بلا بطل. البطل فيها هو حدث يجمع شخصياتها.

الحدث الواحد لا يؤسس لحياة

يعطي هلال للصدفة مكانها في حياة شخصيات الرواية. فهم لا يعيشون ضرورة التواجد في مكان محدد وبناء علاقات بطريقة تستجيب آلياً لما يمكن أن نسميه مناخ الرواية العام. حسن، أحد شخصيات الرواية يتساءل عن سبب تواجده بين المقاتلين ويقول: "كيف أصبحتُ فجأة شاهداً على حياة كل هؤلاء؟ كيف اقتحمت حياتهم، وكيف اقتحموا هم حياتي؟ كيف دخلت هكذا، وصرت جزءاً من قصص لا أفهمها؟ وهل يتسنّى لي، فيما لو كان اقتحامي مقصوداً، أن أتابع دوري؟".

لا يأسر شومان حياة شخصيات روايته ويختزلها بالمشهد الذي تتداخل فيه. لا يضعنا أمام أشخاص يقتصر كل شيء في حياتهم على مجرّد ترددات لهزّة حدث واحد. بالعكس. شخصيات الرواية تعيش حياة عادية. ينجح هلال في تصوير فضاء اجتماعي متنوع ما يضفي على روايته حيوية وجاذبية كبيرتين.

فقط في أحد أقسام روايته (قصصها)، نلمس تأثيراً واضحاً للحدث المركزي على مسار حياة الشخصية المشاركة فيه. فقط في حالة الشاب الذي تفشل محاولاته لكتابة رواية يكون القتل محوراً له ما قبل وما بعد. القتيل "هو قصتي الأولى"، يقول، ويحقق الموت إمكان السرد!

جيل ما بعد الحرب

على العكس من معظم الروائيين الشباب، تشعر مع هلال أنك أمام جيل ينتمي لمرحلة ما بعد الحرب. لا دخل لعمره بالمسألة. يستطيع كاتب أكثر شباباً منه أن يُشعرك بأن الحرب مستمرة ولم تنقضِ. المسألة مسألة انطباعات يولّدها النص من خلال طريقة حضور الحرب في تفكيره وكيفية استذكاره لها. لا يعني هذا أنك تلتمس لديه وهماً تجاوز الحرب وآثارها وأن "البلد ماشي". بل بالعكس، الحرب حاضرة دائماً ولكنها تبقى شيئاً بعيداً، رغم أن الحياة العادية لشخصيات الرواية تسير على إيقاع "حرب" 7 أيار 2008.

من علامات الابتعاد عن الحرب هي الحيرة في ترتيب الذكريات كرونولوجياً. صحيح أن من يعيش الحرب ووقعها عليه تختلط في ذهنه الأمور ويحتار في ترتيب الأحداث. ولكن عندما تأتي الحيرة نتيجة استذكار يولّده حدث يشبهها (7 أيار) تصير المسألة أكثر من ذلك. حسن العائد إلى حمل السلاح في 7 أيار يصاب بحالة ضياع مردّها إلى ردّ فعل بسيكولوجي ضد العودة إلى الوراء. "أفكّر أحياناً في ذكرى فأضعها في مكانها ثم أجزع. هذه ليس مكانها هنا. هذه حدثت قبل ذلك. كيف يحدث ذلك؟ ولِمَ أخطئ؟"، يقول.

مع ظهور زخات الرصاص في سماء بيروت، يتجمع الناس ويوجهون أصابعهم إلى مساراتها. "هل كانوا يستعيدون عادات قديمة؟... ماذا الآن؟ لقد حلّت الذكريات"، يعلّق وليد. سلوى تؤرخ لنهاية الحرب بانقطاع صدور مجلة "شبكات سلوى"، التي تحتوي على كلمات متقاطعة. "هذه المجلات صارت هي الحرب بالنسبة لها!".

في حوار بين ألفرد ووليد، على إيقاع الرصاص المنطلق في 7 أيار، يستنكر وليد الحديث عن الحرب الآتية: "عم تحلم! حرب؟ ح تكون باهتة. بتزهّق. كل اللي بدو يصير، صار بهالبلد. كل اللي ح ينعمل معمول قبل"، فيجيبه ألفرد: "بس هيدا مش معناتا إنو مش ح ينعمل عن جديد!".

حسن، المحارب القديم العائد، على مضض، إلى حمل السلاح يميّز "الحرب الماضية" عن "حرب" الحاضر انطلاقاً من ثنائية "الأسباب الصلبة" و"الميوعة". يتحدث عن مشاعره وهو يمشي في شوارع بيروت التي استعادت صوت الرصاص ويقول: "كنت أمشي في طريق، وأرى الاختلاف. في الحرب الماضية، كانت هناك أسباب صلبة لكثيرين شاركوا فيها. الآن ما الأسباب؟ لا أفهم، رغم كل التبريرات على الشاشات والكلام المتناقض. الأسباب مائعة".

الحياة في لبنان هي "محاولات متكررة لتفادي الأشياء"، لتفادي الأذى، لتفادي السيء بالأسوأ، وهي عيش "انعكاسات حزن الزمن على كل الأشياء". بيروت هي المكان الأنسب لكتابة رواية تقرر الشخصية الباحثة عن مناخ يحفّزها على الكتابة. بيروت "الجميلة" هي مكان ـ موضوع للحنين فقط.

غلاف الرواية - تصميم جورج عزمي

في "ليمبو بيروت"، ترافق النص كتابة بصرية تضفي على الكلمات أشكالاً تخترق جدار تخيّل القارئ لعالم الرواية. فعلى مدار الصفحات تنتشر رسومات انطباعية برِيَش الرسامين: فادي عادلة، براق ريما، جنى طرابلسي ومحمد جابر دون نسيان رسم الغلاف الذي صمّمه جورج عزمي. منذ البداية، تشعر بأن هذه الرسومات جزء لا ينفصل عن الرواية. أحياناً، تمتعض من تصوير مشاهد تخالف الصورة التي يولّدها النص في ذهنك. وأحياناً أخرى، تحفّز خيالك على تحريك الشخصيات في فضاء غير واقعي. ولكنك، بلا شك، ستبني معها علاقة معقدة تسير بين الألفة وبين حب التلصّص.