0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


مـايـكـل ويـس

"مجاهدو" سوريا يواجهون قوات "الصحوة"

مقاتلون من "جبهة النُصرة". (أ.ف.ب.)

الأسبوع الماضي كان أسبوعاً حافلاً في ما يتعلّق بالحرب الداخلية بين مجموعات الثوار السوريين. في 11 تموز قُتل كمال همامي، أو البصير اللاذقاني، العضو في القيادة العسكرية العليا في "الجيش السوري الحر" المؤلّفة من 30 رجلاً، بينما كان يسافر في شمال اللاذقية. وفقاً لمجموعة الدعم السورية الموجودة في واشنطن، التي قامت بتوثيق  روايات شهود عيان، صادف همامي نقطة تفتيش "غير شرعية" عليها رجال من تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" المرتبط بـ"القاعدة" بينما كان عائداً هو وموكبه الى منزله للإفطار. منعهم مقاتلو "الدولة الإسلامية" من المرور، وبعدما ساد جو من التوتر نتيجة تعادلهم في القوة، أطلق الأمير البغدادي، قائد المجموعة في المنطقة الساحلية من سوريا، النار على همامي في صدره.


"اتّصل بي أفراد من "الدولة الإسلامية" على الهاتف وقالوا لي إنّهم قتلوا همامي، وإنّهم سيقتلون كافة اعضاء القيادة العسكرية العليا"، قال قاسم سعد الدين، المتحدث بإسم القيادة العسكرية العليا لوكالة "رويترز". وأضاف أحد زملاء سعد الدين الذي فضّل عدم الإفصاح عن هويته أنّ اغتيال همامي عنى حرباً كلية مع "القاعدة": "سوف نمسح الأرض بهم".


غير أنّ المجلس العسكري لمدينة حلب، الذي يخضع إسمياً لسيطرة "الجيش السوري الحر"، نفى الثلاثاء الماضي أن يكون همامي قد قُتل على يد "جهاديين"؛ وقال إنّ قوات أمن الأسد هي المسؤولة عن اغتياله.


وزاد الأمور تعقيداً، ما قيل الأسبوع الماضي عن قيام "جهاديين" من "الدولة" الإسلامية في دانا، البلدة التي يسيطر عليها الثوار في إدلب، بقطع رأس مقاتلين اثنين من الجيش السوري الحر. لا أحد يعلم حقاً من هاجم مقر "الجيش السوري الحر" المحلي في دانا في 13 تموز - إذ وُجِّهت أصابع الاتهام  لـ"مجموعات مسلحة مجهولة"، ولطائرات من القوات الجوية السورية، ولـ"الدولة الإسلامية" على حد سواء. لكن الكولونيل عبد الجبار العكيدي، قائد الجيش السوري الحر في حلب، كما "مركز إعلام حلب"، نفيا المزاعم الأخرى حول حصول مناوشات بين وحدات من "الجيش السوري الحر" ومقاتلي "الدولة الإسلامية" عند نقطة تفتيش في بستان القصر.


وفقاً لشارلز ليستر، المحلّل في "مركز جاين للإرهاب والثورة" في لندن، فإنه في حين يمكن إثبات اغتيال همامي إلا انّ "كافة مزاعم حصول قتال في إدلب وحلب جاءت من مصادر مناهضة للإسلاميين، ونفتها منذ ذلك الحين على نطاق واسع مصادر متواجدة بقوة على الأرض أو أثبتت عدم دقّتها". وأضاف: "ثمة عداء مشتعل وشكوك متبادلة من غير ريب بين الجيش السوري الحر وجهاديي الدولة الإسلامية، ويعود ذلك بشكلٍ أساسي الى تسلّل هؤلاء الجهاديين الى القرى والبلدات في شمال سوريا. بشكلٍ رئيسي يبدو هذا الانفجار الأخير في الخطاب وكأنه حملة في الإعلام تحرّكها المعارضة السياسية المعتدلة خارج سوريا".


تبدو هذه القوى مستميتة للحصول على الأسلحة التي وعدتها بها الولايات المتحدة منذ وقتٍ طويل، والتي يمكن أن تصل في آب المقبل أو لا. وتحاول هذه القوى اليوم أن تستغل أي توترات حقيقية أو متخيّلة على الأرض للمساعدة على تسريع برنامج واشنطن المتكاسل لمساعدة الثوار. وللأسف هذه الاستراتيجية أعطت عكس النتائج المرجوة منها، حيث أنكر القادة المحليون والإقليميون حصول أي خلاف جانبي بين قواتهم من جهة والتكفيريين من جهة أخرى.


وعلى خلاف نظرية المؤامرة التي تروّج لها دمشق ووصيفتاها الإيرانية والروسية، فإن ذلك لا يدلّ على تآلف إيديولوجي بين "الجيش السوري الحر" و"القاعدة"، بقدر ما هو يشكّل شراكة مؤاتية تتحوّل الى غير مؤاتية يوماً بعد يوم. فاندلاع حرب أهلية داخل الحرب الأهلية، في هذه المرحلة لا سيما بعد خسارة القصير والحصار الجاري لحمص، سيكون كارثياً بالنسبة للجهد العسكري المشترك لهزيمة النظام. وحتى المتحدّث بإسم الجيش السوري الحر لؤي المقداد اعترف بذلك خلال مقابلاته الصحافية.


بالاضافة الى ذلك، فإنّ الاشتباكات بين الجيش السوري الحر والجهاديين ليست بالأمر الجديد. ففي كانون الثاني الماضي، قتلت "جبهة النصرة"، ثائر الوقّاص، القائد الشمالي لـ"كتائب الفاروق" في سرمين قرب الحدود السورية- التركية، انتقاماً لمقتل قائد "جبهة النصرة" فراس العبسي قبل أربعة أشهر. وفي آذار الماضي، قائد آخر في "كتائب الفاروق" هو محمد الظاهر، واسمه العسكري هو "أبو عزّام"، هرع الى أحد مستشفيات جنوب تركيا بعد أن تعرّض هو وآخران معه لهجوم بقنابل يدوية ورشاشات من قبل مقاتلي "النصرة". ولكنّ أياً من هذه الحوادث لم يمط اللثام عن توجه كبير لحسم الأمور بين مجموعات الثوار المتخاصمة.


في أي حال، منذ الأشهر التي تلت ذلك، لم تربح "النصرة" إلاّ على حساب المعتدلين. ففي أيار الماضي، قامت صحيفة "غارديان" بسلسلة من المقابلات مع قادة معتدلين للثورة في أنحاء سوريا، قالوا لها إنّ المعارضة المدعومة من الغرب خسرت "ربع قوتها أو أكثر" لصالح أتباع "القاعدة". حيث انتقل، حسبما قال علاء الباشا رئيس كتيبة "السيدة عائشة"، نحو 3000 ثائر الى "جبهة النصرة" بسبب افتقار "الجيش السوري الحر" للأسلحة والذخائر. واستغل الجهاديون هذه الهشاشة من خلال إرسال جواسيس لاختراق وحدات الجيش السوري الحر على أمل استمالة الأفراد الغاضبين فيها وتجنيدهم للعمل معهم.


إلاّ أنه يبدو واضحاً أنّ النقص في الأموال النقدية، وفي الأسلحة، والذخائر ليس المحرّك الوحيد لحرب المعلومات الجديدة الخطرة التي تشنّها القيادة العسكرية العليا. إذ يشعر فعلياً قادة تابعون للجنرال سليم إدريس بأنّ "الدولة الإسلامية" متأهّبة للانقضاض عليهم، وهناك قتال مثبت جارٍ في إدلب في الوقت الحالي، وفقاً لإليزابيت عبجي من قوة مهام الطوارئ السورية، وهي منظمة غير حكومية مقرّها في واشنطن وتربطها علاقات وثيقة بالقيادة العسكرية العليا. لكن يمكن للخوف أن يقترن بالانتهازية حيث لاحظ رجال إدريس انقساماً يمكن استغلاله داخل صفوف "القاعدة" نفسها.


لا نعرف في الحقيقة سوى القليل عن طبيعة العداء الحركي بين "النصرة" التي يقودها أبو محمد الجولاني، و"الدولة الإسلامية" التي يقودها أبو بكر البغدادي (غير الأمير الساحلي الذي ذكرناه آنفاً)، قائد "القاعدة" في العراق. وقد أعلن الاثنان ولاءهما لأيمن الظواهري، القائد الدولي الأعلى لـ"القاعدة"، غير أنّ وجهة نظر كل منهما لكيفية العمل في سوريا تختلف، وأحياناً الى حد كبير. شيء واحد يبقى واضحاً: هو أن بغدادي استقطب عدداً أكبر من المجاهدين الأجانب- بينهم مصريون، وتونسيون، وعراقيون- ممّا استقطبه الجولاني، وأدخل بالتالي عنصراً غير معتاد على الإبحار في الأرض الإسلامية المعقّدة في المجتمع السوري. الصحافي في "غارديان" مارتن تشولوف قال لي إنّه على الأرجح أن المجاهدين كانوا المسؤولين عن تمزيق التحالف الهشّ بين "الجيش السوري الحر" و"جبهة النصرة" وعن مفاقمة التوترات الداخلية في "القاعدة".


الجولاني ورجاله متطرفون متوحشون، ولكنهم بدوا كذلك اقتصاديين أذكياء في أوقات الحرب. فكما قال غيث عبد الأحد، في المناطق التي تسيطر عليها المجموعة في الجزيرة مثل مدينة الشدادي، تدير "النصرة" حقول النفط، ومصافي الغاز، والأفران، ومصانع المياه والطاقة، والعيادات الطبية، والمحاكم الشرعية. وهي تفاخر بمدى تنظيم وتركيز نظامها المالي مقارنةً بـ"الجيش السوري الحر"، الذي تصفه بالعصابة الفاسدة من اللصوص الذين يريدون سرقة وبيع أي شيء لا يلتصق بالأرض.


ومع ذلك، لا يبدو المستقبل مشرقاً أمام هؤلاء الجهاديين، الذين يشعرون بدنو وقت "الصحوة" في سوريا، والتي يمكن أن تجعل السكان المحليين ينقلبون عليهم، تماماً كما فعل العراقيون في محافظة الأنبار في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة. ويُقال إنّ "الصحوة" بدأت تحصل بالفعل وتسارعت بفعل الوجود الأحمق للدولة الإسلامية. "لقد توقّعت حصول صدامات مع الجميع: مع القبائل، والجيش السوري الحر، مع الجميع"، قال أحد قادة "جبهة النصرة" لـعبد الأحد، "لكن مع الجهاديين الآخرين؟ لم أفكر بأنه سيأتي يوم ويحدث ذلك".
 
فضلاً عن ذلك، ينقلب سكان المناطق التي يحكمها اتحاد "النصرة"/"الدولة الإسلامية" على أسيادهم. "برّا، برّا، برّا، يجب أن تخرج الدولة لبرّا"، سُمع المتظاهرون يردّدون في بلدة المنبجي الشمالية الأسبوع الماضي. واحتجزت "الدولة الإسلامية" الشيخ جاسم العوض، الزعيم القبلي في الرقة، في قبو مدة 25 يوماً، بعدما اعتقلته الى جانب أعضاء آخرين في "مركز إعلام الرقة" وسرقت منهم معدات بقيمة 50000$. وقال الشيخ لصحيفة "نيويورك تايمز" إنّ الرقة "بدأت تذهب الى الكلاب عندما انضمت النصرة الى الدولة الإسلامية".


ويتزامن إعلان القيادة العسكرية العليا الخطابي للحرب على "القاعدة" مع المزاعم الأخرى بحصول انقسام داخلها، كالذي تحدّث عنه قائد اللواء في "الجيش السوري الحر" مثقال البطيش، الذي قال لصحيفة "ذا وول ستريت" في أواخر شهر حزيران أنّه تمكّن من إقناع 60 مقاتلاً من "جبهة النصرة" بالانضمام اليه- وهي حادثة نادرة في وقتٍ معظم المرتدين يتحوّلون الى الجانب الآخر. وحتى إن كان البطيش يكذب، فهو يقوم بذلك عن عمد.


في سوريا تزاحم الإيديولوجية الإسلامية في صميمها الاعتبارات العملانية الي تُعتبر أكثر إلحاحاً، على اعتبار أنها مبرّر وجود الحركة الجهادية- وهو أمر لا بدّ وأنّ نظام بشار الأسد فهمه منذ البداية. وعومل الشعب السوري بوحشية خلال السنتين الأخيرتين بحيث أنّ المسافة المطلوب وجودها بين القوى الإسلامية المحافظة والإرهاب المطلق تقلّصت، تماماً كما حصل في أوقات مماثلة في الشيشان والبوسنة. وإذا كان للغرب أي فرصة في التأثير على المعارضة، أو في المساعدة على تقرير نتيجة الحرب السورية، فإنّ هذه الفرصة تستند بالتأكيد الى فكرة أنّ الانضمام الى جماعة جهادية، حتى وإنْ كانت تابعة للقاعدة ليس بالضرورة أن يكون التزاماً سيدوم مدى الحياة، وهو بمثابة الانضمام الى الجماهير. حيث وإن كنت بينها، تستطيع في الحقيقة ان تخرج من بينها. ولكنّك في البداية بحاجة الى حافز للقيام بذلك. والتحدّي الأكبر للقيادة العسكرية العليا هو بأن تثبت أنها  قادرة على نحو موثوق، على تقديم مثل هذا الحافز.

 

هذا المقال هو ترجمة للنص الانكليزي الاصلي  
 (ترجمة زينة أبو فاعور)

 

مقاتلون من "جبهة النُصرة". (أ.ف.ب.)

"الاشتباكات بين الجيش السوري الحر والجهاديين ليست بالأمر الجديد"