0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


أحـمـد مـولـود الطـيـار

من وحي المونديال البرازيلي

مونديال البرازيل 2014. (فايسبوك)

الوطنية: مصطلح يستخدم للدلالة على قضايا وموضوعات ترتبط بوطنٍ ينتمي إليه فرد أو جماعة. ودائماً كانت "الوطنية" تُشهر  كمعيار ومقياس لتحديد مدى الولاء والالتزام لبقعة جغرافية محددة، وكل ما تحتويه هذه البقعة من رموز وقيم وثروات...

 

لكن تلك "الوطنية" في أقطار عربية مثل "سورية الأسد" و"عراق صدام حسين" ودول أخرى في منطقتنا العربية باتت تستخدم لغير أغراضها، وحُمّلت بحمولات فاقت قدرات سوريين وعراقيين وأبناء جنسيات عربية أخرى حيث النظام الشمولي أو الحاكم المستبد هما من يقيس زمرة دم الوطنية، وعلى ضوء التحاليل التي يجرونها تتحدد وطنية أو عدم وطنية السوري أو العراقي وغيرهما.

 

يصح القول هنا - تحديداً في المثالين السوري والعراقي- إنّ النظامين البعثيين كرّسا مفهوماً للوطنية، يقوم على التطابق المطلق مع أهواء الحاكم وسياساته التدجينية وإيديولوجيته العنصرية. وعلى مدى سنوات حكمهما الطويلة نجحا في خلق "ثقافة" لدى عموم السوريين والعراقيين، مفادها تخوين الآخر، والشكّ به، ومن ثم تدميره.


مناسبة هذا الكلام كأس العالم لكرة القدم التي تقام حالياً في البرازيل، وما تتناقله بعض وسائل إعلام عربية تغطي الحدث، والعلاقة مع "الوطنية" كما لقّنتنا إياها أنظمة قمعية، واختلاف النظرة والأحكام المطلقة بيننا، وكما يراها وينظر إليها الآخرون من شعوب وثقافات مختلفة.
 
 وقبل استعراض أمثلة عن تلك "الوطنية" من وحي المونديال البرازيلي، من الهام هنا استعراض حدث سوري جرى عام 2009، فيه من الدلالات الكثير. في نهائي بطولة آسيوية - كأس الاتحاد الآسيوي إن لم تخن الذاكرة - جرى الحدث بين فريق الكرامة السوري وفريق الكويت الكويتي، وشاءت الصدف أنّ لاعباً سورياً يحترف ويلعب في الفريق الكويتي هو من سجل هدف الفوز ضد فريقه السابق الكرامة.

 

هنا قامت قيامة سوريين كثر  ضد هذا اللاعب الذي لم يقم إلا بواجبه تجاه فريق يرتدي قميصه، ويتقاضى مرتّبه وحوافزه منه، ووصلت بهم الاتهامات حدّ وصمه بالخيانة الوطنية!  لا غرابة في هكذا اتهامات صادرة عن السوريين، ففايروس البعث ودفتر شروط الوطنية أوغلا بنا كثيراً، ولم نستفق حتى إلى ما قبل انطلاق الثورة السورية بوقت قصير.


تقول الأخبار القادمة من البرازيل إنّ عارضة الأزياء البلجيكية واسمها فاني؛ اعتُبرت أسعد فتاة على وجه الأرض بسبب أن حبيبها اللاعب الإيطالي ماريو بالوتيلي قد أحرز هدف الفوز على إنكلترا. وفاني يقال إنها قد تخلّت عن تشجيع بلجيكا، وتحولت إلى تشجيع المنتخب الإيطالي كرمى لعيون ماريو.

 

أما "الخائنة" شاكيرا كما يصفها مشجعون بعثيون عرب، فقد ذرفت الدموع على خسارة إسبانيا المذلّة، ووصف هؤلاء المشجعون رقصة واكا واكا التي أداها لاعبو كولومبيا بعد هدفهم الأول على اليونان أنهم أدّوها أجمل من شاكيرا التي تخلّت عن تشجيع بلدها كولومبيا من أجل وسامة بيكيه لاعب برشلونة والمنتخب الإسباني.

 

أما دييغو كوستا اللاعب البرازيلي الأصل الإسباني الجنسية فقد قال في مقابلة تلفزيونية إنه برازيلي الهوى والانتماء واتخذ قراره باللعب لإسبانيا، لأن مدرب البرازيل لم يتصل به، ولم يعره اهتماماً. صحيح أن بعض الجماهير البرازيلية كانت تصفّر كلّما لمس كوستا الكرة في مباراة إسبانيا مع هولندا، إلا أنّ الحكومة البرازيلية وكثيراً من البرازيليين لم ينعتوه بالخيانة العظمى. مثله مثل شاكيرا الكولومبية وفاني البلجيكية.. والأمثلة كثيرة في مجالات الرياضة ومجالات أخرى كثيرة.


قصارى القول؛ اهتماماتك وميولك واتجاهاتك وما تحب وما تكره، تندرج تحت بند حريتك الشخصية. قد تصيب وقد تخطئ، إنما لا يجوز أن يُطعن في وطنيتك وفي انتمائك. محمد علي كلاي رفض كمواطن أمريكي الذهاب للقتال في فيتنام، فحوكم لأنه لم يمتثل لقوانين بلده، إنّما لم يتجرأ أحد على اتهامه بالخيانة الوطنية.

 

سنودن المواطن الأمريكي الذي كان يعمل محللاً للمعلومات لدى وكالة الاستخبارات المركزية والذي أحرج أوباما شخصياً و"فضح أمريكا" كما عنونت صحف عربية وعالمية كثيرة؛ لم يتجرأ أحد في كل أمريكا على اتهامه بالخيانة، فقصة تسريبه وثائق التجسس التي كانت تقوم بها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية؛ اعتبرها هو وقطاعات عريضة في المجتمع الأمريكي "إنقاذ ما يمكن إنقاذه لديموقراطية أمريكا التي ننادي بها في بلادنا". هكذا قال.

مونديال البرازيل 2014. (فايسبوك)