0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


إيلـي فــواز

الإنتخابات الرئاسية الأميركية

الانتخابات الرئاسية الأميركية

لا أحد يستطيع التكهّن بنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية. فالانتخابات الأميركية لها أساساً وأولاً بعدٌ داخلي يتعلّق بالاقتصاد والأمن ومسألة المهاجرين غير الشرعيين، وبمسألة حرية شراء الأسلحة وإلخ. وكل الأبحاث تدلّ أن الناخب الأميركي لا يعير اهتماماً لموضوع السياسة الخارجية الأميركية، وهو في هذه الأمور يتكّل على آراء النخب الاميركية ليفهم ما يجري في الخارج وبالتالي ليحدد موقفه منها.

هذا لا يعني أن الأحداث الخارجية لا تؤثّر على خيار الناخب، فمثلاً في الانتخابات النصفية في العام 2002، وبعد أحداث 11 أيلول، كان هم الناخب الأمن القومي. حتى مع انتخاب الرئيس باراك أوباما كان هم الناخب الأميركي إعادة الجنود الأميركيين من العراق مع تزايد عدد قتلى الجيش الأميركي.

على كل الأحوال فإن السؤال الذي طرحته أكثر من جهة عربية وتناوله أكثر من صحفي تمحور حول هوية الرئيس الأميركي المقبل وتأثير انتخابه على أوضاع الشرق الاوسط.

الإجابة عن هذه الاسئلة لا تكتمل إلا إذا أخذنا في عين الاعتبار مسألتين أساسيّتين تتعلّق بتوجه الجمهور الأميركي العريض، الأولى رفضه أي تدخل عسكري في الشرق الأوسط، والثانية تنامي شعور الكراهية لسكان الشرق الأوسط عموماً وللعرب خصوصاً.

وبحسب استطلاع للرأي العام أجراه معهد راسمونسن، فإن ستين بالمئة من الأميركيين يعتقدون أن الولايات المتحدة الأميركية في حرب مع التطرف الاسلامي. كما يرفض 53 بالمئة من الأميركيين إرسال جنود لمحاربة داعش، هذا ناهيك عن أن 79 بالمئة من الاميركيين ينظرون الى العراق بشكل سلبي.

مع تزايد الاعتداءات في الغرب من قبل الجماعات المتطرفة، ومع استمرار الحروب في كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا، ومع عرض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي  لوحشية المتقاتلين وكانت آخرها ذبح الطفل الفلسطيني من قبل عناصر ميليشياوية سورية، فسيكون من الصعب جداً تغيير المناخ العام الاميركي مهما كانت هوية الرئيس الآتي.

طبعاً هذا الجانب الشعبي يتنبّه له كل الرؤساء لتأثيره على نتائج انتخابات مجلس النواب والأكثرية فيها، والتي إن أتت مناهضة للرئيس فستصعّب عليه مهامه في الحكم لا سيما في مسألة تمرير القوانين.

اذاً إنْ انتُخبت هيلاري كلينتون رئيسة او دخل دونالد ترامب البيت الابيض، فسيكون من الصعب جداً تغيير الرأي العام المناهض للتدخل العسكري، او الذي يرى الشرق الاوسط بشكل سلبي قبل سنين، في حال لم تشهد أميركا لحدث بحجم 11 ايلول.

هذا من الناحية الشعبية، أما من الناحية السياسية، فالرئيس اوباما عقّد المسائل المتعلّقة بالسياسات الخارجية الاميركية بشكل يلزم فيه خلفه بخطوطها العريضة.

ثلاثة دول في الشرق الاوسط تعتُبَر فاعلة ومؤثّرة في مجريات أحداثها اليوم، يمكن القول بأن علاقاتها بالولايات المتحدة الاميركية تتأرجح بين العداء والبرودة. إسرائيل والتي تبقى الأقرب للولايات المتحدة الاميركية هي على خلاف كبير وعميق في ما خص الاتفاق النووي الايراني، وأيضاً في ما خص مسألة السلام مع الفلسطينيين، وهذه الأمور لن تحل مع الرئيس أوباما، ومن المحتمل جدًا أن تبقى تلك الخلافات قائمة مع الادارة الجديدة.

إيران وهي أيضاً لاعب رئيسي في المنطقة تناصب العداء للولايات المتحدة، وتسعى بالرغم من الشراكة العسكرية بينهما كما في العراق مثلاً، إلى أن تخرجها بالكامل من منطقة الشرق الاوسط. فهي وإن كانت وقّعت الاتفاقية النووية مع الرئيس اوباما إلا أن المسائل الخلافية بين البلدين ما تزال كبيرة، من البحرين الى اليمن الى ميليشيا الحشد الشعبي ودعم الاسد، هوّات لن يستطيع اي رئيس قادم ردمها.

إما في ما خص تركيا، و خاصة بعد الانقلاب الفاشل على الرئيس رجب طيب أردوغان، وبروز أصوات داخل تركيا تتهم الولايات المتحدة بتسهيل ودعم الإنقلابيين، فمن المؤكد إن العلاقة بين البلدين تمر بأزمة جدية خاصة، والخلاف بين البلدين يكبر في ما خص الملف الكردي وتعاطي الولايات المتحدة معه، وفي مسألة سوريا ودعم المعارضة التي لا ترى فيها ادارة الرئيس اوباما شريكاً جدياً.

الرئيس أوباما من خلال سياساته الخارجية أضعف من تأثير الولايات المتحدة في المنطقة. فهو في سوريا مثلاً سهّل للروسي التدخل عسكرياً، وإنشاء مراكز عسكرية لروسيا لم تكن موجودة قبلاً، فمرفأ طرطوس قبل اندلاع الثورة كان محطة للسفن الروسية وليس مركزاً قائماً بحد ذاته.

إذاً هوية الرئيس القادم الى البيت الابيض لن تستطيع تغيير الكثير في الشرق الأوسط للأسباب التي أوردناها. فالسياسات الاميركية ليست أبداً وليدة الساعة، بل هي نتاج عمل فكري يغطي فترة زمنية كبيرة يسعى الرؤساء وإدارتهم على تطبيقها.

هوية الرئيس القادم ستؤثر حتماً على علاقات الولايات المتحدة الاميركية بدول المنطقة، وهو يستطيع ترميم العلاقات بحلفائه التقليديين وإعادة بناء الثقة معهم، ولكن ليس بالشكل الذي يظن البعض انه قد ينتج تغييراً دراماتيكياً على الساحة الشرق الاوسطية.

للأسف الحرب السورية لا يبدو لها أفق. قد يكون التوجّه ربما الى نوع من ستاتيكو يحفظ للرئيس الاسد مناطق نفوذ، وللأكراد مناطق حكم ذاتي، فيما تدفع بالبقية الى التناحر والتقاتل.
أما العراق فالجرح المفتوح بين أبناء البلد الواحد لا يبدو أنه سيوقف نزفه قريباً، خاصة مع تعاظم نفوذ الحشد الشعبي وارتكاباته بحق المدنيين السنّة.

تركيا، إيران، وإسرائيل، سيمضون قدماً في حماية مصالحهم الاستراتيجية، إن كان من خلال التعاون كما الحال مع تقارب اسرائيل وتركيا، او حتى بحروب الواسطة كما الحال بين حزب الله وإسرائيل، من دون ان يفضي الامر الى مواجهة كبرى.

الدول العربية فستكمل في مشروع مواجهة المد الايراني والتهديد القومي الذي يمثله على بلدانهم. أما الدول الغربية فستظل غارقة بمواجهة حالة الارهاب التي تتعرض لها.

مهما كانت هوية الرئيس الاميركي الجديد فسيكون على موعد مع ملفات بغاية التعقيد، لن يكون من السهل إبداً البت فيها او حتى معالجتها بالسرعة التي توقف مجازر وحروب الشرق الاوسط.

مهما كانت هوية الرئيس الاميركي الجديد فسيكون على موعد مع ملفات بغاية التعقيد