3

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


الإستقلال العتيق ... والعلم المهاجر





في بشامون، "بلدة الإستقلال"، كانت رحلة البحث عمن عايشوا الإستقلال وكانوا شبانا يوم إطلاق سراح الرؤساء وإعلان استقلال لبنان عن فرنسا.

في تلك القرية التي ترتفع قليلا عن سطح البحر، يعرف الجميع أنّ العمّ فهيم الحلبي واحد من الذين يتذكرون تلك الحقبة جيدًا. نسأل عن منزله، فنصل إلى واحد كبير وعتيق جدًا.

يستقبلنا العم فهيم بالترحاب. هو الرجل الذي طوى من الخبرة أكثر من ثمانين حولًا وهو لا زال منتصب القامة يمشي، حاضر الذهن وثاقب النظر والسمع. فهيم الذي كان عمره 16 عاما في 1943 يتذكر أنّ والده شكيب كان واحدا من الوفد الذي شكّله رجال بشامون والقرى المجاورة في بداية تشرين الثاني 1943 وتوجه إلى منزل الأمير مجيد إرسلان، بعد وصول أخبار العصيان والإضطرابات في بيروت. وأرسلان كان قائد الحرس الوطني ووزير الداخلية والدفاع، وزعيم الدروز في الجبل.

يومها وصل الوفد إلى منزل الأمير فلم يجده. قيل للرجال إنّه في قصر الجمهورية، فتوجهوا إلى هناك، حيث التقوا الأمير على درج القصر، وقالوا له إنّهم جاؤوا إليه عزّلا من دون أسلحتهم: "وقال له والدي: هل تريدنا أن نعود ونأتي بأسلحتنا أم تتفضل حضرتك مع رفاقك إلى بشامون وبيوتنا مفتوحة لكم؟، يقول فهيم، فأجابنا المير: سننتظر ونرى".

عاد الوفد إلى بشامون: "وما هي إلا ساعات حتى وصل المير إلى القرية وكان معه صبري بك حمادة وحبيب بو شهلا وسليم تقلا ونعيم المغبغب وخليل الطرابلسي ومدير وزارة الدفاع منير تقي الدين وخليل تقي الدين وآخرون لا أتذكر أسماءهم كلهم".

حلّ الوفد ضيفًا على منزل شقيق شكيب، أي عم فهيم، حسين الحلبي، المنزل الذي يسمّى اليوم "بيت الإستقلال". وكان "رجال الإستقلال" ينامون ويأكلون ويشبون في المنزل، لأنّه كان المنزل الأكبر في القرية، وكان مالكه حسين مغتربا ومقتدرا وكريما. 



يتذكر فهيم أنّ الرجال كانوا يوكلون إلى المراهقين والأطفال، وهو منهم، مهمة توزيع الطعام والشراب على أكثر من 600 مقاتل تنادوا من القرى المجاورة للدفاع عن المير وضيوفه. ويذكر أنّ فرقة فرنسية وصلت إلى مدخل قرية عين عنوب فتصدّت لها مجموعة بقيادة سعيد فخر الدين، الذي استشهد يومها.

كان السلاح فرديا، لكن بعد فترة "وصل السلاح الألماني إلى المير، فوزّعه على المقاتلين وعلى من كانوا يحرسون بلا سلاح، لكن الذخيرة كانت شحيحة، فكان المير يأمر بإطلاق 500 رصاصة من مكان والتوجه إلى نقطة تبعد 500 متر لإطلاق 500 رصاصة أخرى وهكذا دواليك ليظنّ الفرنسيون أنهم أمام جبهة كبيرة".

سامي الحلبي ابن عم فهيم، لكنّه أكبر منه. التقيناه في منزله أيضا، وروى لنا أن عمره كان 18 عاما في 1943، وكان مقاتلا وليس مراهقا، مهمته حراسة القرية وحراسة الإستقلال: "حين اعتقلوا الشيخ بشارة الخوري وكميل شمعون ورياض الصلح ورفاقهم توجه وفد إلى المير مجيد وطلب منه الحلول ضيفا في بشامون، وتبين أن المنزل الأكثر أمانا، لأنّه الأعلى في الضيعة، منزل عمي حسين، وحين سمع أبناء القرى المجاورة بأنّ المير ضيف لدينا أتوا من قراهم بأسلحتهم، وبعضهم ممن لا يملكون أسلحة جاؤوا ببلطات وعصي وما تيسّر".

يتذكر سامي أنه كان "من الحرس" وأن المير مجيد "كان يتفقدنا كل ليلة وكنا نغني له: شو همّ الشيخ بشارة من الإمارة، حدّو مير الإمارة مجيد إرسلان". وإذ نسأله إذا ما أطلق النار على الفرنسيين بشكل مباشر يجيب بحدّة تليق بسنواته الكثيرة: "طبعا قوّست على الفرنساويّة كان معي بارودة عثمليّة".

آخر ما يذكره أنّه في 22 تشرين الثاني "نهار الاستقلال، نزلنا إلى بيروت مع المير مجيد ورفاقه وأقمنا تجمعا كبيرا في ساحة البرج (ساحة الشهداء اليوم) ورحنا نغني: لو ما حصارك يا بشامون ما أخدنا الاستقلال".



أنيس الحلبي هو أكبر المعمّرين في بشامون، هو ابن عمّ فهيم وسامي، وعمره كان يزيد عن عشرين عاما في 1943، لكنّه كان قد هاجر إلى غانا في أفريقيا قبل شهرين من الإستقلال "وسمعنا أخبار العصيان والإستقلال من خلال الراديو، لم يكن هناك تلفزيون، ووصلتنا الصحف بعد فترة طويلة".

رغم ذلك يتذكر أنيس أنّ "توقيع المعاهدة بين الفرنسيين والحكومة اللبنانية تمّ في هذا البيت، بيت والدي وبيتي من بعده، وعلى البيت المواجه (يشير بسبابته إلى الغرب) رفع أول علم لبناني، على بيت عمي حسين أسعد الحلبي".

نتوجه إلى "بيت الإستقلال"، بيت حسين أسعد الحلبي، فنجد حفيدته مي فقط، التي تخطّت الأربعين من عمرها، وهي متزوجة من وهيب طربيه، الذي تخطّى بدوره الخمسين.

مي اعتادت استقبال الصحافيين وطلاب المدارس في المنزل في مثل هذه الأيام من كلّ عام. حتى باتت تكرر الكلام نفسه بشكل آلي: "هنا على هذه السجادة نام رجال الإستقلال، هنا شربوا، هنا أكلوا، هذه صورهم ...".  لكنّها تريد أن تقول شيئا آخر هذه السنة. تريد أن تحتجّ على "إهمال الدولة اللبنانية لهذا البيت ولصاحبه الذي حمى الإستقلال وحمى رجاله".



لا تطلب مي الكثير: "أسوة بتكريم النواب والوزراء الذين ننتخبهم نحن، نريد أن يكرّم جدّي. وهو ليس منتخبا أو طائفيا، هو وطني وقدّم منزله وخاطر بحياته من أجل الإستقلال، واليوم لا تأتي الدولة إلى منزلنا إلا 10 دقائق كلّ عام، من خلال ممثلين عن الرؤساء يأكلون الحلوى ويشربون العصير ويغادرون، ولا يعودون إلا بعد عام، ليأكلوا الحلوى ويتصورون أمام كاميرات التلفزيونات والجرائد ويغادرون مرة  جديدة وهكذا دواليك".

مي لديها احتجاجات كثيرة، منها قولها "نحن لا نريد مالا بل نريد أن يعطى هذا البيت ومالكه الحق الذي يستحقّه. هذا البيت الذي رفع عليه أول علم لبناني".

نسأل مي عن العلم، فتقول إنه "اهترأ لكنّه محفوظ"، ولكن أين هو؟: "محفوظ"، محفوظ أين؟: "في كندا"، ولماذا في كندا: "لأنّ والدتي أخذته معها حين سافرت"، ولماذا سافرت والدتك؟: "لتعيش مع إخوتي، كلهم هناك".

يا للهول. أحفاد حامي الإستقلال وصاحب بيته مهاجرون إلى كندا "لأنّ هذا البلد لا يتسع لأبنائه"، تقول مي. لكن أين أولاد مي؟: "إنهم موزعون بين الخليج واليونان"، تجيب زوجة ابنها: "زوجي أنا في الخليج ومنذ سنتين لم أره". 

إذا أحفاد صاحب "بيت الإستقلال" في كندا، وأبناء أحفاده بين الخليج وأوروبا. عائلة الإستقلال لم تجد مكانا لها في لبنان، فتوزعت على ثلاث قارّات.



أما زوج مي فيقول إنّ بيروت مليئة بشوارع سمّيت على اسم جنرالات الإنتداب، مثل شارع فوش وشارع سبيرز :"ولم يسمّ حتى زاروب بإسم الشيخ حسين أسعد الحلبي". كيف نكرّم المحتلين ولا نكرّم المحرّرين؟" يسأل طربيه بحرقة، ويضيف: "يجب أن يبنوا له تمثالا، أو على الأقلّ لوحة لتوضع الزهور عليها في عيد الإستقلال كل عام".

نخرج من بشامون مع ثلاث شهادات من عجائز عايشوا اليوم التاريخي قبل أن يصير عيدا. نترك البلدة التي تسمي نفسها بلدة الإستقلال. البلدة التي حمت الإستقلال ورجاله، والتي لا يزورها الصحافيون، ونحن منهم، إلا على مشارف عيد الإستقلال.

بلدة تروي لأحفادها حكايات أجدادهم الأبطال، وتعيش على خبز الذاكرة فقط. وفيها بيت الإستقلال، متروك للرطوبة والعتمة والإهمال. يزوره ممثلو الرؤساء مرة كلّ عام، لأخذ الصورة السنوية، ثم يتركونه للإهمال.

نخرج من بيت الإستقلال ومن بشامون، وفي البال أنّ الإستقلال بات مثل بيته، عتيق ومتروك للإستعراضات التلفزيونية والخطب الجوفاء.

  • ZUHAIR

    يجب استرجاع العلم لانه ملك لبنان كله وليس فرد

    26 تشرين الثاني 2008

  • GR

    نطلب ألذن بنقله لمدونتنا للحفظ أبن البلد

    25 تشرين الثاني 2008

  • GR

    أكثر من رائع

    25 تشرين الثاني 2008