0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


أحـمـد مـولـود الطـيـار

في سوريا الأسد كلّنا "شوايا" وماسحو أحذية

أُريد لنا أن نكون ماسحي أحذية في "سوريا الأسد". (وكالات)

كتب رستم محمود الكاتب السوري الكردي مقالاً في صحيفة "المستقبل" عدد 20 نيسان 2014، عنوانه "عزيزي الكردي.. هل تعرف ذلك الشاوي!"، وفيه يتناول صفحة "عنصرية وفاشية" على "فايسبوك" زاد عدد معجبيها عن 20 ألف متابع، وكتب رستم في مقالته: ".. والظاهر بوضوح أن أغلبهم من اليافعين الكورد".

إسم الصفحة "اللجنة العليا لمكافحة الشوايا"، والنص التعريفي لها: "الشاوي هو عبارة عن كائن جرثومي زنخ أجرب، أكثر مناطق تواجده حول المستنقعات والسواقي".

وإذ يحاول رستم بمرارة وألم القول لأولئك اليافعين إنّ هؤلاء أخوتكم في الهمّ والبؤس والشقاء، وبينكم من المشتركات الكثير، وكلاكما ضحية مستبدّ واحد، و"هل أنت سوى واحد من شوايا البلاد، وإن كنت تتكلم بلغة أخرى"، لكنّ صوت رستم وأمثاله لا صدى له، وتلك الصفحة الافتراضية تعكس واقعاً سورياً يسير بتصميم نحو الهاوية!

في اللحظة الأولى التي تطأ فيها قدماك "البّور"، كما يطلق على كراج الباصات القريب من ميناء بيروت، يستقبلك فتية صغار بعيون حمراء، هرب من أعينهم النوم، لباسهم متّسخ، ووجوههم بائسة، يحاولون بشتّى الطرائق إقناعك بمسح وتلميع حذائك. عندما تسألهم من أين أنتم؟ تأتيك الإجابات: (من درعا)، (من حلب)، (من إدلب)، (من الرقة)، إنهم ماسحو الأحذية السوريون من العرب الذين ينتشرون في كثير من أزقة وشوارع بيروت.

في مدينة الرقة وعند دوار الساعة حيث مركز المدينة؛ يتجمع يومياً ومنذ الصباح الباكر أكثر من خمسة عشر شاباً، لا تتجاوز أعمارهم العشرينيات، وبدلاً من أن يكونوا على مقاعد الدراسة؛ يجلسون على كراس صغيرة مهترئة وأمامهم "صناديق "البويا". لا يخطئ أحد في التعرف إليهم، فتية صغار قذفت بهم الظروف الصعبة إلى امتهان تلك المهنة "الذليلة". إنهم ماسحو الأحذية السوريون من الكورد.

"سوكلين" هو اسم الشركة التي تتعهد عملية تنظيف ولمّ القمامة في مدينة بيروت. تشكّل العمالة السورية  – عرباً وكورداً - نسبة عالية فيها، وسبق أن أجريت تحقيقاً صحافياً عن العمال السوريين في تلك الشركة عام 2009 نشرته مواقع إعلامية لبنانية وسورية، ولا يُعتقد أن أمور العمالة السورية في لبنان قد تغيرت في هذه السنوات القليلة.

وارتبط اسم هذه الشركة بكلمة "سوري" خلال سنوات الاحتلال السوري للبنان، ولا أدلّ على ذلك من هذا المثال الصارخ، وسردُه هنا للتدليل على ما وصلت إليه أوضاع السوريين في عهد نظام الممانعة سابقاً وحالياً، وربما حتى أجيال قادمة: (في دورة رياضية عربية أقيمت منذ سنوات في بيروت أيام "عز الجيش السوري" في المدينة الصابرة، وكانت المنافسة بين فريقي البلدين المنتخب السوري واللبناني لكرة القدم، وفي ذروة اشتعال المباراة، هتف مشجعون سوريون –غالبيتهم جنود ممّن يؤدون خدمتهم الإلزامية في لبنان – لمنتخبهم، فكان أن غطى عليهم مشجعون لبنانيون بهتافات قوية وعالية: سوكلين، سوكلين، سوكلين).

علم النفس قال كثيراً في توجه المضطهَد، وتنفيس كل القمع والاستلاب الذي مورس عليه نحو مضطهَد مثله، بدلاً من أن تتوحد الضحيتان باتجاه مضطهِدهما، تتلهّيان عن عدوهما الرئيس في صراعات عبثية في ما بينهما تُضعف كليهما لصالح مستبِّد أو طاغية أو نظام إجرامي كنظام بشار الأسد.

وهذا الذي ينطبق على جزء كبير من لبنانيين صرفوا كثيراً من طاقاتهم في سبيل محاربة عامل سوري فقير؛ ينطبق على تلك الصفحة التي تعتقد أن "الشوايا" هم سبب ضياع حقوق الكورد، وينطبق أيضاً على "شوايا" كثر  غرر بهم النظام السوري فاستخدمهم كأدوات في حروبه الكثيرة على المجتمع السوري، وينطبق على كثير من سكان مدينة حماه، إذ نسوا من أصدر الأوامر بالذبح والقتل والتهجير في ثمانينيات الرعب التي اجتاحت سوريا من القرن الماضي، ولا يزالون يتذكرون أولئك "الشوايا" الذين كانوا في "الجيش العربي السوري".

عزيزي السوري.. أيضاً "فكر في كل ذلك"، ولا فرق هنا بين موالٍ ومعارض؛ كلنا كنا "شوايا"، وكلنا أُريد لنا أن نكون ماسحي أحذية في "سوريا الأسد".

أُريد لنا أن نكون ماسحي أحذية في "سوريا الأسد". (وكالات)

سوكلين" هو اسم الشركة التي تتعهد عملية تنظيف ولمّ القمامة في مدينة بيروت