0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


مـارون صـالـحـانـي

"الديكتاتور"...إمرأة



..." ما تفكّر، نحنا منفكّر عنّك". "ما تسأل، نحنا منسأل عنّك"... لم أكن أعلم بأنّها عبارات سبقَتْ يوماً بأربعين سنة الإعلان التلفزيوني الشهير، وقد وردَتْ في حوارات مسرحيّة "الديكتاتور" – ۱۹٦۹ للكاتب المسرحي عصام محفوظ.. ليعود هذا الأخير فيضّمها إلى بطاقة التعريف بمسرحيّته اللاحقة "لماذا..." والتي صدرت في العام ۱۹۷۱ وعنوانها الكامل "لماذا رفض سرحان سرحان ما قاله الزعيم عن فرج الله الحلو في ستيريو ۷۱" (أنظر خالدة سعيد). وفي كلا العملين، غمز من قناة الأنظمة العسكريّة والديكتاتوريّات البالية، وعرض لما آل إليه واقع المواطن (العربي).

مسرحيّة "الديكتاتور" تُعرض حالياً على خشبة مسرح المدينة، لغاية ٤ آذار ٢٠۱٢ – من توقيع فرقة "بيروت 8.30"

في مسرح عصام محفوظ تتكرّر أيضاً شخصيّة "سعدون". ففي مسرحيّة "الزنزلخت"، سعدون هو ضحيّة "الجنرال رئيس المحكمة"، عرضة لمحاكمة كافكاوية عبثيّة بامتياز. وفي "الديكتاتور"، سعدون أيضاً ضحيّة "الجنرال – الديكتاتور"، وتماهي مرضي مع رأس السلطة شأنه شأن الشعوب المقهورة مع مضطهديها.. وطبعاً كما نَظَّرت لهذه الحلقة الدائريّة أدبيّات علم النفس – الإجتماعي خصوصاً تلك التي رافقت زمن الفاشيّات والديكتاتوريّات. ويبقى السؤال: لماذا تقمّص "سعدون" شخصيّة "الملك"، أخذ على عاتقه بأن يكون الملك – عدوّ الثورة وعدوّ الديكتاتور(؟) مقدّماً نفسه كبش محرقة، ضحيّة للثورة، وهو يعلم بأن تكون الملك المخلوع هي تهمة حتماً عقابها الإعدام (؟). هل الدافع يا ترى لأنّه تماهى مع رغبة الجنرال، رغبة هذا الأخير بالقبض على الملك وإعدامه؟ بمعنى التماهي مع الرغبة المجّردة، ظاهرة "مُثَلَّث الرغبة" (سعدون- الملك – الجنرال)، بالمفهوم الـ"جيراردي" (نسبة إلى René Girard)؟ تختار ما يرغب فيه الآخر؟ أو هل لأنّ في خطوته هذه محاولة لإعادة الإعتبار لشخصه، بمفهوم الإنتقام لكرامته؟ يموت كملك دفعة واحدة، من أن يموت كحشرة مسحوقة على دفعات؟ سؤال يبحث عن جواب.

وتبقى المسرحيّة استعادة لمسرح الستّينات / السبعينات، وتحيّة إلى مسرح عصام محفوظ. وقد جاء اختيار المخرجة لينا أبيض لهذا العمل موفّقاً.. فمعالجة هذه التيمة اليوم تنزع عن خيارها تهمة المفارقة التاريخيّة.. أتحدّث عن دخولنا زمن "الربيع العربي" ومرحلة التخلّص من حكم "العسكرتارية الريفيّة" التي حلّت يوماً ضيفاً ثقيلاً اغتصب ماضي شعوب المنطقة وحاضرها ومستقبلها (مع وصول حافظ الأسد، صدام حسين، معمّر القذافي، وباقي المجموعة إلى سدّة الحكم "بانقلاب أطلقوا عليه لقب الثورة" - من حوارات المسرحيّة)... هذا الهاجس إذاً، والذي دفع وقتها بعصام محفوظ ليكتب عنه.. دار اليوم دورته الكاملة. نحن كأننا أمام نصّ مسرحي قد كُتب البارحة: التاريخ يُعيد نفسه، ولكن بمسار "مقلوب"، عكسي. المسرحيّة لن تكون "استعاديّة". وسوف تُشكّل أرضيّة جديدة لم ولن تنال منها تجاعيد أو غبار زمن ولّى (على الرغم من طقوس تكرّرت فيها أحياناً في الحوارات لازمات اللغّة الخشبيّة لتلك المرحلة؛ من مثل، "الثورة تأكل أبناءها"، الـ"بارانويا" أو جنون العظمة والإضطهاد عند القائد الملهم، الخ).

أمّا بعد، وقد قيل ما قيل في وصف "عالم" المسرحيّة، تيمتها.. فإنّ ما أقف أمامه بجلل وباحترام، هو تحديداً تأدية جوليا قصّار وعايدة صبرا لدورهما... شخصيّة "الجنرال" و"سعدون". لتمثيلهما الرائع الخارج عن المألوف، تمثيل يفاجئك.

أنت أمام "كابوكي" (Kabuki) معكوس: إمرأتان ستؤدّيان هذه المرّة دور الرجل.

المكان، سينوغرافيّة فارغة. لن يتلهّى المشاهد بمؤثّرات سمعيّة- صوتيّة كـ"توليفات" من أفلام وشرائط الثورات العربيّة الحاليّة، ولا من استعراضات عسكريّة أو انقلابات أميركا اللاتينيّة، أو حتّى من وحي ثورة "ماو تسي تونغ" الثقافيّة في الصين. المخرجة لينا أبيض لم تسقط في هذا الفخّ السهل ولسبب. نحن على العكس، أمام فراغ ثقيل ولكن فراغ "مقصود" في خدمة تأدية الدور. فراغ معطوف على صمت مدقع.. لا بدّ عندها وأن تملأَ فضاءه الحورات، حوارات جاءَتْ مكثّفة، "هيستيريّة"، إيقاعها مجنون.

جوليا قصّار في تأديتها لدور الديكتاتور، عندما كان يصمت نصّها ويغيب الحوار.. كانت لتحلّ كوريغرافية حركاتها، حركات يدها، تعابير وجهها، جنون نظراتها وابتسامتها.. حركة "تثبيت" يدها خلف ظهرها - كأنّي بها Bruno Ganz يؤدّي دور الـ"فوهرر" - وحركة "الفلامنكو".. كلّ هذه الكوريغرافيّة جاءت متمّمة لحوارات لم تكتب، ولكنها "دالات" أكثر بلاغة عن بطش الديكتاتور (وعالمه). ودالات عن - ذكوريّة مفرطة – لضرورات صورة الأبّ (القاسي) والنظام البطريركي على السواء! من سمات الأنظمة الفاشيّة.

عندما كانت جوليا قصّار لتتحرّك على الخشبة، وقد لبست فردة جزمة (واحدة)، في وقت بقيت حافية القدم الثانية.. كان تنقّلها "الأعرج" ليرسم كوريغرافيّة محض "هندسيّة" Géométrique: أصبحت حركاتها حصراً مكوّنة من زوايا، من مثلثّات ومن مربّعات..  رموز تشهد بامتياز للذكورة (وقد ساعد في هذا الشيء سترتها).. فلا مكان في ريبيرتوار حركاتها لـ"المنحنيات و الدوائر" (على عكس الدور المنوط بـ"عايده صبرا").

جوليا قصّار عَبَرَت من جندر المرأة إلى الرجل. ولكنها أبقَت على نافذة صغيرة لحركة الذهاب والإياب. (أنظر لاحقاً بعض مقاطع الحوار) . وحركة "الضعف والهلع" من أن تفقد "سعدون" أمام تمثليّة طرده.. تعبرها بشكل "أنثوي"!).

بالمقابل، عايده صبرا كانت أمام معادلة أصعب: إمرأة تمثّل دور رجل.. مطلوب منه (من هذا الرجل بحكم موقعه كمواطن خاضع لنظام فاشي، ديكتاتوري) بأن "يتأنّث". إنّها رحلة نقوصيّة يتخلّى بها عن ذكوريّته لصالح الأنثى التي فيه، لضرورة الخضوع أمام صورة الأب القاسي.. يقبل بأن "يُخصي" نفسه. فتُصبح عندها معادلة عايده صبرا في تأديتها لدورها كالآتي: إمرأة – رجل -  إمرأة. وفي هذا كان تألق لفنّها لحدّ الجنون، لحدّ الثمالة.

ترى عايده صبرا تتلوّى، ينغلق جسمها ... "نقوص" Régression سرقته حتى من "مورفولوجيا" الجنين في رحم أمّه. كانت مخاض وألم دائم. جنس ضعيف لحدّ التعرّض للإغتصاب، لنوع من "سفاح القربى" مع صورة الأب – الديكتاتور في ماهيّة العلاقة الجدليّة بين المواطن وشخص القائد.

مع جوليا قصّار وعايده صبرا، كنّا في Huis-clos (مكان مغلق)، تماماً مثل غرفة القيادة أو الـBunker في المسرحيّة .. ولا حتّى تلفون (المطلوب من وجوده تأمين ما يُعرف بالـFausse-sortie أو الخروج التنفيسي في سياق الحبكة). كان بإمكاننا متابعة الحوار بالألمانيّة، الروسيّة، الصينيّة أو بأيّة لغّة لا نتقنها؛ فالتواطؤ جاء مع لغّة الجسد إلى أقصى الحدود. ناهيك عن مدلولات "أيروسيّة – ساديّة" في متن العلاقة بين الشخصيّات؛ جعلت منّا نحن المشاهدين في أكثر الأحيان مسترقّي نظر.

أنهي مع سؤال أخير. لماذا كانت الشخصيّتان في بعض الحوارات (في آخر المسرحيّة تقريباً) لتتوجهان إلى بعضهما البعض بصفة المؤنّث؟! في "كسر" حتمي لجوّ المسرحيّة ينزع المشاهد عنوة من لعبة التماهي والقبول السلبي بما يجري أمامه عادة.. عندما تكون ملكته الفكريّة النقديّة غائبة؟ لا أعتقد بأنّنا كنّا أمام زلاّت أو هفوات لسان. هل المطلوب إضفاء "قلق" ما ضاغط على المتلقّي – unheimlich – من خارج سياق الحبكة؟ هل هو تمرين أو تنبيه برسم قصّار وصبرا لتذكيرهما بشخصهما الحقيقي؟ للحدّ من التماهي مع "الدور"؟ وذلك على عكس أوامر ووصايا ستاليسنافسكي أو Lee Strasberg وأسلوب مدرسته الـActors Sudio.. وقبلهما كتارسيس أريسطو؟؟ سؤال آخر يبحث عن جواب.

بالإنتظار، وبعد ٤۳ سنة على العرض الأوّل للمسرحيّة.. هل كان الكبيران (بطلا المسرحيّة وقتها) أنطوان كرباج وميشال نبعة "ليفخرا" بأداء قصّار وصبرا؟ وهل كان عصام محفوظ ليصرخ ربما ضد الفضيحة والتخريب اللاحق بعمله - Vandalisme ؟... أو ربما ليثني ويصفق؟ سؤال برسم المشاهد.