10

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


ايـلـي خـوري

داعش وافتضاح تاريخنا غير السحيق

العروبة هي التي وضعت نفسها في مواجهة كل من وما ليس عربيًّا

أبو بكر البغدادي أمير الدولة الإسلامية - داعش

قرأت بتلذّذ وابتسام مقالة الصديق حازم صاغية الأخيرة على موقع NOW والذي حمل عنوان "داعش وافتضاح تواريخنا السحيقة" فوافقته المقصد العام، ولم أوافقه بعض الرأي. فأنا، وللصدفة، من أصحاب "البلاهة المشوبة بسوء النوايا" حينذاك، ولعلني مازلت. لذا لي ملاحظة واحدة على ما ورد واعتراضان.

 

الملاحظة في المقدّمة والتي سأعرضها كما جاءت في مقالة الصديق، إنما بتعديل طفيف لتصبح من وجهة النظر المقابلة: "حين كنا شبّاناً، كان يسلّينا، وفي الوقت نفسه يستفزّنا، كلام الكثير من اللبنانيّين عن العروبة وعن أننا عرب. فهذا الكلام كان يبدو لنا، في أجوائنا اللبنانيّة "اليمينيّة" حينذاك، ضربًا من سوء النوايا المشوب بالبلاهة".

 

فالمقدمة إذًا قد تصلح أيضاً لوصف الحالة في المقلب الآخر- السطحي منه والأعمق. لذا لا اعتراض بل مجرّد ملاحظة كمقدمة للاعتراضَين.

 

أما الاعتراض الأوّل فهو على "السيّئ فيها". فالحضارات الفينيقيّة والفرعونيّة و"ما بين النهرينيّة" وحتى الكرديّة وحضارة البربر، لم تضع نفسها في مواجهة العروبة بداية، إنما العروبة هي التي وضعت نفسها في مواجهة كل من وما ليس عربيًّا. ولا حاجة للتذكير بأدبيّات وأفعال العروبيّين أيامها. كانت العروبة "داعشيّة" إلى حد كبير أيضاً. فالعروبة وتردّداتها الصوتيّة الفارغة كانت المقياس، وإلاّ فأنت خائن (بدلاً من كافر) وتستحق الشنق (بدلاً من الذبح) وفي الحد الأدنى أنت أبله تستحق الشتم والاستهزاء. الفارق أنّ داعش لم تمتلك بعد حسّ الفكاهة هذا. 

 

ثم إن الجزم بأنّ "عروبتنا" قائمة بمجرّد أننا "نتحدّث لغتها ونتسمّى بمفرداتها" فهو شيء فيه الكثير من اللامنطق. فهل البرازيليون برتغاليون لأنّ لغتهم وأسماءهم برتغالية، وهل معظم شعوب أميركا اللاتينية من الإسبان؟ وماذا عن الأميركيّين والأستراليّين والكنديّين والاسكتلنديّين وغيرهم، فهل جميعهم إنكليز ولم ننتبه؟

 

جميعهم يتحدثون بهذه اللغات ويُسمَّوْن بأسمائها، ويكتبون الشعر والمسرح والفن بتلك اللغات، فهل نقسم العالم إلى بلاد عرب وإنكليز وإسبان وفرنسيّين؟ وهل نمحو كل تلك الحضارات السحيقة والثقافات فقط لأن ألسنتهم تتكلّم لغات محدّدة؟ فكما شاءت ظروف التاريخ أن ينشر الاستعمار الأوروبي اللغة الإنكليزية والفرنسية والإسبانية وغيرها في بقاع تجاوزت مكانها الأصلي بمساحات، شاءت الظروف إياها أن ينشر الإسلام اللغة العربيّة والتي ما كان للتاريخ أن يمنحها القيمة الحالية إلا بسبب إنجازات الإسلام فيها وليس العروبة بالضرورة.

 

أما الاعتراض الثاني، فهو على "الأبله فيها" أو عن السبب الذي جعلنا "لا نعرف من تلك الفينيقيّة المتضخّمة إلاّ بضعة آثار ميّتة ورسومًا ونقوشًا حُفرت بها". وهو أوّلاً أنّ الكثيرين منا وُلدوا وشعاع بصرهم لا يتعدّى طول أنفهم العربي. قيل لهم عروبة فمشوا، فلسطين فبكوا، مؤامرة فصدّقوا. قلنا لهم هناك تاريخ ما قبل الطوائف، تهكّموا. قلنا لهم مشروع ضبابي صعب التحقيق، قالوا خونة. قلنا لهم البيت أوّلاً، قالوا الجوار أوّلاً وإلّا لا بيت.

 

ألم يقم هؤلاء بقمع تاريخ الفينيقيّين وغيرهم مثلاً، ألم يصارعوا كتب التاريخ السائدة بحجّة الانعزالية أو الاستعمار، تارة بالـ"بسودو" تاريخ وأخرى بالتسخيف والتجاهل. ماذا كانت مشكلتهم مع فيليب حتي مثلاً؟ ألم يمارسوا الضغط الثقافي والعرقي بما يشبه، إلى حدّ كبير، ما مارسته النازية والبولشفية سابقاً، وكما مارسته الخمينيّة وطالبان حديثًا، وداعش أخيرًا؟

 

لست هنا لأدافع عن التاريخ الفينيقي، فهذا حديث آخر، وما علينا إلاّ مطالعة ما ينتجه الغرب عن الموضوع، وفي الفترة الأخيرة على الأقل علّنا نستنتج شيئاً. علماً أنّ دايونيس، المؤرخ الإغريقي، كان وصفهم في حوالى العام الثالث قبل الميلاد بأنّهم "أوّل مؤسّسي العالم العظماء، مؤسّسي مدن ودول جبارة… وهم أخذوا من الأرض اليسير وإنما أخذوا من البحر الكثير". أي أنهم لم يَستعمروا، وربما كانت هذه مشكلتهم.

 

ومن ناحية أخرى، أليست العروبة متضخّمة أيضًا؟ كم كان ليكون حجمها في صفحات كتب التاريخ لولا الإسلام؟ فلو لم ينتشر الدين لما انتشرت اللغة، ولربما كان حجمها كمثل الحضارات الأخرى أكبر أو أصغر بقليل، يذكرها التاريخ استلطافًا أو اعترافًا، ولكن بالتأكيد ما كانت لتكون بحجم حضارة الإغريق أو الروم، أو العرب كما هي اليوم، وغيرهم ممن يحتلون معظم صفحات كتب التاريخ في أيامنا.

 

ليس سرًّا أنّ لبّ الحديث في المقالتين ليس الفينيقيّة ولا الفرعونيّة ولا "بين النهرينيّة" إنما يتعلّق بنسخاتها المعاصرة أي لبنان ومصر والعراق والآخرين.

 

فالخلاف بين الطرفين ليس عقائديًا في حدّه الأعمق إنما هو عملي. فلا اللبناني "الفينيقي" يعتبر نفسه حفيد حيرام، ولا المصري "الفرعوني" يعتبر نفسه سليل تحتمس أو غيره، ولا الخلاف على اسم الوطن أكان لبنان، مصر، العراق، تونس أو غير ذلك، إنما على وجهة استعمال هذه الأوطان.

 

"الفينيقي" أو "الفرعوني" مثلاً يعتبر نفسه لبنانيًا أو مصريًا قبل أي شيء آخر، وبالتالي فهو يقبل بالعروبة كـ"كومنولث" ثقافي أو اقتصادي مثلاً، لكن ليس على جثث مصالح شعبه ووطنه.

 

أما الحال مع أخوتنا العروبيّين، إذا كانوا "دايت"، فهم أيضًا لبنانيّون ومصريّون وعراقيّون وخلافه. ولكن ضمن وضع موقّت فيه الكثير من سوء النيّة في انتظار الحالة العربية الواحدة. أما إذا كانوا "سكّر زيادة" فهم عرب فقط يوفرّون على أنفسهم عناء اعتبار أنفسهم جزءًا من أوطانهم ليقطعوا "خط عسكري" مع أقرب قائد أمّة لديه عسكر أو فلوس، أما الأوطان فلشو؟

 

فالخلاف بين الخيارين إذًا هو على دور الأوطان وليس على قِدم الحضارات أو ضخامتها. الأوّل يعتبر وطنه ملاذه الأوّل والأخير وإلاّ الهجرة. والآخر يعتبره محطة قطار لا بدّ أن تصبح خلفه عندما يصل القطار المنشود، وهو-طبعاً- لن يأتي.

 

لو كانت تلك الحضارات أو حتى نسخها الركيكة الحالية منها كلبنان، ومصر والعراق وغيرها، ما زالت قائمة بحدّها الأدنى، لو لم تنتحر أو تُنحر على مذبح العروبة، لما كان هناك من داعش، ولا حتى ولاية فقيه.

 

في المحصّلة، أوافق الصديق حازم الرأي على كل الخاتمة باستثناء المزدوجين ” “ حول كلمة الأصالة. لكن لا بد من التذكير بأنّ أحدًا لم يرد استعداء العروبة، ولكن على العروبة أن تبادر لأن تصبح أقلّ "داعشيّة" أوّلاً، أو كما أظنكم تسمّونها مؤخرًا، عروبة منفتحة أو شيئًا من هذا القبيل، وإلاّ فعشتم وعاشت داعش و"الدولة" و"الهلال" وعاشت "العروبة" خالدة "بغداديّة" كما هي اليوم.

أبو بكر البغدادي أمير الدولة الإسلامية - داعش

لا بد من التذكير بأنّ أحدًا لم يرد استعداء العروبة، ولكن على العروبة أن تبادر لأن تصبح أقلّ "داعشيّة" أوّلاً

  • Abd9955

    اي عروبة وعرب الكل الات عارب فلا فهوذ ولا بطون شوفينية اسطنوعوها ساسة ووكلا ء الانتداب الفرنسي والنجليزي في بلاد الشام وشمال افريقيا بالتقسيم الاقليميوالدويلات والجمهوريات الايطالية نحن بحاجة لمهاجر يعود ويعبر المضيق ويوحد ايطاليا

    12 آب 2014

  • لب لب

    شخصيا أؤمن بأن الشعوب خليط وبالنسبة للعرب بالدم فهم قلة واكثرهم فيما يعرف اليوم بالعربية السعودية حيث لا زالت القبائل العربية موجوده ومعظمها لاتختلط عرقيا الا بعرب اقحاح مثلهم ولكن حتى هناك يوجد نسبة من المواطنين اتوا من خارج البلاد في الاصل . المهم ان الفينقيين شعب سامي والشعوب السامية كلها في الاصل من جزيرة العرب وان لم تكن من نسل قحطان او عدنان. الذين يعتقدون بأنه كان هناك مئات الوف او ملايين العرب في جزيرة العرب وهاجر بعضهم مع الفتوح الاسلامية يخدعون انفسهم بهذا الكلام لانه لم يكن هناك في جزيرة العرب عدد كبير من الناس يهاجر بعضه ويملاء كل هذه البلاد وفي الواقع ان هجرات الاكراد والمماليك والشركس والتركمان لبلاد الشام وشمال العراق تفوق بكثير في عددها هجرات العرب .

    12 آب 2014

  • كُليب

    سطحي كتير و فاشل هالتحليل .. قال فينيق قال :D وين هود ؟ و ليش الموضوع بس لغة مثلاً ؟ وين العشائر و القبائل من حساباتك ؟ و مين قلك أنو البرازيل أو اللاتين شعوب ؟ و أنو النازية مو واقعية؟ يا عدو السامية يا أنت

    9 آب 2014

  • sonja

    Thank you Mr Khoury for bringing the truth out ...

    7 آب 2014

  • Shady Zoghby

    ليش يا إيلي ما بتكتب دايماً أو بشكل أسبوعي عالقليلي؟ صرلنا زمان ما سمعنا صوت لبناني لبناني.

    7 آب 2014

  • Franck Salameh

    A brilliant tour de force!!! Thank you

    7 آب 2014

  • شكيب خليفة

    ابصم بالعشرة ل ZANA

    7 آب 2014

  • hossain

    الفكرة ان لا نكون مهما اردنا فنيقيون او من اصول عربية " من الجزيرة " فلا المسيحي اثبت ان جدوده فنيقيين ولا المسلم اثبت ان جدوده فقط من الجزيرة العربية. ولكن الثابت ان الجميع ولدوا في لبنان وليكن هذا المولد اثبات للبنان انه الوطن النهائي بغير الاستقواء على اخوتنا بالوطن بقوى خارجية . 7-8 / 7:25 GMT

    7 آب 2014

  • حفيدُ الغساسنة

    مقالٌ رائعٌ بامتياز، لكنّك لم تذكر لنا ما إذا كان ’أميرُ المُدمِنين‘ إسرائيليًّا كما يَرِد في أخبار الصَّفيُونيِّين

    6 آب 2014

  • zana

    وكل يفسر على ليلاه.....نحن بحاجة الى فكر يحترم الفكر الاخر......الله يرحم الفكر

    6 آب 2014