1

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


حـازم الأميـن

مات شربل

رحيل

وصل شربل إلى صيدا في العام 1985 كمقاتل شيوعي. كان اسمه شربل. فقط شربل، من دون أن يُشفع الاسم بتعريف آخر. حتى عبارة رفيق التي كانت تسبق نطق الأسماء في ذلك الزمن كان شربل قد تخفّف منها. مَن هو شربل ومن أين جاء إلى صيدا؟ كان قليلٌ منّا يعرف ذلك، وما كان ما نعرفه مهماً.

 

بالأمس جاءنا خبر موت شربل. صدمته سيارة في بلدته أميون (الكورة) في شمال لبنان.

 

أكثر من ثلاثين عاماً فصلت بين وصول هذا الغريب إلى صيدا وموته العادي في أميون. ثلاثون عاماً لم يجد فيها قتيلنا مكاناً له. كان مقاتلاً غريباً، ولم نكن نحن في محيطه غرباء، ثم انتقل من القتال إلى العمل كدهّانٍ، وكان عمله بمثابة تغريبة أخرى، ثم عاد إلى أهله وعاش بينهم غريباً.

 

أن تختم سيارة مسرعة سيرة هذا الغريب، فإنّ هذا ما سبق أن خبرناه بسيَر كثيرين ممن "شُطبت وجوههم سقطة". حسن اسماعيل وضع حداً لحياته، و"أبو موزة" اخترق صدره مرض، وآخرون من مجايلي شربل انطفأ زمنهم، وقضوا غير شهداء، في مشهد ذواءٍ لا يسعنا فيه نحن بقاياهم أن نحزن، ذاك أننا علينا، لكي لا نختنق، أن نحث الخطى هرباً من وجوههم.

 

مات شربل أيها الأصدقاء! هل تذكرونه؟ الغريب الذي ترك أهله هناك خلف خطوط القتال وجاء إلى صيدا. لم يكن مقتنعاً بما فعل، ولطالما أسر لنا أنه مشتاق إليهم، وعَاتِبٌ على تركهم له بيننا. وهو اذ كان يقاتلهم انما كان يفعل ذلك لأن من يقف بيننا عليه أن يفعل ذلك. كان شيوعياً أكثر منا، وعيني الهر المزروعتان في وجهه الدائري جعلتاه أكثر رغبة منا بالاقتراب من قتلاه. وعلى هذا النحو راح شربل يذرع الطريق يومياً من صيدا إلى جزين، يُسدد هناك، ويعود أدراجه إلى المدينة التي بقي فيها غريباً.

 

لطالما راودني مشهد شربل عابراً الطرق الترابية بين قرى شرقي صيدا. هذا الغريب عن كل شيء، وعنا نحن أقرب الناس إليه. وهو لشدة غربته ما كنا قادرين على توقع ما سيصدر منه عندما يصحو من غفوة صغيرة، فهو حين يُباشر إغفاءته يُغادرنا وهو بحال لا تمت بأي صلة إلى الحال التي يستيقظ عليها. وأذكر أنني بعد انتهاء الحرب، غادرت صيدا لسنة تركته خلالها شيوعياً متسكعاً بين المقاهي وحاملاً الكتب وساعياً في الشعر ومؤنّباً بقصائده الأحزاب على تركها القتال (سكر قادتنا وناموا مع نساء الجيش الآخر)، وعدت لأجده دهاناً لا يُمانع من أن يستعيض زبائنه عن أَجره بقنينة فودكا.

 

وشربل كان أكثرنا طاقة على الحب. حب كل شيء. حُب النساء وحب الأصدقاء وحب الأمهات. أمضى أشهراً مع شقيقي في المستشفى، ووحده من كان يزور أُمهات أصدقائه الذين كفوا عن زيارة أمهاتهم. وكان أيضاً أكثرنا بعثاً للطمأنينة، ذاك أن أظافرنا كانت تسبقنا إلى وعي أمهاتنا بنا، أما هو فلعينيّ الهر في وجهه طاقة على العبث الأليف، وفي صوته الخارج نصفه من أنفه مودة كانت تُذكرنا بأن مُدننا لم تعد تتسع لغريب.

شربل كان الأكثر طاقة على الحب

  • abou samra

    ما اصعب غربة الانسان في وطنه..

    9 نيسان 2016