0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


الـنـهــار ـ امـيـل خـوري

استعادة حقوق المسيحيين تبدأ بانتخاب الرئيس المتزن

اعطاء الصوت الوازن لرئيس الجمهورية سواء تكرس بنص دستوري او اعتمد كعرف، هل يشكل خطوة على طريق استعادة "حقوق المسيحيين" التي تقلصت في اتفاق الطائف، وهل استعادة هذه الحقوق هي في مصلحة المسيحيين وتحديداً الموارنة، ام ليست في مصلحتهم عندما يتحول رئيس الجمهورية طرفاً في الصراع داخل الحكم وخارجه ولا يبقى حكماً نزيهاً وعادلاً ورمزاً لوحدة الوطن؟

يقول بعض من شارك في لقاءات الطائف ان رئيس الجمهورية عندما كان يتمتع بصلاحيات واسعة كان يوصف بأنه "ملك على جمهورية" ورئيس الحكومة "بباشكاتب" او "شرابة خرج" الامر الذي جعل الشريك المسلم وتحديدا السني يطالب باستمرار باعادة النظر في هذه الصلاحيات خصوصاً عندما كان بعض رؤساء الجمهورية يسيئون استعمالها ولا يراعون شعور الشريك المسلم، ولا سيما عند تشكيل الحكومات فيسمى رئيساً للحكومة غير مقبول من طائفته، او يعين وزراء محسوبين عليه بغية امرار المشاريع التي يريدها في مجلس الوزراء، متجاوزاً بذلك العرف الذي يقضي باجراء استشارات، وان لم تكن آنذاك ملزمة بنتائجها، بل لمجرد استمزاج آراء الاحزاب والكتل، بحيث يأتي تشكيل الحكومة متجاوباً مع هذه الآراء، في حين كان بعض الرؤساء، حرصاً منهم على رأي الشريك الآخر يلتزم العرف ولا يستعمل الصلاحيات التي منحه اياها الدستور.

وقد نعتت الطائفة المارونية عندما كان رئيس الجمهورية يمارس الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها بـ"المارونية السياسية" فأدى سوء استخدام هذه الصلاحيات الى تقليصها في لقاءات الطائف، فالرئيس العاقل والمتزن كان يتجنب استعمالها كي يبقي على التعاون والانسجام بين اهل الحكم ولا يدخل طرفاً في الصراع عند حصوله، ومن كان يستعمل هذه الصلاحيات ولا يتقيد بالعرف، كان يواجه ازمات وزارية يستعصي عليه حلها، بحيث تبلغ احياناً حد النزول الى الشارع، خصوصا عندما كان يسمي رئيس الحكومة  من دون استشارة من يجب استشارتهم، ويسمي من يريد من الوزراء لتصبح الاكثرية في مجلس الوزراء اكثرية تصوت مع ما يريد وتتجاهل رأي رئيس الحكومة ويقيل رئيس الحكومة او الوزير من دون ان يأخذ في الاعتبار ردات الفعل الحزبية او الطائفية على ذلك.

ومع انه كان من حق رئيس الجمهورية ان يصوت في مجلس الوزراء اذا اقتضى الامر، فان كثيراً من الرؤساء كانوا يتجنبون التصويت كي لا ينحازوا الى هذا الطرف او ذاك، وهو ما حصل مع الرئيس شارل حلو في الحكومة الرباعية، مع ان تصويته كان ضرورياً في قضية وطنية مهمة لترجيح الكفة عندما تساوت اصوات الوزراء بين من يريد اتخاذ تدابير لاخراج المسلحين الفلسطينيين من منطقة العرقوب وكان اول دخول لهم الى لبنان، ومن لا يريد ذلك تحاشيا لحساسيات طائفية وتداعيات في الشارع، وبرر الرئيس حلو امتناعه عن التصويت بسبب انقسام الوزراء مذهبياً وكي لا يرجح تالياً كفة طرف على طرف آخر مفضلا التزام الحياد رغم ان موقفه هذا ادى الى استقالة الحكومة والى بداية انتشار الفلسطينيين المسلحين في لبنان.

لقد اخذ بعض المشاركين في لقاءات الطائف في الاعتبار كل ما سببته الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها رئيس الجمهورية وسوء استخدامها من مشكلات وازمات، خصوصا ان بعض الرؤساء كانوا يتجنبون استخدامها حرصا منهم على استمرار التعاون والانسجام بين اهل الحكم وبين الشركاء في الوطن، فلم يكونوا يعينون رئيس الحكومة قبل اجراء استشارات ولو لاستمزاج الآراء ولم يكونوا يعينون الوزراء الا بالتفاهم مع رئيس الحكومة، ولم يكونوا يقيلون رئيس الحكومة لئلا يواجهون مشكلة طائفية ولا اقالة وزير الا بالتفاهم مع رئيس الحكومة، وهذا ما فعله الرئيس سليمان فرنجيه عندما اقال الوزير هنري اده من وزارة التربية، ولم يكن رئيس الجمهورية يصوت في مجلس الوزراء الا عند الضرورة القصوى ليظل محتفظا بدوره كحكم وكرئيس لكل السلطات ورمز لوحدة الوطن. ولكي يظل محتفظاً بدوره هذا، تقرر في لقاءات الطائف اناطة السلطة الاجرائية بمجلس الوزراء ولم تعد منوطة برئيس الجمهورية بحيث يتولاها بمعاونة الوزراء، وان تتم تسمية رئيس الحكومة بموجب استشارات نيابية ملزمة وان لا يتم تأليف الحكومة الا بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء، ولم يعد من حق رئيس الجمهورية تعيين الوزراء واقالتهم وتسمية رئيس الحكومة منهم لكن دستور الطائف اعطاه في المقابل حق ترؤس مجلس الوزراء عندما يشاء ولكن بدون ان يشارك في التصويت كي يظل محافظاً على صفة الحكم النزيه والعادل في حسم الخلافات بين اهل الحكم. كما اعطاه حق عدم توقيع مرسوم تشكيل الحكومة اذا لم تكن مقبولة منه، واعطاه ايضا حق الطلب الى مجلس الوزراء اعادة النظر في اي قرار من القرارات التي يتخذها المجلس خلال 15 يوماً من تاريخ ايداعه رئاسة الجمهورية.

واذا كان دستور الطائف قد حرم رئيس الجمهورية صلاحية حل مجلس النواب الا بشروط شبه مستحيلة، فلأن بعض الرؤساء كانوا يعمدون الى حله مزاجياً او لانتقام سياسي وللتخلص من نواب بعض الكتل والاحزاب، فلو ان هذه الصلاحية ظل يتمتع بها رئيس الجمهورية، لكان الرئيس لحود اقدم على حل المجلس الحالي، لا لشيء سوى انه يتألف من اكثرية تزعجه ولا تجاريه في سياسته، مع ان حل المجلس وتحقيقا للتوازن بين السلطات ينبغي ان يتم في مجلس الوزراء وبأكثرية الثلثين.
وبالعودة الى موضوع الصوت الوازن لرئيس الجمهورية ترى اوساط سياسية انه مقبول كتسوية موقتة بين الموالاة والمعارضة، وليس كحل دائم يعتمد سواء بالعرف او بنص دستوري. لأنه اذا كان دستور الطائف قد حرم رئيس الجمهورية حق التصويت في مجلس الوزراء ليظل محتفظاً بحياده وبكونه حكماً في حسم الخلافات، فكيف يظل محتفظاً بهذه الصفة عندما يصوت، او عندما يصبح الصوت الوازن او المرجح من خلال الوزراء الذين يسميهم رئيس الجمهورية، ويصبح طرفاً في الخلاف داخل الحكومة. فالاستقرار السياسي يتطلب تشكيل حكومات متجانسة ومتعاونة والمشاركة فيها لا تعني المشاكسة.

لقد حرص دستور الطائف على ان يظل رئيس الجمهورية في موقع الحكم والمحايد عندما طلب من كل نائب في الاستشارات ان يسمي رئيس الحكومة لا ان يجيِّر صوته لرئيس الجمهورية ليجعله طرفاً عند تجيير صوته لهذا المرشح او ذاك للرئاسة الثالثة. هذا من جهة، ومن جهة اخرى، فمن يضمن استمرار الصوت المرجح لرئيس الجمهورية، فلا ينتقل بعض الوزراء من صفه الى صف آخر مواليا كان ام معارضاً داخل مجلس الوزراء وبحسب القضية المطروحة، ألم يعتبر التصويت في مجلس الوزراء عندما كان الرئيس لحود طرفاً في مواجهة الرئيس الحريري، وكانت نتيجة التصويت تشكل غالبا ومغلوبا، وهو ما ادى الى تجنب التصويت على المشاريع التي تعطي هذه النتيجة، ألم يحاول الرئيس الهراوي ان يكون له في احدى الحكومات ثلث عدد اعضائها ليكون في امكانه التحكم في القرارات والقضايا المطروحة عند التصويت عليها، والتحكم تاليا في مصير الحكومة نفسها، فمحاولة الحصول على غالبية الثلث من مجموع عدد الوزراء من شأنه ان يفتح ازمة وزارية مستعصية تتحول ازمة حكم وتجعل اتفاق الطائف موضع اعادة نظر.

لذلك، فان الاوساط نفسها  ترى ان استعادة "حقوق المسيحيين" لا تكون بجعل رئيس الجمهورية طرفاً في الخلافات بين اهل الحكم، وفي ترجيح كفة فئة على فئة، فترتد نقمة على الطائفة المارونية بل ان حقوق المسيحيين تبقى محفوظة مع رئيس متوازن ومتزن يقوم بدور الحكم النزيه والحاكم العادل في حسم الخلافات، وفي توقيع ما يقبل به ورفض توقيع ما لا يقبل به بوحي من ضميره، ومن مصلحة البلاد ليظل عندئذ رئيس كل السلطات ورمز وحدة الوطن يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة اراضيه. وحقوق المسيحيين تكون محفوظة عند المحافظة على حقوق لبنان في السيادة والحرية والاستقلال، والقرار الوطني الحر، فالشراكة في الوطن لا تقوم بين فريق يعطي وفريق يأخذ، بل تقوم بين من يعطي الوطن من دون سواه.