0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


حـازم صـاغيـّة

أبعد من دونالد ترامب

دونالد ترامب

دونالد ترامب، المليونير المهرّج، والعنصريّ الذكوريّ، يُرجّح أن يستقرّ عليه خيار الحزب الجمهوريّ لخوض المعركة الرئاسيّة في الولايات المتّحدة الأميركيّة. أكثر من هذا، لا يستطيع أحد البتّة أن يجزم بأنّه لن يُنتخب رئيساً لجمهوريّة بلاده في مواجهة من يختاره الديمقراطيّون.


وهناك اليوم من يستخدم ترامب كي يدين أميركا: فالتهريج سبق أن رأيناه، ولو بدرجة أقلّ مع رؤساء كرونالد ريغان وجورج دبليو بوش. وإذا كان ترامب يتجاوزهما في هذا، فذلك لا يغيّر في حقيقة الاستعداد الأميركيّ لتحويل المهرّجين رؤساء!


وهذا ليس صحيحاً: فنحن حين نتحدّث عن الولايات المتحدة فإنّما نتحدث عن الاقتصاد الأوّل في العالم، والعملة الأولى في العالم، والجيش الذي لا ثاني له في العالم، ومسرح الإنتاج الفكريّ والثقافيّ الأوّل في العالم، ومستخدم اللغة التي جعلها استخدامه لها لغة العالم الأولى.


وهذا البلد نفسه مصدر الإنتاج الأوّل للمعلومات والدفق الإعلاميّ في العالم، وكذلك المنتج الأوّل للسينما، بل لكلّ أنواع الصور، السابق منها على الإنتاج الرقميّ واللاحق، في العالم. وهذا فضلاً عن أنّ الولايات المتّحدة مختبر العالم العلميّ الأوّل، ومكتبة العالم الأولى، ومهد أهمّ جامعات العالم ومراكز أبحاثه، وعلى تلك الجامعات تتدفّق سنويّاً جيوش من الطلاّب والدارسين، فإذا برز أكاديميّ لامع في أوروبا الغربيّة سارعت الجامعات الأميركيّة إلى استقطابه بإغراءاتها الماديّة والبحثيّة.


وفي أميركا تحديداً، كان تسلّم النساء مناصب عليا أبكر وأكثر من أيّ بلد آخر. وهناك وصل إلى الرئاسة منذ 1960 رئيس كاثوليكيّ (جون كينيدي) قبل أن يصل رئيس أفرو أميركيّ من أصول مسلمة (باراك أوباما)، وقد تصل للمرّة الأولى امرأة (هيلاري كلينتون) وقد يصل يهوديّ (بيرني ساندرز).


ولنا أن نمضي في العدّ إلى ما لا نهاية تبياناً لمصادر القوّة الأميركيّة ممّا لا يُفترض أن يوصل دونالد ترامب إلى حيث يمكن أن يصل!


ثمّة في الأمر مشكلة إذاً، وليست المسألة نتاجاً "طبيعيّاً".


واقع الحال أنّ المسألة هي بالضبط أنّ "المركز" بالمعنى الأعرض للكلمة فقد الكثير من صدقيّته في أميركا: إمّا تحت ضغط الأزمة الاقتصاديّة واتّساع الفجوة بين الطبقات بهمّة النيوليبراليّة المتوحّشة، وإمّا بسبب التحوّلات النوعيّة التي أحدثتها العولمة والهجرة والمحدوديّة التي أبدتها "الطبقة السياسيّة" في الاستجابة لها مقابل الخوف من الغامض واللامألوف، وهذا فضلاً عن أنّ الحرب الثقافيّة الدائمة الاستعار في أميركا، غدت، منذ انتخاب باراك أوباما رئيساً في 2008، أكثر فأكثر استقطاباً وحدّة.


ولا بأس هنا بملاحظة أنّ الحياة السياسيّة الأميركيّة كانت دائماً، وكما في سائر المجتمعات الديمقراطيّة المستقرّة، صراعاً حول المركز، أي صراعاً في الوسط. ففي 1964 نجح باري غولدووتر، على يمين هذا الوسط، في أن ينتزع ترشيح الحزب الجمهوريّ، إلاّ أنّه حصد هزيمة مطنطنة حين لم يحصل، في مواجهة الديمقراطي ليندون جونسون، إلا على 38 بالمئة من الأصوات. ثمّ في 1972، وفي ذروة النشاط المناهض للحرب الفيتناميّة، نجح جورج ماكغفرن، على يسار هذا الوسط، وأحد نجوم تلك المناهضة، في أن ينتزع ترشيح الحزب الديمقراطيّ، إلاّ أنّه حصد هزيمة مطنطنة أخرى حين لم يحصل، في مواجهة الجمهوريّ ريتشارد نيكسون، إلا على 37 بالمئة من الأصوات.


واليوم يختلف الأمر مع تصدّع الوسط وانسحاب السياسة إلى الأطراف القصوى: فإلى جانب ظاهرة ترامب الشعبويّة التي وصلت إلى الواجهة من التلفزيون والمال، لا من الحزب، كان أوّل المتساقطين بين المرشّحين الجمهوريّين جب بوش، "ابن العائلة السياسيّة العريقة"، نجل الرئيس وشقيق الرئيس.


أمّا ظاهرة بيرني ساندرز فأقوى ما فيها تنديدها بمؤسّسات المركز، الاقتصاديّ منها والسياسيّ والإعلاميّ، وتمايزها تالياً عن رئاسة أوباما. وبدورها فـ"خبرة" هيلاري كلينتون، كوزيرة خارجيّة سابقة وكسيّدة أولى إبّان عهدي زوجها بيل كلينتون (1992-2000) تبدو سيفاً ذا حدّين.


وحيال وضع كهذا لن يكون وصول ترامب إلى البيت الأبيض غير تصديع كبير آخر لهذا الوسط المصدّع. أمّا هيلاري في حال وصولها، فستجد نفسها معنيّة بإعادة ترميم هذا الوسط، بموجب أجندة أكثر راديكاليّة من التي حملها أوباما، وأكثر استلهاماً للأجواء والمناخات التي أطلقها صعود بيرني ساندرز. فمداواة "الاعتدال"، وقد بلغ مرضه هذا الحدّ المتقدّم، باتت تستدعي شيئاً من "التطرّف" لا مهرب منه.

 

 

دونالد ترامب