0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


ألكس راول

حياة صحافية في حلب: "سباق مع الموت"

زينة ارحيم

مع توجّه أنظار العالم إلى آلاف اللاجئين السوريين الذين يموتون وهم يحاولون الوصول الى أوروبا، قد يبدو أمراً لا يصدّق بأن تختار سوريّة تعيش في لندن طريقاً معاكساً، فتستبدل أمان العيش في بريطانيا بسماء حلب التي تسيطر عليها المعارضة وتمطر فيها البراميل المتفجّرة.

 

غير أنّ هذا هو الطريق الذي اختارت الصحافية والناشطة زينة ارحيم، 30 عاماً، من إدلب، أن تسلكه عام 2013، حيث تركت عملها في الـ BBC Arabic من أجل تدريب صحافيين سوريين، وفي وقت فراغها، تقوم بتقارير حول الجبهات المدمرة والمليئة بالدماء والقتل.

 

وقد نالت على جهودها، في آب 2015 جائزة بيتر ماكلير للصحافة الشجاعة والأخلاقية، التي تديرها منظمة "صحافيون بلا حدود" ووكالة الصحافة الفرنسية. وهي تعمل كذلك منسّقة مشروع سوريا في معهد صحافة الحرب والسلام. تحدّث موقع NOW مع ارحيم عبر البريد الالكتروني لمعرفة المزيد حول قصتها الاستثنائية.


NOW: كيف لك أن تلخّصي لنا الوضع في حلب اليوم؟
زينة ارحيم: الفوضى عارمة، نبقى على قيد الحياة بالصدفة، متوقّعين التعرّض لهجوم في أي لحظة. عندما زارني الصحافي من دير شبيغل كريستوف رويتر في حلب أخبرني بأننا جميعاً نبدو له كائنات غريبة مخيفة كما لو أنها ميتة، ولكن الفارق الوحيد هو بأننا نعيش مع الموت، ولم نمت بعد.


ثمّة قوة خارقة ما تساعد المدنيين على الاستمرار في الحياة. يحاولون تخطّي مشكلة النقص في المياه، وانقطاع الكهرباء (في أحسن الأحوال تأتي الكهرباء ساعتين في اليوم)، حتى عندما منع داعش وصول المحروقات وأصبحت أسعاره مرتفعة جداً، بدأنا نرى دراجات هوائية في الشوارع. من المدهش كيف أنّ الناس يمكن أن يتكيفوا مع مثل هذه الظروف الشديدة الصعوبة.

 

بعض السيارات تعلّق على جانبيها كلمة "تاكسي" لتتحوّل الى سيارة أجرة. بعض أصحاب السيارات يقصون قنينة 7up ويضعون ضوء LED في داخلها، ومن ثم يجعلون في السقف الخلفي حفرة فتبدو من بعيد ليلاً كأي سيارة أجرة عادية تسير في الشارع.

 

ثمّة حافلات صغيرة مليئة بالركّاب، على الرغم من أنها ليست مدمّرة تماماً، لكن ليس لها نوافذ، وحتى نافذة السائق مكسورة. بشكلٍ عام، معظم الزجاج مكسور والناس يستبدلونه بالبلاستيك. لدي بعض النوافذ الزجاجية في منزلي، ولكن اليوم حتى البلاستيك مكسور بسبب التفجير الأخير.

 

الناس يتابعون "حياتهم" لحين قدوم طائرة الهليكوبتر. وحينها كل شيء يتوقّف، الأمر هستيري حيث الجميع يرفعون أنظارهم نحو السماء، السائقون، والمشاة، والمتسوقون. يقول صديقي إنه عندما يكون هناك طائرة في السماء، يمكنك أن تبوّل في وسط الشارع وما من أحد سوف يلاحظ! كما لو أنّ معرفة المكان الذي ستقصفه سوف يغيّر أي شيء! لا لن يغيّر شيئاً. والأكثر رعباً هو سماع قناة "watchers" على الجهاز اللاسلكي، لمعرفة مسار الطائرة وإذا ما كانت قد أنهت تفجيرها أو لا يزال لديها بعض البراميل التي ستسقطها. الوضع يبعث على التوتّر الشديد، لا سيّما وأنّ القنبلة التي تصيب مبناك لا تصدر أي صوت. ولذلك فطالما أنك تسمع أصواتاً فهذا يعني بأنّ حظّك بأن تكون على قيد الحياة لا يزال مرتفعاً.


NOW: كيف تحافظون على رشدكم في مثل هذه البيئة؟
ارحيم: لا أعتقد بأنّ أياً منّا في صحة عقلية جيدة، جميعنا فاقدون لرشدنا وكل منّا يعبّر عن ذلك في طريقة مختلفة. بعضنا يعبّر عنه بطريقة ايجابية، مثل العمل بجدّ لتحقيق أهدافنا قبل أن نُقتل. الأمر أشبه بالسباق مع الموت. هذا هو الجانب الجيد من القصة، تشعر دائماً أنّك مستعجل لإنهاء ما تفعله لأنّ بعد ساعة، أنت أو من يعملون معك يمكن أن تختفوا من الحياة.


بالنسبة الى الناشطين، الأصدقاء هم أفضل دعم. لقد عشتُ دقائق رائعة ودافئة في العام الماضي لم أعش مثلها في حياتي. أقيمت لي مثلاً حفلة عيد ميلادي كمفاجأة في قبو مع قرابة الـ 15 صديقاً مقرباً مني. قاموا بكل شيء كما لو أنّ الحفلة مقامة في مطعم فخم، حتى أنهم اشتروا زينة للقبو من تركيا.

 

كما استضفتُ في منزلي زفاف أحد أصدقائي وكنّا نرقص بينما قذائف الهاون تتساقط، ولذلك رفعنا صوت الموسيقى لكي ننسى ما يحصل في الخارج.

 

عندما تكون قريباً من الموت، تتعلّم الاستمتاع بالحياة الى أقصى حد. حيث لا تعود رخاوة تأجيل دقيقة ما من الفرح متوفرة لك.

 

NOW: من الناحية العملية كيف تعملين، كيف تستطيعين السفر وعقد الاجتماعات ونشر أعمالك، وغير ذلك؟

ارحيم: أنا محظوظة كوني أعمل لدى منظمة دولية وأقبض راتبي بالدولار، وليس بالليرة السورية، ولذلك يمكن أن يكون لدي إنترنت خاص بي، ويمكنني شراء مولّد كهرائي، وبطاريات إضافية لكي أبقى على اتصال معظم الوقت.


أسافر دائماً مع زوجي أو مع أحد أصدقائي الموثوقين ممّن يعرفون الطرقات بشكل جيد جداً. نعم، دائماً ما نتعرّض لإطلاق نار، أو يتعرّض طريقنا للقصف، ولكنه يبقى أكثر أمناً من المدينة (هناك أمور أقل يمكن أن تقتلك بواسطة شظاياها). نعقد في العادة اجتماعاتنا في منازل أو في بعض الأماكن العامة القليلة المتوفرة للاستخدام، وهي عبارة عن مسرح بُني في قبو إحدى المدارس. فقد أقامت فرقة Bread Way للدمى المتحركة مسرحية لها هنا في العام الماضي وهي تعمل اليوم على إقامة مسرحية جديدة.

 

NOW: لقد درّبت قرابة الـ 100 شخص. أي نوع من الأشخاص كان المتدربون؟ وهل يستطيعون إيجاد عمل؟

ارحيم: بالنسبة الى المتدربين الذكور، معظمهم صحافيون مدنيون ممارسون، ويريدون الحصول على مهارات مهنية. بالنسبة الى النساء، فقد اتصلت مع كل من تهتم بالتعليم، لذلك فمعظمهن ربّات منازل، ومعلمات، ومن يعملن مع المنظمات غير الحكومية وقد بدأتُ معهن من الصفر. بعضهن لم يصلن حتى الى الصف الثانوي الثالث، ولكنهن يردن أن يعملن وفي النهاية استطعن كتابة أشياء رائعة.


بعض المتدربين يعملون مع وكالة الصحافة الفرنسية، والجزيرة، وتلفزيون الآن، والعربية، وراديو الكل، وراديو فريش. ولكن أكثر ما يشعرني بالفخر هنّ النساء اللواتي لم يكن يعرفن كيفية كتابة يومياتهن، واليوم ينشرن كتابتهن ليس فقط على موقعنا الالكتروني في مكتب دمشق، بل كذلك في مجلة Soar، ومجلة ضوضاء، وموقع الآن الالكتروني وروزانا. بعض من دربتهم (ثلاثة منهم على وجه التحديد) طلبوا مني مواد دعم وتعليم وقاموا بالتدريب نفسه لـ 15 شخصاً، ومن تدربوا على يدهم يعملون كذلك الآن. لا شيء أسعد من قراءة قصصهم المكتوبة!


NOW: هل هذا هو العمل نفسه الذي تعملينه مع معهد صحافة الحرب والسلام؟
ارحيم: مع معهد الحرب والسلام، انا منسقة مشروع سوريا ومدرّبة، ولذلك فهذا جزء من عملي مع معهد صحافة الحرب والسلام، ولكن لدي كذلك مهمات اخرى. فقبل ثلاثة أشهر، أسستُ مركز My Space، وهو عبارة عن مقهى إنترنت للنساء حصراً.

 

في العادة لا تستطيع النساء دخول مقاهي الإنترنت لأن أكثرية روادها من الرجال، والاشتراك فيها غال، وحتى لو دخلنها، لا يوجد من يرشدهن الى طريقة استخدام الانترنت.

 

هذا يعكس الحاجة الى فتح باب الإنترنت أمام النساء المحليات، وبشكل مجاني. فإمكانية الدخول إلى الانترنت لا توسّع فقط رؤية النساء بل وتساعدهن على الحصول على وظائف من خلال الوصول الى فرص العمل المعروضة على الانترنت، وتمكّنهن من خلال امتلاك وسيلة تخرجهن من عالمهن المغلق.


NOW: هل تلقى فكرة "إقامة منطقة آمنة" رواجاً في حلب و/أو مناطق أخرى في سوريا؟

إرحيم: المنطقة المقترحة لا تغطّي لا مدينة حلب ولا محافظة إدلب، ولذلك فهي لن تؤثّر على أكثر منطقتين مأهولتين؛ فأي عائلة لاجئة في تركيا مثلاً، لن تذهب الى مارع إذا كانت من ضمن المنطقة الآمنة لو كان منزلهم في إدلب.


سوف تكون منطقة آمنة بدون ضربات جوية، بالتأكيد لن يعترض عليها أحد، لا سيّما من يعيشون في المخيمات داخل سوريا، ولكن هذا لا يحلّ سوى جزء صغير من مشكلة كبيرة.

 

NOW: ماذا كانت ردة فعل الناس حول وضع اللاجئين السوريين إلى أوروبا (مثل إستقبال ألمانيا لاجئين جدد، ومنع بلدان أخرى مثل هنغاريا هؤلاء من دخولها)؟
إرحيم: على مدى الأشهر الستة الأخيرة أغلقت تركيا حدودها تماماً مع سوريا. وقُتل العديدون وهم يحاولون الهروب إليها، وبالتالي فقد بدأت رحلة اللجوء للقادمين من سوريا بكفاحهم للعبور الى تركيا قبل ركوب البحر. أعرف العديد من العائلات (أغلبهم من أقربائي) دخلوا الى أوروبا بشكل غير شرعي.

 

75% منهم كانوا يعيشون بأمان في تركيا، ولكنهم يريدون لأولادهم بأن يتسجلوا (معظمهم بدون جنسية) أو أنّ جوازات سفرهم منتهية الصلاحية. هم يريدون الاستقرار وتركيا هي ملجأ مؤقّت لنا. وبما انهم لا يرون أي ضو  في نهاية النفق فقد قرروا البحث عن مقصد أخير.

 

مقارنةً بما يحدث داخل سوريا، كل ما يمر به اللاجئون خفيف وسهل، ولذلك لا يوجد عموماً الكثير من التعاطف معهم من قبل من يعيشون داخل سوريا. فأولئك على الأقل يسعون الى حياة أفضل ويموتون سعياً اليها.


NOW: وزير الخارجية الأميركي جون كيري رأى أنه "ليس بالضرورة بأن يغادر بشار الأسد في هذا اليوم او هذا الشهر، أو ما الى ذلك" ودعا إلى دور روسي، ما صدى ذلك في حلب؟
ارحيم: منذ أربع سنوات وحتى اليوم بدت روسيا عدواً واضحاً لنا. حتى أننا ندعو وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وزير خارجية سوريا. وأشعر شخصياً بالتوتر عندما أسمع اللغة الروسية حين أكون في لندن.

 

إن منحهم دفّة القيادة في سوريا يعني الإبقاء على الطاغية في السلطة، والاستمرار في عملية التطهير في سوريا مما سيؤدي الى انقاذ داعش وما بُني عليه.

 

"العالم بأسره ضد السنّة ويعتبرهم إرهابيين يستحقون القتل، في حين يدعم الميليشيات الأجنبية الشيعية الجهادية مثل الميليشيات العراقية وميليشيا حزب الله، وداعش هو الوحش القوي الأساسي الذي يزعم بأنه يقاتل ذلك. معظمنا أصدقائي وأنا نعتقد بأنّ عدم المسّ بالأسد والميليشيات الشيعية التي تقاتل الى جانبه، في الوقت نفسه الذي يتم فيه قتال داعش وبعض المجموعات الإسلامية الأخرى يغذّي الإرهاب ليس إلاّ، ويحوّل كل سوري سنّي الى مشروع متطرّف.

 

NOW: ألا يشكّل الإسلاميون مصدر قلق بالنسبة لك، وللتأثير الذي يمكن أن يكون لهم على مستقبل سوريا؟
ارحيم: أنا مأخوذة بالتفاصيل الى حد كبير، ولا يمكنني رؤية الصورة الأكبر، ولا رؤية سوريا بشكل عام، عدا عن رؤية مستقبلها. ما أعرفه الآن هو أنّ السماء هي الخطر الأوّل علي وعلى ملايين المدنيين الذين لا يزالون يعيشون في مناطق يسيطر عليها الثوّار. قد أقتل بسبب الكثير من الأمور مثل تبادل اطلاق نار بين أقارب غاضبين، أو بالخطأ بينما ينظّف مسلّح بندقيته، ناهيك عن احتمال الموت بواسطة شظية ما، أو بتفجير ما، أو اغتيالاً على يد من لا أروق لهم، أو بسكتة قلبية من الخوف.

 

عندما تصبح السماء محايدة وتتوقّف عن كونها مصدراً للموت، وعندما يرحل مصدر الموت (الأسد وعشيرته)، حينها العديد من الناشطين والمدنيين سوف يتمكنون من العودة، ولن يعود قادة الرأي المثقفين العاملين مدنياً قلة كما هم اليوم. وحينها يمكنهم ان يمارسوا ضغطاً على المتطرفين. الناس متعبون من الحرب، وسوف يقفون الى جانب من يطالبون بنزع السلاح ومحاولة تحقيق السلام. قبل تحقّق ذلك، لا أرى أي أمل.

لقد تم اختصار هذه المقابلة لكي يتسّع لها المكان المعد لنشرها
ألكس راول يغرد على تويتر @disgraceofgod

 

هذا المقال ترجمة للنصّ الأصلي بالإنكليزية

(ترجمة زينة أبو فاعور)

نجت ارحيم مراراً من الموت في حلب منذ انتقلت إليها عام 2013 (انستغرام)