5

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


ايـلـي خـوري

لكل عصر دواعشه

مقاتل من "داعش". (فايسبوك)

أما بالنسبة إلى الصديق الآخر حسين عبد الحسين الذي كتب تحت عنوان "التاريخ للتاريخ أو تبقى داعش" عمّا أسماه "النقاش المندلع" بيني وبين الأستاذ صاغية، فأؤكد له أن لا اندلاع ولا حتى نقاش. بل جلّ ما في الأمر هو تعقيب على فكرة صحيحة لكن من زاوية أخرى، وكذلك فإن ما كتبه عبد الحسين بدا لي أيضًا شرحاً لما قلته أنا، إنما من وجهة نظره هو. فالداء واحد إذاً، إنما طريقة التشخيص فمختلفة. في النهاية هو ترفٌ تنظيري بتنا ربما في أمسّ الحاجة إليه كعدّة شغل أساسية في قمع الدعوشة.

وقبل أن أتابع تنظيري الشخصي، وكي لا ندخل في جدل فينيقي/عروبي، وهو مثل البيزنطي إنما رباعي الدفع، أودّ أن أشير إلى مصادفة تاريخية لعلّ حسين يشرحها لنا، وهي أن رجلاً يتحدث ويكتب العربية من آل معن (عرب) يُدعى فخرالدين (اسم عربيّ) استخدم عبارة أمير "فينيقيا" في ختمه الرسمي، البعض يقول نادرًا، وهو استُقبِل من قِبَل الأمبراطوريات والإمارات (توسكانا الشهيرة مثلاً) كأمير لهذه الصفة، والتي كان اعتمدها أيضًا المؤرخون "المعتَبَرون" وخصوصًا المعاصرون لتلك الحقبة. فهل كان المؤرخون يتحدثون عن شيء يتواجد في المخيلة فقط؟ أم أنه ـ "حقيقيّ أم متخيّل"؟ ـ كان موجودًا في الوعي العام وبديهيًّا. هذا رغم كل التحولات التي ذكّرنا حسين بها، من توسّع ثقافي عربي، طبيعي كما اليوناني قبله، إلى الفتح الإسلامي لاحقًا ومن ثم العثماني للمنطقة.

كان الرجل إذًا، حسب التعميم الحالي، "عربي" وبنفس الوقت أمير "فينيقيا" الخيالية هذه حتى ولو لمرّة واحدة.

استنتاجًا، يبدو أن العروبة التي تحدث عنها الرفيق حسين ـ أي ما قبل المشروع الديني (الفتح الإسلامي)، وأضيف قبل المشروع السياسي أيضًا (حسين، ناصر، بعث) ـ كانت عربيّة (مع ال التعريف) ولم تكن "عروبة"، والفرق شاسع. كانت ثقافة، تتمدّد طبيعيًّا كحضارة جديرة واعدة، تحترم الجغرافية والمجتمع (الوطن) ولا تسعى إلى إلغاء التاريخ (فينيقيا، لبنان وخلافه) أي، كما تمنّاها حسين في مقالته، كعروبة هي ايضاً متخيلّة جدًا. أو كما هي الحال اليوم مع الفرنسية والإنكليزية مثلاً وهو ما قصدت في ما كتبت.

واستنتاجًا أيضًا، يبدو أن فينيقيا والحكم الذاتي (الجبل) ولبنان تعايشوا مع العربية الحضاريّة هذه عبر كل هذه الحقبات، ومع الثقافات السائدة الأخرى آنذاك من آرامية وسريانية ويونانية. بل إن مجموعات كثيرة (الموارنة والسريان مثلاً) اعتمدتها وتخلّت، إعجابًا او تشاطرًا، عن تراثها تقرّبًا منها وحتى الانصهار شبه التام بها ـ خيار قد تُبرهن الأيام أنه كان انتحاريًا. بينما اختارت مجموعات اخرى (الأكراد مثلاً) ان تحفظ ثقافاتها ولغاتها وتعتمدها لغة وثقافة موازية تسعى إلى التفاعل العميق معها من أجل الصالح العام أو للحاجة فقط.

أما في العودة إلى الفكرة الأساسية، فعلينا التفريق المفرط والتذكير اليومي بالفرق بين العربية، كلغة وثقافة وحتى مشروع كومنولث ما كحدٍّ أقصى، وبين العروبة كمشروع سياسي، أيًّا كان مدّعي امتلاك حقيقته ـ أكان ديمقراطيًّا منفتحًا أم مثّقفًا طموحًا، أكان ممانعًا أهوج أم مدّعيًا كذابًا، متزمّتًا عصاميًا أم متحجّرًا مريضًا ـ فهنا لبّ المشكلة والأصل.

علينا إذن ان نقمع العروبة كفكرة سياسية من جذورها كما الخلط بينها وبين العربية كثقافة، عن حسن نية كان الخلط أم عن ممانعة.

فلنتصور مثلًا أن تقوم دولة كإسبانيا بإعلان مشروع الجمهوريّة الإسبانية المتّحدة، التي تمتد من المحيط (الأطلسي إياه) إلى الخليج (أوشويّا في الأرجنتين). طبعًا لأننا "كلنا إسبان" و"الإسبانية تجمعنا". وصولاً إلى "أرض الإسبان للإسبان" و"أمة إسبانية واحدة ذات رسالة خالدة" وممَّ تشكو عندها أوبريت "الحلم الإسباني"؟

علامَ كنا حصلنا؟

سوف تكون البرتغال إما سُلخت عن أيبيريا الكبرى وها هي (شامها) إسبانيا تودّ استعادتها أو أقلّه السيطرة عليها. أو قطعة عزيزة من الأمة الإسبانية احتلها البرازيليّون، بعدما كانوا أقلية، بحجة أنهم السكان الأصليون ولأنه كان قد وعدهم بها وحدهم الإله نفسه الذي وعد الإسبان وحدهم أيضًا بالغلبة.

وفي هذه الأثناء فإن بعض المتضرّرين (الأقليات من غير الكاثوليك) بالتعاون مع بعض المستفيدين (الكاثوليك الحالمين بالحلول مكان نظرائهم في السلطة) سيحاولون خلق حالة علمانيّة (جديّة أو مزاح)، وإلا لن يروا السلطة هذه في حياتهم.

وقد ينشئون أحزابًا لهذه الغاية تحت اسم "حزب البعث الإسباني" أو "الحزب القومي الأيبيري الاجتماعي". وسيخوضون مواجهة شرسة مع فلول "الكتائب الكاتالونيّة" الانعزالية اليمينية المتحالفة مع أعداء الأمة الإسبانية. وسيكون هؤلاء رأس حربة (صوتيّة طبعاً) في القضايا المصيرية الإسبانية لا سيما أن احتلال البرازيليين للبرتغال هو ما سيؤخر قيام العدالة والديمقراطية والبحبوحة. فالأمة تتعرض لمؤامرة ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة. وستقتضي المعركة دعم الجبهة الشعبية لتحرير البرتغال على حساب منظمة التحرير البرتغالية العميلة للرجعية الإسبانية. تتخلّل الظروف الحساسة الدائمة هذه طبعاً حفلات ندب حظ الأمة.

وفي المقابل سيقوم المتطرّفون الرجعيون من الإسبان بإنشاء منظمة "الأخوان الكاثوليك" وعندما تسنح الفرصة ستحاول السيطرة على البلاد عبر انتخابات عنفيّة (وبدعم من عثمانيا وإمارة موناكو الطموحتين). أو بإنشاء الدولة الكاثوليكية في البيرو وكولومبيا ـ "دكبك"، بقيادة البابا أبي شارلمان البوغوتي، وتصبح "دكبك" تلك على كل لسان. السبب طبعاً استيلاء الكفرة والمرتدّين، المدعومين من الولايات المتحدة العربية، على السلطة في مؤامرة على الأمة الكاثوليكية، التي لن تكفيها الأمة الإسبانية. فهي لديها طموحات تضم الفرنسيين والطليان وكل من تسول له نفسه أن يقول أنا كاثوليكي. أما الرافضة من البروتستانت والأرثوذكس فلهم حساب آخر.

وطبعاً سيقوم البروتستانت هؤلاء، الحالمون تاريخيًّا في إحياء الأمبراطورية البريطانية، بالتآمر على الأمة الإسبانية عبر دعم حزب "الرب" ـ المقاومة المسيحية في إسبانيا، وفي جنوب الهلال البروتستانتي تحديدًا، انطلاقاً من ضاحية "جبل طارق"، وذلك لمواجهة الاعتداءات البرازيلية المتكررة واستعادة الأرض المقدسة. سوف يحتكر الحزب "الاسترداد" (Reconquista) وسيستشهد الكثير من أشرف الناس فيه ومن ناسه وبيئته دفاعًا عن كل الشرفاء من الكاثوليك والبروتستانت، وحتى الأقليات من يهود ومسلمين، وطبعًا الأخوة في البرتغال المحتلة وخاصة حركة المقاومة الكاثوليكية "حماك"، هذا بينما يقف العالم إما متآمرًا وإما متفرّجًا. الحزب سينتصر طبعاً. وسوف تُتَّهم شبه الجزيرة الإيطالية، حيث يقع الفاتيكان، تارةً بدعم وتمويل الإرهاب الكاثوليكي وطورًا بالطلب إليها التعاون لمحاربة الإرهاب الجزويتي.

وفي هذه الأجواء سيستخدم البعث الإسباني وحزب الرب من جهة والأخوان الكاثوليك وحركات الجهاد الجزويتي من جهة أخرى، بعضهم البعض لمحاصرة الاعتدال الكاثوليكي طمعًا بالسلطة، أو ليتقاسموها معهم عندما لا تسمح الظروف بذلك. وذلك إما بحجة الأمة الإسبانية الخالدة (العلمانية بالتأكيد)، أو الهلال البروتستانتي (وولاية الأباتي العام في لندن)، أو الأمة الكاثوليكية (وقيام البابوية في مدريد).

وبالتأكيد سينفتح المغامرون من الكاثوليك والبروتستانت المعتدلين على الانعزالية الكاتالونية ليتعاونوا على الطرفين، ومعهم عند الحاجة، لطعن بعضهم البعض في الظهر. وذلك في حفلة تكاذب وطنية فولكلورية خلاّقة أحيانًا وسخيفة غالبًا. موحَدّين  طوعًا أو مرغمين، تحت راية "جيش شعب ومحاكم تفتيش".

اندحرت "البريطانية" في أميركا وأماكن اخرى، وقد تندحر في كندا واستراليا وحتى في اسكتلندا (كما حصل مع "العروبات" الأخرى من فرنسية وغيرها). ولكن الإنكليزية، كثقافة ولغة، بقيت وازدهرت وعظمت، وقرّبت بين الناس على اختلافهم أكثر ممّا باعدت.

فعلى العروبة بمفهومها الحالي المبتذل كأمّة أو مشروع سياسي أن تتراجع طوعًا او قسرًا لصالح العربية، وإلّا فلكل حقبة داعشها، تارة باسم القومية وأخرى باسم الدين.

أما أن يتفاعل المرء بصدق وإيجابية مع محيطه، أكان منه وفيه أو لم يكن، فهو أمر بديهي. ولكن البديهي أيضًا أن أحدًا لا يحب أن يكون على هذا المستوى من التفاعل مع جسمٍ مريض، مهما اقتضت الحاجة او العاطفة، فالأمر إما معدٍ أو فتّاك.

في المحصلة، أوافق عبد الحسين الرأي في مجمل مقصده، إلّا في ما تعلّق "بالأساطير المؤسسة". فكل جغرافيا، سخفت أم عظمت، بحاجة الى تاريخها "الحقيقي أو المتخيّل" لخدمتها وليس العكس، أي كما سخّرت العروبة (وقبلها النازيّة وغيرها) الجغرافيا ومصائر الناس لخدمة "اسطورتها المؤسسة" الخاصة بها.

لن يبنيَ نهاية سعيدة لقصّته من لم يكتب لها بدايةً جيدة.

مقاتل من "داعش". (فايسبوك)

  • pal malater

    Simply outstanding.!. although i thought you were a 'bit' harsh on the brilliant . We Lebanese are like the ENGLISH SPEAKING IRISH..Hazem Saghiyeh

    20 آب 2014

  • جوزف أبو الزوز

    رائع و ماتع هذا العلو الفكري استاذ ايلي. ملاحظة صغيرة : الاستناد على فخر الدين المعني و التأسيس على ما كان يقوله أو يقوم به هو كالإعتماد في زمننا هذا على ما يقوله وليد جنبلاط الآن لينكره بعد ربع ساعة. فخر الدين ، و في تنسيب نفسه إلى فينيقيا، كان كمنافق داهية يحاول دغدغة مشاعر الأوروبيين موهمًا إياهم بتنكّره للإسلام و العرب، هو الذي ادعى أمام دوق توسكانا بأنه مسيحي، و وصل به النفاق بأن يدّعي - في توسكانا أيضاً - بأن الدروز هم أحفاد الصليبيين و بأن تسميتهم بالدروز تأتي من انتسابهم إلى القائد الصليبي الكونت de Dreux.

    19 آب 2014

  • قارئ جيد

    برأيي في هذا المقال من ترف فكري لقراء الخاصة المثقفة و ليس للعامة, لذلك شكرا. ردا على تعليق SURREAL حول شعب الفينيق, كقارئ جيد للتاريخ اضيف على سؤال الكاتب في ختم فينيقيا سؤال العامة في سبب الشبه المطابق بين رسم خطوط بعض الاعلام و بين رسم شراع السفن الفينيقية قديما.

    19 آب 2014

  • KUBY

    ولا اتفه

    18 آب 2014

  • SURREAL

    الاساطير المؤسسة حتى لو كانت شبه متخيلة يجب ان تحوز على حد ادنى من الصدقية كي لا يكفر بها سريعا ...فحوص ال DNA في شعوب و طوائف شرق المتوسط تنسف سريعا كافة الاساطير المؤسسة الشائعة من امة عربية واحدة و من شعب الفينيق الخالد

    18 آب 2014