0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


جـميل ضـاهر

"أبو رخوصة" ممنوع

سوق أبو رخوصة

لم أكن أعلم أن وسط المدينة بات للطبقة "الراقية" كما وصفها السيد نقولا شماس، فهو لم يوضح ما هي مواصفات "أبو رخوصة"، ولم يوضح أيضاً من هي الطبقة الراقية... والأمور متروكة للخيال ومدى قدرة اللبناني على ابتكار الألفاظ دون النظر إلى وقعها.

 

"أبو رخوصة" ممكن أن يكون واحداً من الذين نعتوا الشعب بهذه الصفة، خاصة وأن جموع الناس البسطاء والمواطنين الحقيقيين يقومون بالكثير من الواجبات مقارنة مع بعض الزعماء السياسيين والشخصيات النافذة المحسوبة على الطبقة الراقية، وهي "الطبقة الراقية" التي بدورها لا تدفع فواتير الكهرباء وتستغل السلطة بشكل وقح وقذر.

 

إطلاق توصيف "أبو رخوصة" على فقراء الوطن قد يدفع إلى المزيد من التعقيدات، ويزيد من الإحساس بالعنصرية والتهميش بشكل مستفزّ لشرائح واسعة من المجتمع اللبناني المتداخل والذي يعرف الجميع منه الكثير عنه، ويعرف أيضاً كيف ومتى جُمِعَت ثروات "الطبقة الراقية" التي يرتبط إسم أصحابها بالحرب الأهلية والتهريب والقتل واستغلال السلطة، ولم يعد خفياً على أحد من كان السبب في إفقار الناس وإدخالهم في الزواريب الطائفية وتحويلهم إلى حصص إنتخابية.

 

في كل دول العالم، حيث العراقة الطبيعية لدى الطبقة "الراقية"، وأتحدث هنا عن نيويورك ولندن وباريس والوسط التجاري لهذه المدن، يمكنك التسوّق في الهواء الطلق على اعتبار أن هذه الميزة "لا تتوفر إلا في وسط بيروت كما يراها شماس رمز العنصرية الجديد في لبنان"، فالمسافة بين المحلات "المخيفة" المحسوبة "راقية" وبين "أبو رخوصة" أمتار قليلة.. فيمكنك أن تتناول سندويش فلافل في وول ستريت أو كينغز رود بلندن أو الـ "هوت دوغ"، أو غداء كامل مع الطبقة الفرنسية الراقية في الشانزليزيه، دون أن يتسبب ذلك بانهيار المنظمومة التي تعد عقر دار الرأس مالية المتوحشة.

 

أدار السيد "أبو رخوصة" وجهه عن كل ما تسبب في تعطيل وسط بيروت وقرر أن يتهم الشيوعيين لكونهم "مكسر عصى"، ولكونهم فئة غير مسلّحة طائفيًا ولا فتوى تحميها من جشع رأس المال .. بينما فاته أن يتحدث عن السبب الفعلي الذي قامت به قوى 8 آذار حين حاصرت الوسط التجاري لفترة طويلة واستكملت هذا بـ7 أيار. لكن كما يقول المثل الشعبي "لا يقوى على مناطحة العجل فيناطح الصاعور".

 

انفعالات "أبو رخوصة" وتصفيق الحاضرين له، ومعظمهم من طينته، أيقظت في داخلي الكثير من الأسئلة وأنا الأقرب إلى يسار قوى 14 آذار.. وكنت دائماً كصحافي وفرد من المجتمع أدافع بشكل عفوي عن هذه القوى على إعتبار أنها قوى مدنية تؤمن بقيام الدولة التي ننتظر قيامها، خاصة ونحن الآن نشهد فشلها الذريع وحجم الفساد الذي تغرق به، وتحاول أن تغرقنا بالنفايات بعد أن جردتنا من كل الأسلحة التي تشكل المدنية أو مواصفات العيش في وطن حقيقي لا ينتمي لشخوص ذاع صيتهم في العالم في دأئرة الفساد الكوني.

 

إن هذا الكلام يوضع في مصاف التصريح الخطر، فهو يصدر عن شخص يبدو أنه مسؤول، ويبدو أنه يعرف ماذا يريد. لكن المنطق يقول وحسب التاريخ: لا يمكن أن تستثني فئات من الشعب وتحرمها من المشاركة في السير على الأقل في وسط مدينتهم، لأنه في حال شعرت هذه الطبقات أنها مستثناة ومهمشة فسيسهل عليها أن تأخذ قرارا بتدمير ما هو مصدر خوف لها ومكان يجعلها تشعر بالدونية.

 

إن أميركا وهي دولة مستعمرة احتلّت أراضي الهنود الحمر وقضت على جزء كبير منهم، لكنها بحكم التطور التاريخي أعادت إعتبار هذه الفئة لكونهم السكان الأصليين، وسمحت لهم بمزاولة أي عمل دون دفع ضرائب، وأفسحت لهم الكثير من المساحات كي تكون تحت حكمهم الذاتي لكي يشعروا بوجودهم، وكي لا يبقى الهندي الأحمر محسوباً على "أبو رخوصة".

 

إطلاق توصيف "أبو رخوصة" على فقراء الوطن قد يدفع إلى المزيد من التعقيدات