2

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


NOW

Bye Bye "قهوة القزاز"...

بعد أقل من قرن تقريباً من التاريخ والذكريات، أقفلت قهوة الجميزة أو "قهوة القزاز" نهائياً أبوابها؛ ودّعت للمرة الاخيرة روّادها ومحبّيها: ليل الأربعاء في الخامس من كانون الثاني 2011 خرج آخر فنجان قهوة من مطبخها ربما. كانوا ثلاثماية مدعو تنادوا لحفلة وداع لمَعْلَمٍ آخر من تراث بيروت وذاكرتها "يغادرنا" بلا رجعة.

"قهوة القزاز" أنموذج عن "مقهى الحيّ" إلا أنّ شهرتها عمّت لبنان... لتصبح لاحقاً بعد الحرب مقصداً للسوّاح – الغربيين خاصة منهم – يلتقطون الصور في أرجائها، في اختصارٍ لسحر الشرق ولمدينة بيروت، "يشخّصون" أو يحاكون لعب "طاولة الزهر" (النرد) – هذا عندما لا يتقنون اللعب -يُدخّنون النرجيلة، وطبعاً يلعبون الورق... فيما "البويجي" يمسح لهم حذاءهم... فقط لضرورات الصورة التذكارية.

إبتداء من منتصف تسعينات القرن المنصرم، تحوّلت "قهوة القزاز" من مقهى شعبي إلى مقهى- مطعم بالمفهوم "الحديث" يقدّم الطعام مصحوباً ببرنامج غنائي، ما أملاه التحوّل الذي طرأ على شارع الجمّيزة، ولعبة السوق وقانون العرض والطلب. في الماضي، روّاد المقهى اقتصروا على الذكور، أغلبيتهم من أهالي الحي والمنطقة؛ يلتقون يومياً في "مستودع الأخبار" (العبارة لـ شوقي الدويهي، كتابه "مقاهي بيروت الشعبيّة"/دار النهار)، يئمّون المقهى لسماع خبر أو قصة، للتعليق على الاحداث والاخبار السياسية... طقس يتكرّر كل يوم، الوجوه نفسها تقريباً تلتقي يومياً، موعد غير رسمي، حيث الأهلي المحلي الضيّق يطغى على كلّ ما عداه؛ فالمقهى المذكور يبقى امتداداً لتركيبة الحيّ المتشعّبة... وخاصة للهويّة السياسية للمنطقة (حزب الكتائب في وضعنا). إذ يلعبون الورق، الطاولة، وأحياناً "الفليبرز" (فترة السبعينات)، يدخّنون النرجيلة، يشربون القهوة، يدخل عليهم بائع الياناصيب بين الفينة والأخرى... وإذا ما رأيت "شرشف" متدلي، فتأكد من أنّ طاولة قمار "رُكّبت". إستثناء وحيد، نهار الأحد وحفلات سباق الخيل: الجميع متأبط جريدة "هبت"، "معليش"، "آخر لحظة"... يراهنون بواسطة الهاتف – بارولي – يمرّرون أوراق صغيرة، ترجيحات بأسماء أحصنة مؤكّد ربحها – يُطلقون عليها اسم "تعليمة"...

المفارقة الكبرى ولدرجة انفصام الشخصيّة، قلّة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة من روّاد المقهى التاريخيين تواجدت فقط في المكان في وداع "قهوة القزاز"، بقيّة باقية قدّمت شهادتها وبعض من القصص التي ما زالت عالقة بذاكرتها. أين الباقين؟ أين أصبحوا؟ هناك طبعاً من فارق الحياة، وأكثريّة هجرّتها "الفقّاعة" العقارية. ولكن العجيب والذي يدعو إلى الدهشة، هو أنّ الجيل الجديد – الشباب - هو من تنادى لوداع "قهوة القزاز"؟! هو من نظّم السهرة، هو من وزّع الدعوات وطبع الملصقات؟!
باختصار، المقهى أقفل، ومن السيناريوهات المتداولة، لتحويله إلى مصرف. وبالانتظار...كان حفل وداع.           



"أنقذوا تراث بيروت" Save Beirut Heritage وجّهت الدعوة لارتشاف آخر فنجان قهوة في هذا المقهى. التاريخ مساء الأربعاء 5-1-2010. لبى النداء قرابة الثلاثمائة شخص ممّن قرأوا منشور الدعوة الذي وُزّع و"البوستر" الذي طُبع بالمناسبة وحملته جدران شوارع الجمّيزة والمناطق المحيطة: "وداعاً قهوة القزاز" بالإضافة إلى صورة فنجان قهوة يبكي. إتّخذ اللقاء شكلاً تأبينياً، كلمات ألقيت بالمناسبة وشهادات تناوب عليها روّاد المقهى القدامى، ذكريات رَسَمت حنيناً لماض ليس بالبعيد.
كما كان عرض لفيلم من إخراج سارة غرز الدين، قوامه مجموعات من الصور القديمة سَرَدت لتاريخ المقهى وتوقّفت عند محطّات بارزة منه. تبع اللقاء حفل موسيقي أحياه تباعاً Zeid and The Wings، The White Trees، تينا يمّوت، وأدونيس، قَدّم من خلاله المشاركون تحيّة تقدير على طريقتهم الخاصة لذاكرة الشارع العريق ولقهوة القزاز.



يقول "جيورجيو طرّاف" – أحد مؤسّسي الجمعيّة - في مقابلة مع فريق "NOW Lebanon": نحن هنا لنودّع قهوة الجميزة أو "قهوة القزاز" التي ستُغلق أبوابها اليوم وستكون المرّة الأخيرة التي تستقبل فيها أهالي بيروت، أردنا أن لا يكون الوداع "عالسكت". نطلق صرخة محبة، وصرخة قهر على المعالم التراثية التي نخسرها، والمعالم التراثية ليست فقط في المباني بل أيضاً في الأمكنة التي تجمع الأشخاص ومنها المقاهي. خسرنا في " منطقة الحمرا" المودكا، الهورس شو، والكافيه دو باري، خسرناهم من دون مقابل، افتتح مكانهم محلاّت ومقاه يوجد منها عشرات الآلاف في أنحاء العالم. نحن هنا اليوم لنشرب فنجان "شفة" (قهوة) ولنستمع إلى أخبار أهالي الجمّيزة عن الماضي، نحن كشباب يحق لنا بهذه الذكريات. وبعهدها سنشارك في حفل موسيقي لفنانين لبنانيين ليكون الوداع بفرح وليس فقط بحزن".



وهل نحن فعلاً أمام جريمة أخرى لحقت بتراث بيروت وذاكرتها؟

البناء لم ولن يُهدم، ونعتقد حتى أنّه على "لائحة جرد الأبنية التراثيّة" الممنوع هدمها. لا بلّ لن يلحق أي تعديل بهندسة واجهته (وهذا ما أكّده صاحب البناء مسعود رنّو). فقط " جهة استعمال المُلك أو المأجور" ستتغير أو تغيّرت!!

لا نعرض هذا الموقف أو الكلام كـ"نوتة نشاز" أو لأخذ موقف سلبي من دعوة جمعية "أنقذوا تراث بيروت" ومن التجمّع الشعبي "الشبابي" في وداع المقهى. الخطوة تبقى علامة فارقة، نبيلة ومؤثّرة... على أمل أن يحذوا حذوها الباقون ممن أخذوا على عاتقهم قضيّة المحافظة على الأبنية التراثية وعلى كل ما يمتّ بصلة إلى الذاكرة الجماعيّة البيروتيّة (واللبنانية).

ويبقى السؤال التالي: "ماذا بقي فعلاً من "قهوة القزاز"؟ " بمفهومها القديم، كقهوة شعبيّة؟ ما العلاقة أو الرابط بالذاكرة وبالتراث أن تتناول صحن شيش طاووق، تستمع لقرقعة مطرب السهرة، وأنت مُسمّر أمام شاشة حاسوبك تنهم من معلّقات موقع "الفايسبوك"؟!!

بإختصار لا شيء، لا شيء البتة.

بإستثناء "المكان" ربما، وطاولات الرخام القديمة والكراسي الخشبيّة وكراسي القش...لا شيء.

روّادها جُلّهم من "الشباب"؛ طقس ارتيادهم للمقهى لا يخضع لجدليّة أو لماهيّة "مقهى الحّي الشعبي": فلا هم من الحّي، ولا يأتون للعب الورق أو طاولة الزهر... بالكاد لتدخين النرجيلة، شأنهم شأن باقي اللبنانين ممن أدمنوا هذه العادة السيّئة وعلى امتداد مساحة الوطن. بمعنى آخر، "قهوة القزاز" لم تعد "قهوة القزاز".. وهذا مباشرة بعد سنين الحرب (منذ مطلع التسعينات)، وبدء التحوّل الذي طرأ على منطقة الجمّيزة.

عفواً! أي تراث نبكي وعن أيّ ذاكرة نتحدث؟

على صعيد آخر، وعلى "سيرة" طاولات الرخام والكراسي القديمة الخشبية، قيل – لم نتأكد بعد من هذه القصة – أنّ النائب وليد جنبلاط ترافقه عقيلته السيّدة نورا حضرا لشرائها، فأُفيدا بأنّ كامل تجهيزات المقهى قد بيعت... الشاري (مجهول الهويّة) عاد وقدّم طاولتان مع كراسيها هديّة لقاطني قصر المختارة (على ذمة الراوي).

أختم. غداً، أينما حلّت هذه الطاولات والكراسي؛ عندما سيحل المساء وتنطفىء الأنوار، ستتردّد همهمات ووشوشات تصرخ بين الحين والآخر: "ناره يا ولد"، على إيقاع تحريك حجارة الطاولة ورمي النرد... "شيش بيش"، "جهار وسيه"...

إنّه انتقام الذاكرة والتراث (!؟)

عفواً!! ليس كلّ شيء ذاكرة وتراث.

  • Zeina

    ولك يلم هالتم يا باسكال :) Amazing post as usual.

    18 كانون الثاني 2011

  • ELie

    المكان له علاقة وثيقة بالتراث، ولكنه ككثير من الأمور التي لا يمكن أن تستمر على حالها. اوافق الكاتب على رأيه وأهنئه على هذه الإطلالة المميزة

    14 كانون الثاني 2011