0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


أيمـن شـرّوف

هاني فحص: سنةٌ على الرحيل وسنوات من المجهول

السيد هاني فحص

الذكرى الأولى لرحيل السيد هاني فحص. سنة كاملة، على غياب عقله، في وطن، يتخلى شيئاً فشيئاً عما يمت إلى العقل بصلة.

 

هذا حال الوطن ككل، فكيف حال طائفة، قرر أسيادها من مقدّسين ومسلّحين وورثة الإقطاعيين، أن يأخذوها إلى انتحار، حاول السيد الراحل أن يوقفه، أو على الأقل أن يؤجله، أو حتى أن لا يتركه جماعياً.


في سنة غياب، صار للثنائي الشيعي أن يُثبت مرجعية طهران في نفوس اللبنانيين الشيعة أكثر وأكثر. يمشي "سيّد" القرار الإيراني في لبنان على عقارب مصالح دولة "فارس"، ويمشي خلفه غالبية، لا يسمعون ضمن محيطهم سوى خطابات النصر الآتي من الزبداني، ممرهم إلى الأقصى. وأصوات تخرج من مكبرات حسينيات تشعر معها وكأن العدو هو كل من يختلف مع "طهران" وولي فقيهها بوصفه "ذلك الذي لا كلام بعده، ولا سؤال له، ولا نقاش بفتواه". وبين الخطابات ومكبرات الصوت، يستمرّ تدجين الطائفة بشتى الوسائل، آخرها أن يتحوّل تاجر مخدرات إلى بطل على طريق فلسطين.

 

هذا لا يعني، إطلاقاً، أن الحال كان أفضل قبل سنة. فمن يريد الانتحار من أجل إيران لا يزال هو هو، ومن يريد الانتحار معه، لا يزال على نهجه ثابت لا تزحزحه شدة، ولا مواكب قتلى يعودون بالعشرات من مدن لا علاقة لهم بها. لكن، أقلّه كان هناك من يحاول أن يكون صوت العقل في حفلة الجنون الوطنية والطائفية التي تعمّ البلاد من أقصاها إلى أقصاها. يحاول، انطلاقاً من حرصه على الوطن، ولأنه يرى طائفته كجزء من هذا النسيج اللبناني، لا تابعة لمشاريع خارجة عن قدرتها، وحتماً لا تأبه إن ذهبت بها إلى الموت فرادى أو جماعة.

 

كان السيّد، هذا الصوت المتبقي في غابةٍ كل من فيها يتحيّن فرصة افتراس الآخر. فيما هو، كان الآخر بالنسبة له غنى اجتماعي ومعرفي وثقافي وديني. رحل هو، وترك الساحة الأولى أي الوطن، إلى مشاريع سلطوية أو طائفية أو إلغائية تصب جميعها في ما كان هو يحاربه، أو ينبذه. والثانية، أي الطائفة، لثنائية تحكم على أهلها بما تريد، أو بما يُشار إليها، من خارج حدود الوطن، بل من خارج حدود المساحة العربية برمّتها.

 

رحل، وفي كل يوم، يُدجّن الأمل، والمتأملين بصحوة ما، لصالح طريق القدس تمرّ من سوريا. أو طريق الطائفة تمرّ من القصير وصولاً إلى اللاذقية.


انطلق "السيد" دائماً من حرصه على الوطن، كان رجل الدين الثائر من أجل دولة مدنية. هو حالة فريدة. لمن يعرفه ولمن تعرف عليه لاحقاً. حتى لمن يبغضه، كان من الصعب تحديه، فهو العقل الراجح وهم السلاح الغالب، وشتان بين هذا وذاك، إن كان الحياء يمنع استخدام "الغالب". أراد "السيّد" دولة. مواطن يريد الحياة بعيداً عن فساد وسمسرات رآها في "العراق" وعاشها في لبنان

 

 

قبل أيام، وفي خضم الحراك المطلبي ـ المعيشي، مفارقة غريبة حصلت. مجموعة من الناشطين تظاهروا ضد نبيه بري لأنه جزء من فساد الطبقة السياسية، وهو كذلك. حضر "الأهالي" نفسهم إلى مكان الاعتصام ليدافعوا عن الرئيس الذي لا يُخطئ. اللافت ليس دفاع "الأهالي" عنه، أو قبله عن زعيم حزب الله حسن نصرالله. فهؤلاء الأهالي، يعانون أكثر حتى مما يعاني المعتصمون. هؤلاء، لا يصل غالبيتهم إلى الحد الأدنى للأجور، هذا إن كانوا وصلوا إلى وظيفة أساساً. برّي، يضع "الأهالي" للدفاع عن عرشه الذي لا يعرفون عه سوى أنه "مخصص" للطائفة، والباقي تفاصيل.

كذلك، الذي هجم وهدد المحطة اللبنانية للإرسال لأنها وضعت صورة نصرالله ضمن صور زعماء آخرين يُطبِقون على اللبنانيين، بل يتاجرون بهم، لا يرى في زعيمه سوى القديس الذي لا يُخطئ. حتى لو لم يجد ما يأكله بعد ساعة من هجومه، لا يهمّ.

 

مثالان، على ما يفعله الثنائي بالأهالي. هم في الواجهة، وفي الوقت نفسه، التبرّؤ منهم، سهل جداً. حتى "الأهالي"، يعتبرون هذا الأمر لزوم "السياسة" وهم في خدمة لاعبهم السياسي أو الديني.


في أوائل السبعينيات، انتفض مزارعو التبغ ضد الدولة وما كانت تبيته لهم "الريجي" من قرارات مبنية على "طبقية" وزبائنية. كان هاني فحص في العراق. عاد بعد يومين. يقول: "كنت أستمع إلى أنين هؤلاء وأنظر إلى عيونهم ومن بينهم والدتي، وأنا من عائلة عانت مرارة واقع تلك الزراعة وآلام مزارعيها وشقائهم، فلم أتضامن معهم فحسب، بل شعرت أنني معني بالموضوع بشكل شخصي، فأنا تعبت ورأيت وعانيت مثل كل المزارعين، لذلك لم أشعر أني أقود المزارعين بل أنا لحقت بهم، أنا رأيت والدي في المظاهرة وأنا على سطح مبنى الريجي، هذه المظاهرة التي تبدو للمراقب منظمة بينما هي عند المزارعين كانت عفوية".

 

لن يخرج هاني فحص آخر. لن يخرج من يُشبهه. الخروج من بلاد المجانين، أضعف الإيمان، وأوّل فعل إرادي، لمن يبحث عن هويات تُشبهه. أوّل فعل إرادي نحو الحياة، حتى لو في هذا الفعل خيانة لهاني فحص.. فالرهان على سعة قلبه، وغفران هكذا خيانة، أقلّ ما يفعله "السيّد".

 

السيد هاني فحص