1

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


مـكـرم ربـاح

حرق الجسور

الصراع السعودي الإيراني تاريخياً

الملك السعودي والرئيس المصري

من البديهي أن يقوم رؤساء الدول بزيارات رفيعة المستوى إلى بلدان مجاورة، زيارات نادراً ما يكون هدفها تحسين التعاون الاقتصادي والأمني فيما بينها. إلاّ أنّ الزيارة الأخيرة للملك السعودي سلمان بن عبد العزيز إلى مصر في نهاية الأسبوع الماضي تتخطّى هذه البروتوكولات لتعكس التوترات الإقليمية بين السعودية وحلفائها والمحور الإيراني، خصوصاً وأن الخلاف بين طهران والرياض يؤثر في المنطقة بأسرها، التي تعيش حرباً سنّية - شيعية امتدّت من اليمن، إلى العراق وسوريا، وربما إلى لبنان، مع عدم وجود أي نهاية منظورة لها.

من منبر البرلمان المصري، تعهّد الملك السعودي بتكريس جهود التحالف الإسلامي الذي أوجدته السعودية، والذي يعتمد على مصر في القوات البرّية، لمحاربة الإرهاب. وفي هذه الحال، يمتد تعريف الإرهاب ليطال كل الجهود التي تبذلها إيران ووكلاؤها للنيل من هيبة المملكة العربية السعودية في المنطقة.

غير أنّ الحقيقة الأهم هي انطلاق هذا التحدّي السعودي لإيران من مصر، التي استخدمت في ظل حكم جمال عبد الناصر طريقة مشابهة لإضعاف الملكية السعودية الفتية آنذاك.

وفي حين لا أقترح هنا ولا بأي شكل من الأشكال نظرية أنّ التاريخ يعيد نفسه التي يتبنّاها العديدون، فإنّ الفهم التاريخي للخصومات الإقليمية، لا سيما المنافسة السعودية- المصرية، من شأنه أن يوضح مستقبل هذه الأزمة.

عام 1952، أسقطت حركة الضباط الأحرار بقيادة المقدّم جمال عبد الناصر الملك المصري فاروق، وأعلنت تشكيل مجلس ثوري لقيادة الجمهورية المصرية الجديدة. وكان ناصر في ذلك الوقت مهووساً بجعل مصر قوة اقليمية كبرى، وبالتالي فقد كان حذراً جداً حتى لا يوضع في إطار الديكتاتور المعادي للغرب بل أن يُنظر اليه كقائد تقدّمي قادر على بناء دولة عصرية. وشمل بحثه عن الحداثة، أقله من وجهة نظره، تأهيل وإدارة دول الخليج المنتجة للنفط التي كانت لا تزال في مراحل نموها الأولى.

بالتزامن مع ذلك، قامت إدارة إيزنهاور بتبنّي مشروع عبد الناصر، محيلةً تنفيذ سياسته في المنطقة إلى ما يُعرف بالمستعربين مثل آرشي وكرميت روزفلت الابن، حفيدي الرئيس ثيودور روزفلت. ومثل إدارة اوباما الحالية، تم إقناع إيزنهاور بأنّ ناصر يمكن أن يكون عنصراً معتدلاً وشريكاً أفضل بكثير للتعاون معه في القتال ضد الشيوعية، من دول الخليج التي كانت تُعتبر متخلفة نوعا ما.

لكن عملية التمنّي انتهت عام 1956 عندما قام عبد الناصر، بعد أن فشل في جمع التمويل اللازم لمشروعه الإنمائي من الولايات المتحدة والبنك الدولي، بتأميم قناة السويس،  وباشر في خطة للسيطرة على العالم العربي تحت شعار نسخة جديدة من القومية العربية. وطبيعياً، استقبلت الجماهير العربية عبد الناصر كإصلاحي سيتمكّن من استعادة فلسطين من الصهاينة.

خلال حكم الملك سعود، تلقى عبد الناصر دعم ومساعدة الملك السعودي الذي رأى في الأخير حليفاً محتملاً. غير أنّ العلاقة بين الحاكمين سوف تتأرجح لا سيما بعد أن دخل سعود في صراع على القوة مع شقيقه، الأمير فيصل الأكثر فطنة وحنكة.

وبطريقة مشابهة بشكل كبير لما يحصل اليوم، فإنّ روح عبد الناصر التوسّعية قادته إلى دعم انقلاب للضباط في اليمن على الطريقة المصرية ضد المملكة الهاشمية المتوكلية. وفي حين افترض عبد الناصر بأنّ اليمن سوف يشكّل نصراً سياسياً له ولحلفائه، انتهى الأمر بتكليفه استثماراً عسكرياً ضخماً لأربعين ألف جندي قام بنشرهم وخسارة تُقدّر بـ 10 آلاف رجل. هكذا أصبحت فيتنام عبد الناصر كما باتت تُعرف ممكنة بواسطة الدعم السعودي للقوات الملكية المطاح بها.
خروج ناصر المذلّ من اليمن جعله أكثر عدائية في كل مكان آخر بعد أن بات أكثر التزاماً بالصراع العربي-الاسرائيلي. وقاده فشله عام 1967 الى استخدام منظمة التحرير الفلسطيني كأداة لتطبيق رؤيته الخاصة وللإبقاء على الورقة الفلسطينية في المتناول. ومن جهتها سوف ترد المملكة العربية السعودية على تحرّكه هذا من خلال دعم صعود حركة فتح التي برز قائدها ياسر عرفات رويداً رويداً من بين صفوف الثورة الفلسطينية وتمكّن من السيطرة على منظمة التحرير الفلسطيني.

تمدّد العداء بين ناصر والملك فيصل إلى أجزاء مختلفة من المنطقة وبالأخص في المشرق، مع تدخّل ناصر في شؤون سوريا، والأردن، ولبنان بدرجات مختلفة من النجاح. وفي لبنان اتخذ الأمر شكل الحرب الباردة مع محاولة الطرفين التأثير مباشرة أو من خلال حلفائهما في موقف لبنان من الاصطفافات الاقليمية، في وضع مشابه للمأزق الحالي في الأزمة السنية- الشيعية. حتى أنّ عبد الحميد غالب، سفير ناصر في لبنان، أطلق عليه الكثيرون لقب المفوّض المصري الأعلى بسبب يده الطولى في شؤون البلد.

أوج هذا الخلاف كان في ربيع 1966 مع اغتيال ناشر صحيفة الحياة المعادية لناصر، كامل مروة على يد عدنان سلطاني، المناصر لحركة سياسية ناصرية محلية.

ورغم أن اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري بعد عقود من الزمن كان محاطاً بعوامل أخرى، فإنّ الاغتيالين كانا رسائل موجهة الى المملكة العربية السعودية في لبنان والمنطقة. ذلك أنّ مروة الذي عارض النزعة إلى القومية العربية عند ناصر كان مقرّباً جدًا من الملك السعودي، وبالتالي شكّل مقتله إهانة الى فيصل والمملكة. وجاء الرد السعودي على هذه الرسالة بعد عام عندما أراد الملك فيصل معاقبة الدولة اللبنانية على تراخيها في التعامل مع هذه القضية.

فجأة قرّر الملك فيصل وبالتالي السعودية، أحد أهم المودعين في بنك إنترا، أبرز بنوك لبنان أن يسحب أمواله، ما أدى الى مشكلة سيولة وتهافت على المصرف أدّت في النهاية الى اعلان افلاسه. فشكّل انهيار إنترا صفعة الى الاقتصاد اللبناني ومؤشراً الى اضطرابات سياسية مقبلة.

عندما كان ناصر وفيصل يتنافسان، وقفت ايران الشاه الى جانب الأخير لأسباب واضحة. غير أن دور ايران في المنطقة شهد تحولات كبيرة حيث حلّت اليوم مكان مصر كمنافس جدي على السيطرة اقليميا. ولكن إيران ليست في موقع أفضل من موقع مصر بما أنها تفتقر الى عنصر الجذب المتمثل بالقومية العربية والذي حوّل ناصر الى نصف اله، وهو أمر لا إيران ولا حلفاؤها يمكن أن يدعوا امتلاكه.

هكذا يبدو بأن فتوحات إيران العسكرية والسياسية ساعدت على توحيد الفصائل السنية تحت رؤية مشتركة معادية لإيران ولوكلائها العسكريين، أي الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان. ولكي تتمكّن ايران من متابعة مشروعها من دون تكلّف يتطلّب الأمر مجموعة من الشروط الصعبة. فإيران غير قادرة على نيل اعجاب الجماهير السنية التي تنظر الى مشاريعها على أنها مغامرة فارسية جديدة معادية للعرب. ثانياً، يتطلّب هذا المشروع التوسعي اقتصاداً قويا وصحياً، لا تمتلكه إيران.

والأهم من ذلك، فإن قدرة إيران الحالية على العمل، بدون مراقبة في المنطقة تنبع من القرار الصريح الذي اتخذته ادارة أوباما بعدم التدخّل في شؤون الشرق الأوسط وبالتخلي عن حلفاء الولايات المتحدة السنّة تقليدياً. ولكن من الفطنة أن نتذكّر بأنّ ولاية أوباما شارفت على الانتهاء، ومهما كان من سيخلف هذه الادارة المتحفظة فإنّه سوف يعيد بدون شك علاقاته مع السعودية ويضعف النفوذ الايراني.

في النهاية، يقف تاريخ العلاقات المصرية- السعودية والأحداث الحالية التي تتكشف كمثال على كيفية حصول أي تغيرات اقليمية. وفي حين أراد ناصر أن يدمّر المملكة السعودية ويطيح بها فإنّ السيسي وافق على التخلّي عن سيادة جزيرتين مصريتين للسعودية سوف تُستخدمان لوصل البلدين عبر جسر معلّق. لعلّ مثل هذا المصير سوف يكون بانتظار العلاقات السعودية- الإيرانية في المستقبل غير البعيد.


الملك سلمان والرئيس السيسي

  • عبدالعزيز ابراهيم

    لن تكون العلاقات السعوديه الإيرانيه أبداً سليمه وطبيعيه في ظل حكم الملالي وسياساتهم المذهبيه التوسعيه. ووجود علا قات طبيعية بينهما يعني زوال تلك السياسات الإرهابيه مما يعني زوال حكم الملالي

    17 نيسان 2016