2

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


حـازم الأميـن

طار البلد وطارت صحافته

الصحافة

ثمّة أمر لم يُناقَش في سياق البحث في انهيار الإعلام اللبناني، وهي الوظيفة التي صعد هذا الإعلام في سياقها، أو قُل نهاية هذه الوظيفة، أي مواكبة التجربة اللبنانية، أو حتى السعي إلى تهشيمها.

 

ولبنان بقي يؤدي مهمة استمر في تأديتها في أحلك الظروف التي مرّ فيها، لكنها الآن انتهت، ويجب أن تُضاف هذه النهاية إلى سلسلة العوامل التي أدت إلى انهيار إعلامه. وتتمثل هذه المهمة في أن لبنان هو لبنان، أي هو نفسه. أما نهاية هذه المهمة فتعني أنه لم يعد نفسه.

 

لبنان بلدٌ ممتدّ إلى خارج حدوده. الشيعي فيه منخرط في القتال الإقليمي، والسنّي جزء من تنظيمات عابرة للحدود مثل "داعش" و"النصرة". وصحيح أنّ في هذا الكلام تعميماً، وخصوصاً في الحالة السنّية، لكن الوظيفة السياسية للوجود السنّي في لبنان معطّلة ومُستعاض عنها بضجيج دولة الخلافة وإمارات "النصرة". أما المسيحيون، وهم من غير المنخرطين في الحرب الأهلية الإقليمية، فعاجزون عن عرقلة انفلاش الطوائف الأخرى إلى خارج الحدود، وإلى خارج الوظيفة.

 

ربما علينا أن نباشر ملاحظتنا أن بلدنا انتهى. العبارة قاسية ومؤذية، لكنها شديدة الواقعية. حزب الله أنهى قصة لبنان، و"داعش" تولّت مهاماً مشابهة، وهي تتمدّد وتؤسّس في رحاب بلدنا السابق لوجود ولاحتمالات.

 

وربما كانت تجربة فريدة، وإنْ كانت قاتلة، أن تشهد جماعة نهاية بلدها الناجمة عن انهيار نظام إقليمي بأكمله. أن ينهار البلد من دون أن تنهار "موجوداته"، أي أن يبقى جنوبه وشماله وشرقه وغربه، وأن تبقى مدنه ونفاياته وبحره وسماؤه، لكن أن ينهار معناه ووظيفته ودوره.

 

في هذه اللحظة أيضاً باشر الإعلام اللبناني رحلة انهياره. فهل يمكن لإعلام أن يبقى بعد أن ينهار قالبه السياسي والإجتماعي؟ في سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، كان الإعلامُ إعلامَ هذه الحرب، ولكن الحرب في حينها أبقت على حد أدنى من الوجود ومن البلد. الحرب الآن في الخارج. هي حرب لبنانية في الخارج، وهي إذ تجري خارج الحدود تولّت إلغاء الحدود، ولم تكن وظيفة هذا الإلغاء التوسع، انما الامّحاء والذوبان. إلغاء الحدود كان إلغاء للبنان.

 

جريدة السفير اللبنانية صارت تنشر تحقيقات عن الزبداني بصفتها بلدة لبنانية. انتهى لبنان فلماذا تبقى صحافته؟ وهو، أي لبنان، عندما غادر إلى سوريا للقتال لم يفعل ذلك بسبب فائض قوته، إنما بسبب انهياره وفصامه وطائفيته، وصحافته أيضاً لم تضم الزبداني إلى صفحاتها بسبب رحابة هذه الصفحات، انما فعلت ذلك أيضاً بسبب ضعف الوظيفة الرقابية وانعدامها.

 

نحن في بلد بلا رئيس للجمهورية منذ نحو سنتين، وفي بلد خرج منه حزب هائل ليقاتل في بلد مجاور، وفي بلد يلتحق شبان منه بالقتال في سوريا إلى جانب "داعش" و"النصرة"، وفي بلد تمتد جبال النفايات فيه على مد النظر. فلماذا تبقى صحافته؟

 

الصحافة كانت جزءاً من الوظيفة الأولى. هل تذكرون الوظيفة الأولى؟ طار البلد وطارت الوظيفة.

 

https://now.mmedia.me/Pages/ImageStreamer/param/MediaID__eeeac54a-79dc-4334-aed1-5150c7836364/image.png

باشر الإعلام اللبناني رحلة انهياره.

  • ابو الزوز جوزف

    كلام من ذهب. اما في ما خص صوت الذين لا صوت لهم فهي لطالما كانت بوقاً للخارح اكان اسمه معمر القذافي ام ياسر عرفات ام جمال عبد الناصر الحاضر دائمًا لزوم الرومانسية و البيع، و صولاً الى محور الممانعة و ما ادراك.. الاستثناء فيها كانت بعض الاقلام النيّرة كحضرة الكاتب و حازم صاغية و ساطع نور الدين و سواهم.

    1 نيسان 2016

  • عبدالعزيز ابراهيم

    من يهن . يسهل الهوان عليه.. أعتقد أنها عبارة تختزل كل شيئ .. مادام هناك في لبنان من يوالي بشراً حتى مستوى العبادة والإيمان العميق ويدافع عنهم رغم كل أخطائهم الجسيمه . بل ويكون محامياً ومدافعاً عن تلك الأخطاء والكوارث لأسباب دينيه. أو مذهبيه . أوسياسيه . أو اقتصاديه . أو اجتماعيه (في هذا العصر الحديث ) بعيداً عن مصالح وطنه ومجتمعه بل وضد مصلحته الشخصية أحياناً فلن يتغير شيئ . إن الله لا يُغيّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّروا ما بِأَنْفُسِهِم .

    31 آذار 2016