0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


صالـح حـديفـة

لماذا مزارع شبعا؟

مزارع شبعا

لم يكن مصادفة على الإطلاق اختيار حزب الله لمنطقةٍ شرقي بلدة الغجر في مزارع شبعا المحتلّة، لتنفيذ عمليته "شهداء القنيطرة"، رداً على استهداف إسرائيل لموكبٍ له في منطقة الجولان السورية.

في العسكر، يعرف حزب الله أنّ جغرافية المكان هي الأفضل لتنفيذ عمليةٍ على قافلة إسرائيلية في تلك المحلّة، حيث تنكشف الطريق العسكرية الإسرائيلية الحدودية أمام المناطق المحرّرة في لبنان، بما يُسهِّل استهدافها، بل حتى التسلّل إليها خلف السياج الشائك المزروع على طول الحدود.

 

وقد خبِر "حزب الله" في كل مراحل قتاله ضد إسرائيل هذا النوع من العمليات، وبات يعرف أرض الجنوب اللبناني شبراً بشبر، وحافت أقدام عناصره ذهاباً وإياباً في تلك الأرض، حتى حفظوها عن ظهر قلب. ناهيك عن أنّ المنطقة بقراها القريبة والبعيدة عن الحدود، تُؤمِّن للحزب ورجاله حاضنةً شعبية قادرة على مساعدته بشكل بديهي وطبيعي على التمويه والاختفاء بُعيدَ تنفيذ العملية.

هذه الخبرة والمعرفة العميقة في تفاصيل أرض المعركة في جنوب لبنان، لا يملكها حزب الله بعد في سوريا، وتحديداً في مناطق القنيطرة والجولان، حيث انتشاره هناك يقتصر على مواقع مُحدّدة ومواكب عسكرية، لا انتشاراً ميدانياً في البرّ، كما لا ظهير خلفياً يُسانده، فالنظام السوري أعجز من تحمُّل تعبات ذلك عسكرياً وسياسياً. ولا شعبياً سيجد حزب الله في تلك الأرض ما سيجدُه من احتضان في جنوب لبنان.

ويعرف حزب الله تماماً أنّ إيران لا يمكنها فعلاً القبول بما قد تطمح إليه إسرائيل من عملية القنيطرة، ألا وهو إغراق الحزب والنظام السوري، وخلفهما طهران، في جبهةٍ جديدة في الجولان لإسرائيل أرجحيّة فيها حالياً، كون قوات النظام السوري والحزب ومن يدور في فلكهما يقاتلون في سوريا على جبهات عدّة، ولا ينقصهم طبعاً جبهة قتال جديدة تستنزف طاقاتهم وجهودهم.

في السياسة يدرك الحزب طبعاً أنّ عملية عسكرية ضد إسرائيل من الأراضي السورية، يُنفِّذها هو، تعني أول ما تعنيه سقوط نظام بشار الأسد. فمُجرّد السماح لحزب الله أن يقوم بهكذا عملية في الجولان، يعني تلقائياً أن النظام السوري – أو ما تبقّى منه – بات قراره تحت رحمة مجموعة عسكرية خارجية، وفقد بالتالي مقوّمات الحكم والدولة والبقاء.

 

هذا الأمر – أي فقدان النظام السوري لمشروعية الاستمرار ومُقوِّمات ذلك - وإنْ كان معروفاً، إلا أنّ حزب الله وخلفه طهران لا يمكنها تسليم أحد صكّ اعترافٍ منهما بانتهاء بشار الأسد، في هذه اللحظة السياسية ودون الثمن المطلوب.

في السياسة أيضاً، لا يمكن لحزب الله أن يذهب رسمياً لقتال إسرائيل من سوريا، حيث لا قرارات دولية تشرِّع عمله هناك كمُقاومة، ولا مسوّغات قانونية، ولا معادلة ردع، ولا تفاهمات ضمنية، ولا مبررات منطقية تتيح له القيام بذلك. في حين إنّ اختيار منطقة العملية في مزارع شبعا المحتلّة التي هي قيد نزاع أبقاها خارج تنفيذ القرار الدولي 425، ولم تدخل كلياً في مندرجات القرار 1701، يجعل الحزب في حِلٍّ من أيّ تبعاتٍ دولية حقيقية، وتصبح عمليتُه هناك مجرّد خرقٍ للخطّ التقني الفاصل، وتأتي في سياق ما أطلق عليه الحزب سابقاً "العمليات التذكيرية" التي ضلّ ينفّذها بين عام وآخر في منطقة المزارع.

كما أنّ أيّ عملية لحزب الله في منطقة مزارع شبعا، لا يمكن لها أن تكون سبباً لأزمة سياسية داخلية لبنانية فعلية تُقلِق الحزب في حديقته الخلفية. فالمزارع منطقةٌ محتلّة توافق اللبنانيون ممثَلون بأقطاب طاولة الحوار الوطني على لبنانيّتها، وعلى وجوب تحديد الحدود فيها وتحريرها بالطرق الممكنة.

 

والأهم أنّ عملية لحزب الله في مزارع شبعا، إنْ أغضبت إسرائيل بما جعلها تردّ بحرب شاملة، فهي بالتأكيد ستقتصر على حزب الله - ولبنان طبعاً - ولن تطال لا النظام السوري ولا إيران، بما يعني حصر ردّة الفعل الإسرائيلية بالساحة اللبنانية، وإبقاء حدود المواجهة معها ضمن هذا النطاق، في حين إنّ حرباً يشترك فيها الحزب وسوريا - وإيران ربما - ستصبح على مستوى إقليمي كبير وتعني تدخلاً دولياً كبيراً، وتبعات أكبر ونتائج وتسويات أكبر.


في المحصّلة تبقى مزارع شبعا المتنفّس الوحيد لحزب الله في مواجهته مع إسرائيل، مهما كَبُرت التهديدات من الجانبين، وهي الساحة التي يستطيع فيها الطرفان - مع فارق الأحقيّة طبعاً – توجيه الرسائل لبعضهما البعض دون الخوض في حربٍ كبيرة سوف تجرّهما معاً إلى خسائر ضخمة وهائلة على مختلف المستويات، أياً كان المنتصر فيها عملياً، وتجارب تموز 2006 وغزة ماثلة.

مزارع شبعا