0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


أحـمـد مـولـود الطـيـار

المنطلقات الفكرية والنظرية لداعش والبعث

منذ ظهور داعش على الساحة السورية بُعيد الأشهر الستة الأولى من عمر الثورة السورية، شكّل ظهورها تعارضاً حاداً مع الثورة, (أ.ف.ب))

يستسهل كثيرٌ من المعارضين السوريين إتهام داعش بالعلاقة مع النظام السوري والتنسيق في ما بينهما؛ حتى أنّ البعض يذهب في اتهاماته حدّ القول إنّ "الطرفين يقيمان ما يشبه غرفة عمليات عسكرية مشتركة".

لا شكّ أن استسهال هكذا اتهامات هو نتاج عقلية وثقافة سياسية تُحيل كل شيء الى فكر ونظرية المؤامرة، حيث شيطنة الخصم بالكامل وتبرئة النفس بالكامل أيضاً! ما ينتج عن ذلك أيضاً ركون وخمول ونتائج ساذجة ومبسّطة لصراع جذري وكبير كالثورة السورية. ومن شأن هذا الاستسهال أن يعيق ويؤخر انتصار الثورة وتحقيق أهدافها.

مناسبة هذا الكلام ما يجري الآن في سوريا من انتخابات مزعومة لاختيار رئيس للجمهورية في ظل أجواء وأوضاع أقلّ ما يقال فيها إنها مأسوية، حيث دمار غير مسبوق في كافة المدن السورية، وحيث أن أكثر من نصف الشعب السوري نازح أو مهجر، أمّا أرقام الضحايا التي سقطت في هذا الصراع فبات يصعب حصرها وتعدادها، وكُتب الكثير والكثير جداً حول تلك المسرحية السخيفة، إنّما تود هذه الأسطر الإضاءة على جانب من تلك المسرحية والعقلية التي قادت إلى تلك الانتخابات، كذلك تبيان مواطن الإلتقاء الموضوعي بين عقليتي النظام وداعش حيث وحَّدَهما هدف واحد هو الإستئثار بالسيطرة على سورية، ولا بأس من دمارها إن لم يتحقق الهدف؛ كذلك تبيان وحدة المنطلقات الفكرية والنظرية للنظام البعثي وداعش، حيث وحدة تلك المنطلقات في الفكر والجوهر، وما يشاهَد من اختلافات بينهما، هي اختلافات محض بالشكل فقط.

كلا "المنطلقين" يمتد من فكر شمولي لا يعترف بالمختلف، فداعش تحمل فكراً تكفيرياً لكل من يختلف معها دينياً ومذهبياً وسياسياً، تدعو الى دولة الخلافة في إلغاء كامل لكل شروط وظروف المكان والزمان. منهجها السياسي يقوم على القسرية والإكراه تحت سيف التكفير والرجم والصلب والقطع والذبح وكل قاموس تلك المفردات المرعبة والمقززة. منهجها العسكري يقوم على العمليات الإنتحارية والسيارات المفخخة، لا تُقيم أدنى اعتبار أو  وزن لحياة وكرامات البشر.

منذ ظهور داعش على الساحة السورية بُعيد الأشهر الستة الأولى من عمر الثورة السورية، شكّل ظهورها تعارضاً حاداً مع الثورة، فلا يُخفى أن هدف الثورة كان إقامة النظام الديموقراطي الذي يساوي بين جميع المواطنين بغضّ النظر عن الدين والمذهب والعرق والجنس، وهو هدف يتعارض كلياً مع منطلقات وأهداف التنظيم الذي خرج من رحم القاعدة، وما زالت داعش مع غيرها من تنظيمات تكفيرية يشكّلون مع النظام السوري أكبر أعداء الثورة السورية، وأكبر المستفيدين من إجهاض أحلامها وأهدافها كثورة للحرية والكرامة. أما النظام السوري الذي لا يزال يستر عوراته بفكر البعث وأكاذيب الممانعة، فماذا تقول منطلقاته الفكرية والنظرية؟

كلُّ الأنظمة التي يهيمن عليها الحزب الواحد يتصف نظامها السياسي بالشمولية والاستبداد، والمنطلقات النظرية لحزب البعث لا مكان فيها إلا "للحزب الطليعي" و"الحزب القائد" و"الحزب الثوري"، ولا يعثر أيُّ دارس أو باحث في تلك "المنطلقات" على مفردتَي "مواطنة" و"حقوق انسان"، وإن وجدتا فمع لواحق قبل وبعد تُحيلك الى عدّة الشمولية والحقبة السوفياتية الساقطة. والديموقراطية في تلك المنطلقات، الحديث عنها غائماً ويسبقها فذلكات تنظيرية عن "الديموقراطية الشعبية" و"حكم الجماهير" وشعارات فارغة جوفاء.
 
في تلك المنطلقات تشابه كبير مع منطلقات داعش وإن اختلفت بعض المفردات والتعابير، حيث تحفل أفكار البعث باستقطابات خطيرة وتحفل تلك الأدبيات بمفردات كثيرة من مثل: "خونة وعملاء"، "مناهضو أهداف الثورة"، "رجعيون"، "حلف أسود". وكل قارئ لحكمَي البعث في العراق وسوريا، يعرف تماماً كيف تمت ترجمة تلك المنطلقات على أرض الواقع؛ فصدام حسين وحافظ الأسد سحقا كل رفقائهم في الحزب بلا رحمة أو شفقة، وربما أبرز مثالين في سوريا هما صلاح جديد الذي كان يُعتبر الأب الروحي لحافظ الأسد، حيث قضى في المعتقل، كذلك الرئيس السابق نور الدين الأتاسي... والأمثلة أكثر من أن تعد وتحصى.

إذاً في عجالة، الانتخابات المزمع إجراؤها من قبل بشار الأسد، مرجعيتها الوحيدة هي تلك "المنطلقات النظرية والفكرية"؛ هي ذاتها المنطلقات التي جاءت به وريثاً لأبيه عام الـ 2000 بنسبة 97.27؛ هي ذاتها التي دمرت حماه وكثير من مدن سورية عام 1980 من القرن الماضي؛ هي ذاتها التي وأدت "ربيع دمشق"؛ هي ذاتها التي أسفرت عن اغتيال الحريري والانسحاب العسكري من لبنان؛ هي المنطلقات إياها التي جعلت بشار الأسد يأتي على عجل من لندن ليصبح في غمضة عين أميناً عاماً - قطرياً وقومياً- لما يسمى حزب البعث العربي الاشتراكي، كذلك قائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة، وهو الذي ربما لا يفقه حتى في طب العيون؛ هي ذاتها المنطلقات التي غيرت الدستور السوري في نصف ساعة ليتحكم في كل عبيد سوريا.

ثار السوريون عام 2011 ليتخلصوا من تلك "المنطلقات"، فكان أن فتح بشار الأسد سجونه ليطلق منها كل شذاذ الآفاق، وكل التكفيريين؛ وكثير من زعماء داعش الآن كانوا معتقلين في تلك السجون. في زواج تمّ بالتراضي وإن على مضض، التقت منطلقات البعث وداعش، كلاهما يحاول إقامة دولته، البعث حتى وإن استلزم الأمر قليلاً من السوريين العبيد، وداعش ولو بقليل من المسلمين الذين لا يزالون يحلمون بالسيف والترس.

لا مؤامرة ولا غرف عسكرية مشتركة بين الطرفين – هذا لا يمنع اختراقات مخابراتية برع فيها النظام السوري – إنّما هي غرف عسكرية وجسور ممدودة تقيم في عقليتين تتشابهان بنيوياً وإيديولوجياً وفعلاً وممارسةً، من هنا نقد داعش لا يستقيم فقط من زاوية "الاختراق المخابراتي"، يجب أن يذهب بعيداً في نقد الثقافة، وهذا (الذهاب بعيداً) يوصل الى منطلقات البعث التي أقامت طويلاً، وأبرز أمثلتها الفاقعة انتخاباتٌ تُريد أن تُذهِب منا العقل حرصاً لدوام وبقاء العقلية!

منذ ظهور داعش على الساحة السورية بُعيد الأشهر الستة الأولى من عمر الثورة السورية، شكّل ظهورها تعارضاً حاداً مع الثورة, (أ.ف.ب))

لا شكّ أن استسهال هكذا اتهامات هو نتاج عقلية وثقافة سياسية تُحيل كل شيء الى فكر ونظرية المؤامرة،