2

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


مـكـرم ربـاح

حكاية مدينتين: عودة الى انتخابات بيروت

انتخابات بيروت

في إحدى المرات، كان أحد الصيادين الماهرين يبحث عن طريدة. وبعد أن شاهد أسداً يشرب الماء، صوّب بندقيته نحو الوحش وأطلق النار عليه. إلاّ أنّ البندقية لم تطلق النار والأسد، الذي كان انتهى للتوّ من الأكل، لم يلتهم الرجل بل اكتفى بلطمه. شاعراً بالإهانة، عاد الصيّاد مرات عدّة حاملاً بندقية أكثر فعالية، وللأسف تكرّرت الحادثة نفسها. وبعد أن شعر الحيوان المفترس بخيبة أمل الرجل، نظر الى الصيّاد وسأله: "هل جئت للصيد أم أنّك تستمتع بأن تُصفع؟".

قد تكون هذه النكتة مناسبة لوصف الانتخابات البلدية الأخيرة التي جرت في بيروت، أو بشكل أدق كيفية مقاربة بعض من يترشحون لمناصب معيّنة للمسألة.

الأحد الماضي السابعة مساء كان موعد إقفال مراكز التصويت في مدينة بيروت في الانتخابات البلدية التي كان الجميع بانتظارها وشككوا في إمكانية حصولها بسلام. وفي حين كانت تتنافس على مقاعد بلدية بيروت أربع لوائح، برزت لائحتان من بينها، هي واحدة عبارة عن إئتلاف موالٍ للسلطة ضم جميع القوى السياسية تقريباً هي "لائحة البيارتة"، ولائحة ضمّت مجموعة من الشباب والناشطين يملكون برنامجاً انتخابياً تقدّمياً ومعاصراً تحت عنوان "بيروت مدينتي".

هذا الشعور بالسعادة الذي ساد في الأسابيع القليلة الماضية، جعل الكثير من اللبنانيين يأملون بحصول تغيير في المجتمع المحلي. إذ ليس من الصعب شرح الدعم الذي تلقاه هؤلاء من ناخبين محتملين شعروا بالخيبة من الأحزاب السياسية التقليدية التي خيّبت أملهم مرة تلو الأخرى. ولكن ما إن ظهرت النتائج الأولية حتى تلاشت هذه الحماسة عندما بيّن الاقتراع فوزاً ساحقاً للاّئحة المنافسة، مما شكّل صفعة على وجه من يمكن تسميتهم "بالحالمين".

لم يتلكّأ هؤلاء الحالمين عن التعبير عن خيبة أملهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وصولاً الى وصفهم الناس الذين صوّتوا لخصومهم أو امتنعوا عن التصويت بالجهلة أو بالغنم. قد يكون مثل هذا السلوك غير الدال على روح رياضية مفهوماً، أو متوقعاً، ولكن يمكننا أن نتعلّم من هذه الهزيمة الانتخابية والسياسية لكي نتجنّب ربما انتهاء هذه الحركة الرامية للتغيير.

ليس بالـ "Like" وحده
تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي كأداة انتخابية سيفاً ذي حدين. حسب تعابير الشارع "ثملت بيروت مدينتي بمجدها"، حيث نالت الرسائل التي روّجت لها عبر الإعلام إعجاب الناس الذين شعروا بشبههم بها، وانتهى بهم الأمر بالاكتفاء بإلقاء المواعظ بدل التوجه الى صناديق الاقتراع.

بالإضافة الى ذلك، إعتقد العديد من مناصري بيروت مدينتي بأنّ "like" أو تغريدة على وسائل التواصل الاجتماعي كفيلة بالإشارة الى أنّ هذا الشخص سوف يصوّت لصالح لائحتهم، ولكن واقع الأمر هو أنّ الناس يقضون نهارهم في وضع "اللايك" والتعليق ومشاركة الكثير من المنشورات، من صور أشخاص يرغبون في مواعدتهم الى صور أطفال ظرفاء، وصولاً الى المقالات السياسية.

لكن لدى ترجمة ذلك الى أصوات في صناديق الاقتراع لا نصل الى نتيجة. فالناس الموجودون على الفايسبوك لا يصوتون جميعهم في بيروت، ولو كانوا يصوتون فيها لما قاموا بذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي. النجمة اللبنانية الأصل شاكيرا لديها أكثر من 102806134 "لايك" ولكن ليس لديها أي منصب.

الانتخابات علم وليس فنًّا
قد يكون الفشل الأبرز للائحة "بيروت مدينتي" هو غياب ما يسميه الناس بالماكينة الانتخابية الأساسية في أي انتخاب قبل أو خلال أو بعد العملية الانتخابية. كان من الواضح بأنّ "بيروت مدينتي" لا يمكنها أن تضم ما يكفي من المتطوعين لتغطية مراكز الاقتراع الكثيرة في بيروت، وحتى لو كان لديهم متطوعون فإنّ هؤلاء الشبان والشابات ليس لديهم أي تعاط سابق مع كتل الانتخاب التقليدية، وبالتالي لم يتمكنوا من قلب نتائج التصويت. فترشحهم بدون مجموعة من المخاتير لحماية خاصرتهم يُعتبر بمثابة الانتحار. فهؤلاء المخاتير على الرغم من أن وظيفتهم لم تعد على الموضة، هم مصدر أصوات كثيرة لا يمكن لأي لائحة أن تفوز بدونها خصوصاً في بيروت.

نشر وتعميم اللوائح الانتخابية، كما فعلت "بيروت مدينتي"، قبل أربعة أيام من الانتخابات هو بالتأكيد خطوة غير محسوبة، سيما إذا كنّا نريد تفادي ما يسميه الناس بتلغيم اللوائح. بالمعنى العملي، في حين أنّ العملية مشوبة بالأخطاء وبحاجة الى تغيير كبير، فإنّ هذه القواعد التي لم تعد رائجة هي التي تملي اللعبة ولا يمكن لـ"بيروت مدينتي" أو لأي حركة أخرى بأن تغير شيئاً إن استمرت باتباع هذه الحقيقة.

الأحزاب السياسية ليست العدو
مضت لائحة "بيروت مدينتي" بعيداً في التأكيد على أن أعضاءها مرشحون كممثلين للمجتمع المدني وبالتالي ليس لديهم أي انتماء سياسي من أي نوع كان. حتى أنّ المخرجة المشهورة نادين لبكي المرشحة على اللائحة وصلت الى حد التصريح بأنها وما تمثله سوف يعملون في النهاية على إلغاء الأحزاب السياسية كلها، وهو تصريح لا يدل على نضوج حتى لا نقول أكثر من ذلك.

فكلّ من يطمح الى الفوز بمنصب ما لا يُعتبر بكل تأكيد ناشطاً في المجتمع المدني بل ناشطاً سياسياً، وبالتالي لا يمكن معاملة الأحزاب الموجودة، بغض النظر عن دورها وموقفها، كالمنبوذين. سواء راق الأمر لك أو لم يرق فإنّ الأحزاب السياسية تلعب دوراً مؤثراً في بناء القدرات، وبالتالي فإنّ الأشخاص الأعضاء في هذه المجموعات متمرسون في الانتخابات وفي الحملات الانتخابية أكثر مما يعتقد الناس.

ولعلّه من اللافت بأن حركة طلعت ريحتكم، التي انتشرت العام الماضي، ارتكبت الخطأ القاتل نفسه باقصاء الأحزاب وفي النهاية وجدوا أنفسهم بأنّهم المنبوذون الفعليون. فدعوة من يصوتون للفريق الآخر بالغنم ليس بالأمر الحكيم أو المتحضّر في التعبير عن الذات.

احذروا من أصوات الغرباء المكشوفة
كشفت النتيجة النهائية بأن بيروت مدينتي أبلت بلاء حسناً في المنطقة المسيحية من بيروت وبأنّ أهالي بيروت الشرقية الذين يتحدرون من خلفيات فكرية مختلفة  اختاروا التصويت للتغيير. قد يكون هذا أحد طرق النظر الى المسألة، ولكن الواقع الطائفي يظهر عكس ذلك.

لم يخف تحالف التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية ولا حتى حزب الكتائب حقيقة عدم موافقتهما على طريقة سعد الحريري في التعاطي مع الانتخابات البلدية ولا في خياره للرئاسة، أي سليمان فرنجية. بالتالي لم تكن نتائج صناديق الاقتراع للأحزاب المذكورة آنفاً للتصويت من أجل التغيير بل كانت طريقة بدائية في تسوية الخلافات. ومن المهم أيضاً حقيقة استخدام "حزب الله" كذلك لـ"بيروت مدينتي" لإضعاف موقف الحريري أكثر من خلال اتّباع الحكمة القديمة "عدو عدوي صديقي".

الأقلية الحاكمة أذكى مما تبدو عليه
الناس الذين دعموا "بيروت مدينتي"، اعتبروا أنّ الفريق الحاكم أضعف مما يبدو عليه وبأنّ هذه الحركة المحلية سوف تكون القشّة التي ستقصم ظهر البعير وتنهي سيطرته على السياسة اللبنانية. علماً أنّ الأقليات اللبنانية الحاكمة موجودة منذ بضعة قرون وهي تعلم متى تلعب بأوراقها ومتى تقف على جنب.

في كل مرة تحاول فيها أي حركة مثل "بيروت مدينتي" إفشالها، تتعزّز قوة هذه الأقلية الحاكمة أكثر فأكثر. فخلافاً لما قد يعتقده البعض، لدى الطبقة الحاكمة القدرة على زيادة قوتها من خلال هذه التحديات وحتى على استخدام هذه الأعمال لكي تثبت بأنّ النظام لا يستطيع التعاون مع مثل هذه الحركات المغامرة الراديكالية. وفي النهاية، تتمتّع هذه الطبقة برفاهية الوقت، والموارد، والتجربة وهو أمر تفتقر اليه بالتأكيد "بيروت مدينتي".

وأثبت كذلك الميل النخبوي لدى "بيروت مدينتي" بأنّه عائق وليس قيمة مضافة، لأن للأسف ليس كل الناس يجدون أنفسهم في مشروع راس بيروت الكوني الذي يمثله معظم المرشحين على لائحة "بيروت مدينتي". فالقادة التقليديون هم معلمون في لعب الورقة الشعبوية، سواء أعجبنا الأمر أم لم يعجبنا.

"بيروت مدينتي" وكل الحركات التي ستأتي بعدها يجب أن تنتبه لهذه النقاط التي سبق ذكرها. فالحياة لا تكافئ الناس لحلولهم في المركز العاشر. في حين أن الـ 29 ألف صوت التي حصلت عليها بيروت مدينتي تعتبر إنجازاً كبيراً، فإنّ الحقيقة تبقى ثابتة بأنّ من يربح الجائزة الفضية يكون قد خسر الجائزة الذهبية.

 

هذا المقال ترجمة للنص الأصلي بالإنكليزية

(ترجمة زينة أبو فاعور)

خلال عمليات الاقتراع في بيروت الأحد الماضي (أ.ف.ب)

  • Takini

    ان نظام السلطه في لبنان واسع جدا ، يختلف عن بقيه البلدان . هناك راس الهرم المغيب حاليا ، و هنالك الحكومة مع رئيسها و مجلس النواب مع رئيسه ، و يتبع ذالك السلك الأمني بمختلف افراده و قادته و هنالك موظفو الدولة بمختلف الوزارات من سلك خارجي و داخلي و قضائي . هنالك المنتفعون من الفلتان الذي نعيشه من اصحاب كسارات و منتفعون من الاملاك العامه لهم تغطيتهم المدفوعة سلفا ، و اصحاب الاحتكارات من كهرباء و ماء و اتصالات ألعاب قمار و مراكز اتصالات غير شرعي ، تجار المواد الممنوعة مستوردي المواد الغذائيه الفاسده و مستوردي الادويه و المصارف الأخطبوطية المتمدده ، المتعهدون الكبار للمشاريع الحكومية ، متعهد تأمين حاجيات المباني الوزارية ، الوسط التجاري و شركته المعروف، مدراءهم ساءقوهم مرافقوهم اصحاب محطات التلفزة صحافه ماسحو الجوخ و ملمعوا الاحذية ، مروحه كبيره جدا تعد على ما اعتقد ما يعادل نصف الشعب . ف بالتالي اي تغيير لا بد ان يصطدم بكل هؤلاء ، شبكه اخطبوطيه مترابطة متقاربة متصاهره .يقابلها مكافحون عاملون في الداخل و الخارج دافعوا الرسوم و الضرايب اصحاب مباديء مؤمنون وطنيون اصحاب الدخل المتوسط مع مهمشون مقهورون اصحاب دخل منخفض . هذه تركيبه الوطن مهما تعددت اللوائح و بغض النظر عمن فاز فيها .

    14 أيار 2016

  • mohamad kaabour

    يطل الكاتب من عليائه ليوبخ قادة لائحة بيروت مدينتي على فعلتهم الشائنة في محاولة زحزحة طغيان تحالف الطوائف الممسك برقاب البيروتيين واللبنانيين كافة منذ ما يربو على قرن ونصف من الزمن . فهؤلاء القادة بحسب الكاتب هم زمرة أغرار لا باع لهم في السياسة ولا أمل يرتجى من مغامرتهم الرامية الى الشروع في الخلاص من اخطبوط حلف الطوائف والمال الذي افرغ الدولة من جميع سلطانها السيادي . هذا من ناحية توصيف المتمردين على نظام المحاصصة اما من ناحية حلف الطوائف والمال فلا يتردد الكاتب في التنويه بصلابته وقدرته المتجددة على تذويب اي معارضة تقدمية علمانية تجرؤ على الوقوف بوجهه . وخلاصة مقالة الكاتب هي دعوته اهل بيروت واللبنانيين للاستسلام لجبروت نظام المحصاصة الطائفية بما هو تبديد لحياتهم وحياة ابنائهم واحفادهم في حروب اهلية عبثية متواترة وارتهان للفقر والعوز والمرض وهروب نحو ذل المهاجر وكآبتها . وفات الكاتب حقيقة ان بيروت في التاريخ هدمت نحو تسع مرات اما بفعل الكوارث الطبيعية او غزو الجيوش الاجنبية وانها كانت في كل مرة تنهض من موتها وركامها . وحري باهل بيروت الذبن قاوموا عسف التاريخ وجوره طيلة ثلاثة آلاف سنة ان تتولى نخبتهم العلمانية التقدمية ادارة بلدية مدينتهم بديلا عن من طمر شوارعها وازقتها باكوام النفايات واسكن اهلها كوابيس الفلتان الامني وانقطاع الماء والكهرباء والفوضى المرورية العارمة

    13 أيار 2016