0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


NOW

"جبران يزور بيروت".. عفواً! متى غادرها؟



في أواخر تسعينات القرن المنصرم، إستقبل متحف نقولا سرسق "جبران خليل جبران" حيث عُرضت له أكثر من 170 لوحة؛ حدث جلل، يحدث للمرة الاولى بعد الحرب اللبنانية، وقد ترددت أصداؤه في المنطقة والعالم (مع أكثر من خمسين الف زائر). بعدها معرض آخر لمجموعة أصغر من لوحاته عرضت في بهو مصرف الانتركوتينتال... الى "لقاء" اليوم تحت عنوان "جبران يزور بيروت"، وبالتحديد على درج الفن في الجميزة، أو "درج السراسقة" كما اعتاد تسميته أولاد المنطقة.

إذًا.. وبالتعاون مع لجنة جبران خليل جبران و Laboratoire d'art تمّ افتتاح معرض "جبران يزور بيروت" يوم الخميس 2 ايلول 2010 بحضور ممثل وزير الدفاع وقائد الجيش العقيد نقولا الرعيدي بالاضافة الى فعاليات سياسية وحزبية وفنانين ورسامين وشعراء وحشد من الكتاب والأدباء... ( يمتد المعرض لغاية الأحد 3 تشرين الأول 2010، مع الملاحظة بأنه مع حلول عيد الفطر، طرأ تعديل في تواريخ بعض البرامج).



إنارة خافتة تضفي على المكان جو من الخشوع وكأنك دخلت لتوه إلى معبد... "العتبات" حملت ملصقات لعِبر وخواطر (بالعربية والإنجليزية)، نطق بها جبران منذ قرابة القرن... كلمات ما زال يتردد صداها لتاريخ اليوم، وطبعا قلّة لربما فهمت معناها العميق:  Pity is half justiceو Love like death changes everything أو "الإنسان شكل من أشكال الحرية"، "لولا الضيوف لكانت البيوت قبوراً"، "حسب القتيل فخراً أنه ليس بالقاتل"، "يمدحني الحسود وهو لا يعلم"، "لا بحسد الثرثار إلا الأصم"، "الويل لأمة كثرت فيها طوائفها وقل فيها الدين".. الخ.

في هذا المكان أو لنقل في هذا الجو بالتحديد، وقفت الفنانة القديرة جاهدة وهبة.

وكان قبل وكان بعد. من روعة الصوت أدت قصائد ونصوص لجبران... لم تكن مجرد منشدة، ملقية أو مؤدية... بالاحرى جاءت تجربتها صوفية وقد مسّتها روح متمرّدة.

تراها تختار الغناء حيناً لتعود فتلقي بأجلال ووقور مطويات من مقاطع لجبران... تصّر أن يشاركها مستمعوها... صفقت هي لهم، تأملتهم وقد استحالوا بدورهم مرآةً لها... غنّت لهم "المحبة" وهم كانوا جوقتها. غنّت لهم ايضا "أعطني الناي وغني"... عندها تمايلت الأيدي والقلوب، إنسكبوا جميعا في سرّ للوجود أصبحوا فجأة على دراية منه.

...عندما كانت تقرأ، كان يصاحبها هدوء عميق وافتتان من بعد آخر سرعان ما كان يُفتضح أمره وقد ارتسم غبطة على الوجوه. وعندما كانت تحاول أن تختم، كان تصفيق عطش مستمر اليها لم يرتوي، يطالبها أبدا أن تغنّي.

في مقابلة سريعة مع الشاعر هنري زغيب قال: "جاهدة وهبة ليست صوتاً وحسب، هي إحساس وأداء، ولفظ ومخارج حروف... جاهدة وهبة صوت مثقف وهذا أصبح نادراً اليوم بين الأصوات الرائجة".

جاهدة وهبة بدورها وفي مقابلة مع فريق “NOW Lebanon” قالت عن تجربتها هذه: "جبران خليل جبران سكنني منذ صغري. أوّل أديب نتعرّف عليه في المدرسة.

البيئة التي عشت فيها، وأهلي أحبوا أن أغوص بعالم جبران. هو كاتب دخل في الوجوديات، بعلاقة الإنسان مع نفسه، مع الخالق، مع الطبيعة. جبران قامة شاهقة من لبنان، تخطّت لبنان ووصلت إلى كل العالم، تخطى كل الحدود. تكلّم عن إنسانية الإنسان، بشّر بالإنسانية ضد أي شيء يهشم وجود الإنسان. جبران سكنني منذ كنت طفلة، كنت أقرأ له، قرأت كل كتبه. كنت أحرص في الأمسيات الشعرية أن يكون هناك حيّزا لقراءة أو إنشاد من كتابات جبران. وقتها كنت أدندن الألحان على ذوقي. الوطن والشعب والأشخاص بحاجة ليتعرّفوا على ميراثهم والذاكرة الموجودة عندنا. وعندما نقرّب التاريخ والذاكرة نتعرّف على الوطن أكثر، ونكتسب خلفية ثقافية تحمي الوطن من الإبتزال المتفشّي فيه وفي الفن عموماً. هذا النشاط يعطي صورة جميلة عن لبنان، يعيدنا إلى أصالة لبنان".

قراءات أخرى جاءت بصوت الفنانين رندة الأسمر وجوزيف بو نصار. كان لها هي الاخرى وقع السحر، سكون خيّم بدوره على الحضور، على أنغام موسيقى جاد بلابان. الملفت وجود شبان وشابات لم يكملوا العشرين من أعمارهم... طلّقوا على ما يبدو هذه الليلة Gadgets إلكترونياتهم... إختاروا أمكنتهم وجلسوا ينتظرون كلمات جبران. أكثر من 70 شخصاً حضروا واستمعوا. أقدام صودف مرورها على الدرج، ذهول وأسئلة تفتش عن أجوبة :"من أنتم؟ "وماذا تفعلون هنا؟"...



6 لوحات من رسوماته وواحدة زيتية تمثل جبران ولكن بريشة يوسف الحويّك رسمها العام 1908.

بلغت قيمة التأمين على اللوحات 2 مليون دولار أميركي. جُهّز المعرض بأجهزة الإنذار ضد السرقة والحريق وبأجهزة قياس الرطوبة والحرارة... مع نوبات للحرس على مدى الساعة في داخل وخارج المعرض.

اللوحات اختيرت بدقة حاول القيمون على المعرض أن يظهروا من خلال خيارهم البعد الشخصي لجبران (وان احيانا على عاتق التقنية)، وتحديداً من خلال لوحتي "سلطانة تابت" 1908، "ومي زيادة" (1920) المرسومتين بقلم فحمي. اللوحات الأربع الباقية جاءت كالتالي: "الشاعر الضرير وأمه" (1925، فحمية)، و"الكائن الأثيري يبعث برسالة" (1920، مائية)، و"رقص وإيقاع" (1920، مائية)، و"التفكر هو التأمل" (1923، فحمية).

في البداية كانت الفكرة أن يعرض ايضا الى جانب اللوحات، قسم من مخطوطاته، إظهاراً للوجه الآخر من جبران. وهنا أريد أن أتوقف امام القصة "الغريبة" التالية والتي أخبرني اياها السيد إبراهيم سماحة (أحد منظمي الزيارة)؛ وبالتالي أترك للقاريء وحده بأن يحكم عليها: كما أُبلغنا، منذ قرابة السنتين، "ظهرت" (فجأة) مجموعة كبيرة من المخطوطات كان يحتفظ بها شخص منذ زمن بعيد – عن غير وجه حق – على ما يبدو قد "تاب" هذا الشخص، إذ إنه قرر أن يعيدها إلى متحف جبران!!؟؟

وعلى ما يبدو، "عودة" هذه المجموعة بالتحديد سمحت للجنة جبران الوطنية بأن تصدر مؤخراً كتاب "أقلب الصفحة يا فتى". لم ينشر في هذا الاصدار كل المجموعة التي أُعيدت الى المتحف.  هناك بقية ستبقى – ولا ندري الى أي حين -  بعيدة عن أعين متلهفي الادب الجبراني. العذر أو الحجة هو التالي: "لو أن جبران أراد فعلاً نشرها لكان نشرها عندما كان حياً"... لم نقتنع. اذا كان هذا هو السبب، لماذا تمّ نشر قسم من المجموعة إذا؟!

في عودة الى المعرض، يقول إبراهيم سماحة، أن المفاجأة كانت في ثاني أيام الحدث، أي بعد يوم من إنشاد وقراءة جاهدة وهبي لكلمات جبران. فقد بلغ عدد الزائرين في ذلك اليوم 150 شخصاً ومعظمهم من الأجانب. (يضيف) اللبنانيون شعروا بالخيبة لقلة اللوحات المعروضة، فغالباً ما كانت تنتهي الزيارة بعد دقائق قليلة من الدخول... ليأتيك السؤال: "فقط هذه اللوحات؟".

يتابع سماحة فيخبر عن مجموعة من الزوار الاجانب أجّلت سفرها لحضور أول أيام الحدث. وعن مواطنة أمريكية قالت إنها عندما تزوجت أصرّت أن يقرأ لها من كتاب النبي، وأخرى أظهرت جواز سفر ابنها الذي أسمته "جبران خليل جبران" تيمناً بالأديب اللبناني...

وبما أن خير الكلام ما قلّ ودلّ، نترك الخاتمة للشاعر هنري زغيب: "في هذه الأمسية نتكرّم فيها نحن بجبران، ولسنا نحن من يُكرم جبران. العظماء نتكرّم نحن بهم، هم خالدون ونحن، الذين نتذكّرهم، نخلد بهم ونتكرّم. لأنهم، وهكذا جبران، على صورة لبنان العظيم الذي لا ينحني ولا يموت".

بين الجمع، وعلى الدرج، لربما جلس بدوره جبران... تراه ربما يكتب على قصاصة ورق مزّقها من دفتر مدرسي عتيق: وإنما الزيارة... شكل من أشكال التذكير.