0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


مـكـرم ربـاح

احتفالية الأسد الوهمية

بشار الأسد

كان رئيس مستشفى المجانين يقوم بجولته الاعتيادية على المرضى عندما صادفته مجموعة منهم تقوم بالتجوّل على دراجات نارية خيالية وتُصدِر أصواتاً تقلّدها. وتفاجأ الطبيب لدى رؤيته أحد المرضى جالساً على جنب يدخّن سيجارة، دون أن تبدو عليه أي علامات جنون.

فرِح الأطباء بهذا الأمر، وأعلموا الرجل بأنّه شُفي ولا لزوم لبقائه في المستشفى، وبضرورة قدومه إلى الإدارة حيث سيحصل على إذن بالمغادرة. سعيداً بخبر إطلاق سراحه الفوري، نظر المريض إلى الطبيب، أدار محرّك دراجته النارية الوهمية، وأجاب: "بالتأكيد، هيّا اصعد خلفي على الدراجة لكي نذهب إلى هناك".

هذه الطرفة ربما تختصر مقاربة بشار الأسد للحرب الأهلية المشتعلة في سوريا منذ خمس سنوات. ومؤخراً، أكّد حدثان بارزان على أنّ نظام الأسد فقد أي صلة بالواقعية السياسية على الصعيدين الداخلي والخارجي.

في محاولة يائسة وساذجة، أطلقت وزارة السياحة السورية حملة ترويج للسياحة، ولتبيان أنّ سوريا سوف تستمر باستقطاب السيّاح على الرغم من التحديات الكثيرة التي تمرّ بها. جميع صور الحملة والأماكن التي تروّج لها تنحصر في مناطق الساحل السوري الواقع وسط المقاطعة العلوية التي لا تزال آمنة نوعًا ما مقارنة بالاضطرابات الجارية حولها.

وتأتي إعلانات "سوريا جميلة دائماً" التي تجتاح وسائل التواصل الاجتماعي في وقتٍ تدخل فيها كافة بلدان الشرق الأوسط، وبينها سوريا، مرحلة الكسوف السياحي مع اقتراب فصل الخريف الذي يحدّ من الاستمتاع بالنشاطات المائية.

أمام غرابة هذه الحملة التي يطلقها النظام، وهو المدرك بأنّه مع وجود 10 ملايين لاجئ سوري منتشرين في أنحاء العالم أو مهجّرين داخل سوريا، ما من عاقل سوف يختار سوريا لإمضاء عطلته، لا يسعنا إذاً سوى التفكّر بسبب إطلاق هذه الحملة. لكن بمجرّد رؤية فيديو الحملة الترويجية، نكتشف بأنّ الرسالة التي يريد الأسد إرسالها واضحة، مفادها أنّه رغم وجود 400000 قتيل سوري وأكثر من 80% مشرّدين، تبقى المنطقة العلوية ودمشق، مركز السلطة، واقفة لا تنحني.

تعمّدت وزارة السياحة السورية تجاهل حقيقة أنّ مدينتي حلب وتدمر التاريخيتين قد دُمرّتا نهائياً على يد النظام أو الدولة الإسلامية التي لا تقل عنه همجيّة. ولكنّ هذه المحاولة اليائسة للأسد لإظهار أنّ حالة البلد طبيعية، من الصعب أن تمرّ مع تقلّص سيطرة الأسد على البلد الى حد كبير، في ظل تحييد المجموعات الروسية والمدعومة من إيران والتي تقاتل بما تسميه الحرب على الارهاب بالنيابة عنه، له.

هذا الفشل الداخلي امتد كذلك ليطال قدرة الأسد على لعب دور إقليمي لاسيما في البلد المجاور له "لبنان" الذي بقي حتى تاريخ الانسحاب السوري منه عام 2005، تابعاً لسوريا.

على بعد نحو 65 كيلومتراً من الساحل السوري، سدّدت مدينة طرابلس اللبنانية صفعة سياسية للأسد بعد اتّهام اثنين من كبار المسؤولين الأمنيين التابعين للأسد بتفجيرات عام 2013 لمسجدي التقوى والسلام في المدينة.

طرابلس ذات الأكثرية السنّية كانت هبّت لنصرة الثورة السورية مع اندلاعها، ما أدى الى سلسلة من الاشتباكات الطائفية مع المنطقة العلوية في المدينة أي "جبل محسن". وبلغ القتال بين الجانبين ذروته في 23 آب 2013، عندما استهدف انفجاران منفصلان مسجدين سنّيين بينما كان المصلون يغادرون بعد صلاة الجمعة، ما أدى الى مقتل العشرات وجرح المئات من المدنيين. وطبيعياً توجهّت أصابع الاتهام نحو نظام الأسد الذي هدف بهذا الاعتداء الى توسيع الهوّة بين الطائفتين المتقاتلتين في المدينة.

على الرغم من أنّ طرابلس هي مركز النشاط المعادي للأسد، فإنّ استهداف مكان عبادة خارج سوريا لا يزال يُعدّ سقطة جديدة حتى للأسد. وقد طالب العديد من اللبنانيين، وإن بدا مطلبهم غير واقعي سياسياً، تسليم هذين الضابطين السوريين لمحاكمتهما في لبنان، أو قطع العلاقات الدبلوماسية اللبنانية- السورية من خلال استدعاء المبعوث اللبناني الى سوريا واعتبار السفير السوري في لبنان شخصاً غير مرغوب فيه.

منذ عام 1976، تاريخ دخول الجيش السوري الى لبنان، تمّ طمس معظم الجرائم التي تحمل علامات تورّط النظام السوري فيها، حيث لم تتهّم السلطات القضائية اللبنانية بشكل رسمي أي مسؤول سوري بأي من الجرائم السياسية التي ارتُكبت على الأراضي اللبنانية.

إلاّ أنّ هذا الواقع قابل للتغيّر حيث وجد بشار الأسد نفسه متهماً علناً بالتآمر بجرائم قتل لبنانيين. الحادثة الأولى تعود لعام 2012، مع اعتقال ومحاكمة الوزير السابق ميشال سماحة الذي وبأمر من الأسد كان يخطّط لاستهداف أماكن عبادة مسيحية ومسلمة بهدف اثارة الفتنة.

بغض النظر عن الشق القضائي المتعلق بهاتين القضيتين، فهما تُعتبران دعوة استيقاظ قاسية للأسد تُعلِمه بأنّ لبنان ومعه أكثر من 80% من سوريا خرجوا من عهدته. كما أنّ على الأسد أن يدرك بأنّ "حزب الله" لن يسمح له باستخدامه كغطاء، لاسيّما عندما يتعلّق الأمر بالطائفة السنّيّة في لبنان وبشكل خاص الأعمال التي يمكن أن تؤدي الى حرب طائفية واسعة النطاق.

لا يمكن تلميع عملية قتل الأسد وحلفائه للبنانيين والسوريين من خلال مجرّد فيديو يُبرز الجمال الطبيعي لسوريا، ولا من خلال نفي هذه الاتهامات على اعتبار أنّها مزيّفة وتآمرية.

لا يجوز أن يدفعنا قرار الأسد البقاء صامتاً، إلى الاعتقاد - كما ورد في الطرفة الواردة في الأعلى - بأنّه الأعقل، ولا يجوز للمجتمع الدولي أن يعمل معه لأنّه يُفترض بأنه شُفي من جنونه السياسي. علينا أن نُبقي هذا الأمر ماثلاً في ذهننا لكي نبقى خارج الموكب الاحتفالي للأسد وغيره من الديكتاتوريين في المنطقة القائم منذ سنوات.

هذا المقال ترجمة للنص الأصلي بالإنكليزية على موقع middle east eye
(ترجمة زينة أبو فاعور)

نظام الأسد فقد أي صلة بالواقعية السياسية