0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


أحـمـد مـولـود الطـيـار

عِلم الثورة

الثورة السورية. (وكالات)

الثورات هي على خط زلازل واحد إن جاز التعبير. وفي علم الثورات، يؤكد مفكّرون عرب وغير عرب أنّ  كل الثورات مرّت بزمنين: واحد سريع يتمثل في سقوط الأنظمة، أمّا الزمن الثاني وهو زمن البناء، وهو طويل ومعقد وبطيء ومليء بكل التناقضات، كذلك تأرجح الناس بين إحباط وتفاؤل، يأس وأمل ودوران في حلقات، الناظر إليها من خارجها يظنّ أنّها دوران في الحلقات المفرغة، لكنّها في حقيقة الأمر تعتمل وتحمل في باطنها الكثير.

فالثورات، ودائماً حسب "علم الثورة"، ليست انتقالاً فورياً الى "أرض العسل واللبن"، والتاريخ ليس ثنائيات أسود وأبيض، خيراً وشراً، هو تراكم مستمر وجدل انفتحت أبوابه "وما نراه فشلاً في الظاهر ربما يحمل في جوفه خيراً قادماً".

الثورة السورية لا تخرج عن هذا الإطار. صحيح أنّ رموز النظام لاتزال في مواقعها، إنّما النظام بكل مرتكزاته، يجري الهدم فيها منذ انطلاق صرخة البوعزيزي في تونس، لأنّ كل الأنظمة التي انفجر فيها الربيع العربي هي واحدة من حيث النوع، والاختلاف هو فقط بالدرجة، وما جرى حتى اللحظة يعني أنّ القطار انطلق ولن يتوقف، وأنّ النظام القديم مات وشبع موتاً ولن يعود بأيّ حال من الأحوال، كل ما هنالك هو كيفية مواجهة ارتدادات هذا الزلزال أو "التسونامي العربي" كما يسميه البعض، كيفية التعامل معه، وحصر آثاره ونتائجه.

تلك هي المرحلة الأصعب والتي يُطلق عليها "المرحلة الانتقالية"، وهي مرحلة تطول وتقصر حسب جهوزية المجتمعات التي فجّرت تلك الثورات، وهي للأسف مجتمعات شوّهها الاستبداد والديكتاتورية، وزرع فيها كل ما هو خبيث، وعملية الانتقال من وضع مجتمع مشوّه الى آخر معافى تمرّ بعمليات جراحية طويلة ومعقدة.

لكن لا يجب الاستهانة بما أُنجز وبما تحقق حتى الآن وخاصة في الثورة السورية التي واجهت نظاماً ربّما يعدُّ الأشرس والأكثر إجراماً من كل أنظمة الاستبداد التي مرّت على العالم الحديث والقديم. يقول حازم صاغية الكاتب والباحث اللبناني في مقال له واصفاً شدة إجرام ووحشية النظام السوري: "الأنبياء وحدهم مَن كان يمكنهم أن يتوقّعوا بلوغ درجة القمع التدميريّ ما بلغته السلطات السورية. لقد استحضرت ثورات تونس ومصر واليمن، وخصوصاً ليبيا، ردوداً متفاوتة في قسوتها، وكان في وسع واحدنا أن يتوقّع من السلطة السوريّة ما يعادل مجموع القمع الذي تعرّضت له الثورات الأربع المذكورة. أمّا توقّع عشرات أضعاف هذا المجموع فلا يرقى إليه بال".

رغم هذه الوحشية، استطاع السوريون ترويضها ونزعوا عنها أنيابها. ولا يغرّنّكم عربدة النظام عبر طائراته وبراميله المتفجرة وانتخاباته المزمعة والمغمّسة بالدم، فهذا دليل ضعف لا قوة، فالوحش يحتضر.

ما تتحقق كبير وكبير جداً، وبعيداً عن أحكام القيمة سلباً أو إيجابا،ً وبعيداً عن ثنائيات مطلقة وأحكام قاطعة إخفاقاً أو نجاحاً، فالتاريخ يعلّمنا أنّه في حركة تقدم مستمرة ولا مجال للعودة الى الوراء؛ الربيع العربي ومن ضمنه ربيعنا السوري فجّره البسطاء والمسحوقون، طلاب وطالبات الجامعات، أشعلوه عبر تويتر وفيس بوك وكل وسائل وتقنيات العلم الحديثة ولن يعودوا مرة أخرى الى بيت الطاعة وتحت حكم عصابات وأجهزة مخابرات وضيعة أيّاً تكن أحوالهم السيئة الآن.

ربما يسيطر التشاؤم مرة والتفاؤل أخرى، إنما الشخص الايجابي والفاعل هو الذي لا يركن الى اللحظة الراهنة ويغدو منفعلاً بها وأسيراً لها؛ من يقع في أحابيل وأسر اللحظة الراهنة يكبّل طاقاته ويحكم على نفسه بالعجز.

الثورة السورية. (وكالات)

الثورة السورية لا تخرج عن هذا الإطار