2

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


مـكـرم ربـاح

العنف القبلي والدولة اللبنانية

تشييع الجندي محمد حمية

إنْ علّمني التاريخ شيئاً، فهو أنّ قدرة الإنسان على استخدام العنف وإعادة توجيهه ليس لها حدود للأسف. والجريمة التي ارتُكبت مؤخراً في لبنان تقع ضمن هذا النطاق. حيث اختار والد أحد الجنود اللبنانيين الذين خطفتهم جبهة النصرة في عرسال، شرق لبنان في آب 2014 وقتلتهم، الانتقام لمقتل ابنه الوحشي بشكل عنيف لا يقل وحشية عن الجريمة الأولى.

بكل دم بارد وبسخرية، اتّصل معروف حمية بمحطة تلفزيونية محلّية وتباهى بأنه نفّذ الوعد الذي قطعه عندما قُتل ابنه، بالانتقام له بأي ثمن. لكن جريمة حمية لم تستهدف أي عضو من النصرة بل استهدفت حسين الحجيري، ابن شقيق أحد رجال الدين السنّة المحليين الذين تربطهم علاقات بالمجموعة الجهادية التي تعمل في جبال عرسال.

نصّ كتاب الثأر القبلي الذي يعتمده حمية على خطف حسين الحجيري، 20 عاماً، وإعدامه على قبر ولده. وفي حين أنّ العدالة القبلية شائعة في تلك المنطقة وفي غيرها، فإنّ توقيت وطبيعة الجريمة يضع مرة أخرى وضع الدولة اللبنانية المتراجع ومن يسمّون بمواطنيها تحت مجهر المراقبة الأخلاقية للجمهور بشكل عام.

وإذ تتقاسم عائلتا الطرفين، الضحية ومنفّذ الجريمة، صفات مشتركة وهي قبلية في أساسها، فإن حقيقة وقوفهما في وجه بعضهما وسط الانقسام السنّي- الشيعي تفاقم من الواقع الطائفي غير السوي أصلا.

وفي حين يدعم أهالي عرسال الثورة السورية منذ انطلاقها، وقفت عشيرة آل حمية على غرار معظم العشائر الشيعية المماثلة إلى جانب "حزب الله" في ما أسماها حربه على الارهاب في الجهة المقابلة من الحدود.

انتهت معركة عرسال في آب 2014، التي جرت بين الجيش اللبناني وميليشيات سورية جهادية بإلقاء النصرة والدولة الاسلامية القبض على 24 جندياً و20 رجل أمن. ومن بين هؤلاء كان ابن حمية، محمد، الذي أعدمته لاحقاً النصرة التي أرادت استخدام ذلك للمطالبة بانسحاب "حزب الله" من سوريا، ولكن الأهم هو الإظهار للدولة اللبنانية بأنها تعني ما تقول.

وقامت الحكومة اللبنانية، الضعيفة، بمفاوضات طويلة ومضنية مع النصرة على يد أحد أهم رؤسائها الأمنيين. وتنقّل اللواء عباس ابراهيم بين القوى المحلية والاقليمية التي شملت كل من قطر، والسعودية، وسوريا، وإيران. وبعد ثلاثة عشر شهر، أثمر ذلك عن إطلاق سراح 16 رجل أمن وتسليم جثمان جنديين قُتلا في الأسر. وفي حين تلقى الجمهور اطلاق السراح هذا بالكثير من التهليل، فإنّ القتل الوحشي لحسين الحجيري يقع ضمن هذا النطاق.

خلال أزمة الرهائن هذه، تخلّت الحكومة اللبنانية عمّا تبقى من سيادتها واحترامها. وكان مردّ ذلك بشكل أساسي إلى الشلل الذي أصاب مجلس الوزراء والفشل المستمر للبرلمان اللبناني في انتخاب رئيس للجمهورية، اللذين حوّلا الحكومة إلى مجرّد مشاهد مجبر على القبول بأي تسوية مهما كانت مذلّة.

لم تؤدِّ عودة الجنود المخطوفين لأي عدالة حقيقية لعائلات من قُتلوا في الصراع أو في الأسر، بل أدّت الى تعزيز مبدأ أنّ العنف والقتل يؤتيان ثماراً طيبة. وبناء على كل هذه المعطيات، اختار حمية تنفيذ جريمته.

حتى هذه اللحظة، لم تصدر الحكومة اللبنانية أي بيان رسمي فيما خصّ الجريمة، ولم تحرّك ساكناً لتوقيف المجرمين. ومن المثير للسخرية هو أنّ مكان تواجد حمية معروف. فهو يجلس في قريته مرتدياً زياً عسكريا ويستمر باستقبال الناس والوفود القبلية التي تدعم دعماً تاماً "حربه على الارهاب".

وحتى الأحزاب السياسية المتنوعة التي لا تفوّت فرصة لجمع الناس ووسائل الإعلام لإعطاء التصاريح، امتنعت عن اعطاء أي تصريح. وفي حين أصدر تيار المستقبل، ممثل الغالبية السنّية، بياناً أدان فيه الجريمة، لم يصل إلى شيء ذي قيمة، ولم يكن له أي وزن بالنسبة الى الأحزاب المعنية.

ومن المثير للرعب أيضاً هو موقف البعض، إن لم نقل غالبية اللبنانيين الذين نظروا الى هذه الجريمة على أنها تطوّر طبيعي للأحداث واعتبروا العدالة القبلية قاعدة وليس شذوذاً عن القاعدة. وليس ثمة ما يفاجئ في كل ذلك طالما أنّ الانتخابات البلدية في البلد عكست هذه النزعة القبلية للناخبين اللبنانيين الذين فضلوا التصويت لأقربائهم حتى لو كانوا غير كفوئين لشغل المنصب.

الأحزاب السياسية المختلفة كانت كذلك مسؤولة عن هذا الواقع القبلي، فبدل أن تبني الأحزاب سياسة عصرية لجذب الأفراد من مختلف الطوائف، فضلّت هذه الأحزاب المفتقدة للرؤية استغلال هذه النزعة القبلية بدل انهائها. وإذ كانت أي انتخابات هي علامة جيدة عندما تهدف الى السماح للناس بانتقاء ممثليهم للمناصب المحلية والحكومية، فقد فشل اللبنانيون مجدداً في اللعب حسب قوانين اللعبة. فحقيقة أنهم يريدون العيش في ظل دولة معاصرة رغم أنهم لا يزالون يمارسون قبليتهم في صناديق الاقتراع أو بأشكال أخرى، هي أمر مثير للسخرية. وقضية معروف حمية تقع ضمن هذا النطاق.

عندما قرّر محمد معروف حمية الانضمام الى الجيش اللبناني عام 2013، كان عليه وعلى عائلته نظرياً أن يخلعوا عنهم رداء القبلية ويؤكدوا قبولهم بسيادة القانون وكل ما يتبعه. وكان يجب النظر الى استشهاده ضمن هذا السياق، وقيام الدولة التي لا حول لها ولا قوة بتكريمه. عوضاً عن ذلك، قرّرت عائلة حمية اهانة البذلة العسكرية التي ارتداها ولدهم بفخر من خلال ارتكابها هذه الجريمة الشنيعة.

المشكلة الأساسية برأيي لا تكمن في طريقة تنفيذ العدالة القبلية أو بالطريقة التي فشلت فيها الدولة اللبنانية بمعالجة هذا التحدي. ذلك أنّ آل حمية، مثل باقي اللبنانيين، عليهم أن يقرووا إما العيش كعشيرة وتحمّل مسؤولية الأمر الذي ينطوي عليه هذا القرار، أو أن يختاروا العيش تحت رعاية الدولة اللبنانية، على الرغم من كل عيوبها، فالنباتي لا يمكنه ان يحاضر في عدم أكل اللحوم أمام عائلته ومن ثم يتسلل في الليل لالتهام كميات كبيرة من لحوم الحيوانات.

هذا المبدأ الخاطئ الذي تختار الدولة اللبنانية بكامل إرادتها عيشه، سوف يؤدي بالتأكيد الى المزيد من المآسي، أكثر فظاعة ربما من مقتل حسين الحجيري. ولكن علينا ألا ننسى بأنّ ليس هناك ما يوحي بالشاعرية والخيال في العدالة الخيالية، وليس ثمة أي شرف وكرامة في أي نوع من العنف لو أننا نريد فعلاً العيش في دولة معاصرة.

يوم تشييع الجندي محمد حمية الذي قتلته جبهة النصرة

  • النجم الساطع

    حزب الله خنجر مسموم غرس فى الجسد الشيعى العربى فاصاب مقتلاً، وتداعياته دمرت اقتصاد المكون الشيعى فى الداخل والخارج وأضراره ومخاطره الجسيمه التدميريه واضحةً وملموسه فى كافة بلاد الأغتراب أرضاءً لمغامرات المعممين الطائشه .،حيث أن أثمانه وتكاليفه كانت باهظه جداً ، وأصابت كل الشعب اللبنانى ،ومعروف حميه ليس الا نموذج من ضحايا هذا المشروع التخريبي ،والمآساة أصابت الجميع بلا استثناء ويدفعون الأثمان رغماً عن أرادتهم .

    1 حزيران 2016

  • Fariss101

    ظلم كبير انك تساوي بين الاثنين... و بالمناسبة يجب التذكير على ضرورة محاسبة المجرمين الذين قطعوا اعضاء ضحيتهم في بيصور لاسباب متخلفة و كذلك النائب (المناضل) المجرم الذي يحميهم (صاحب العرس العظيم)

    1 حزيران 2016