0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


ألكس راول

ننسى ولكن لا نسامح

NOW في مقابلة مع رين متري، التي منعت السلطات فيلمها الذي يتحدث عن جذور الطائفية في لبنان

لي قبور في هذه الأرض

تبدو رين متري بينما تجلس وحيدة في مكتبها في السوديكو بعد ظهر يوم الجمعة شخصاً لطيفاً لا يوحي بما وُصف به من "إثارة للنعرات والطائفية والعصبيات المذهبية وتعكير للسلم الأهلي".

 

غير أنّ هذا هو الوصف الذي حصل عليه فيلمها الأخير "لي قبور في هذه الأرض"، الذي عُرض لأول مرة العام الماضي في دبي- حيث اتّهمته لجنة الرقابة الرسمية في لبنان، وعلى لسان رئيس الأعمال السينمائية فيها، بكل ذلك.

 

الفيلم- وهو وثائقي ينطلق من صيحة احتجاج على بيع قطعة أرض لمتري في بلدتها المسيحية الهوية تاريخياً إلى شارٍ غير مسيحي كنقطة انطلاق للمزيد من التحقيق في أمور الطائفية، وهوية الأرض، وأشباح الحرب الأهلية التي لا تزال حتى اليوم تلاحق اللبنانيين من أي خلفية كانوا- تم في وقت سابق من هذا الشهر منعه من العرض على يد وزير الداخلية، عملاً بتوصيات لجنة الرقابة.

 

وعن هذا القرار، تحدث موقع NOW إلى متري، التي اعتبرته "قراراً سخيفاً"، وعن تداعياته.

 

(إضغط على الصورة لمشاهدة الفيديو)

 

NOW: أولاً، كيف يمكن أن تصنّفي الفيلم؟

رين متري: لا أعتقد بأنّي يمكن أن أصنّفه ضمن فئة واحدة، لأنه مزيج من عدة أمور. فهو من ناحية فيلم شخصي يتحدّث عن أمور خاصة، وفي الوقت نفسه فيلم وثائقي استقصائي، ولكن ليس بشكل صحافي، بل بشكل فنّي.

 

NOW: لماذا اختيار هذا العنوان "لي قبور في هذه الأرض"؟

متري: بالنسبة لي هذا العنوان يحمل تفسيرات عدّة. قد يكون له معنى حرفي. وقد يكون لكون كل طائفة من الطوائف في لبنان أو في أي مكان آخر، تزعم بأنّها صاحبة الوجود الأول في منطقة ما، وتعبّر عن ذلك من خلال تحديد الأرض إمّا من خلال القبور، أو المساجد أو الكنائس. وبالتالي يمكن لكل طائفة بأن تقول "لي قبور في هذه الأرض". هذه في الحقيقة جملة مقتطعة من خطاب لرجل دين شيعي، هو محمد مهدي شمس الدين، الذي كان يتحدّث عن قبور الشيعة في منطقة جزين، التي أصبحت اليوم منطقة مأهولة من المسيحيين.

 

لكن الأمر يتعلّق أيضاً بـ"ما الذي يربطني بهذه الأرض وليس بأي أرض أخرى؟" فها هنا دُفن أسلافي. عندما توفي والدي عام 1986، لم نستطع أن ندفنه في القرية. أعتقد بأنّ هذا الأمر شائع في أوساط كل من تهجروا أثناء الحرب، فجميعهم لم يكونوا قادرين على دفن أمواتهم في أرضهم. وحتى الآن لا يزال العديد من الموتى مدفونين في مكان آخر. وبالتالي فإنّ الأمر رمزي أكثر مما هو مباشر.

 

NOW: ما كان هدفك من خلال إخراج هذا الفيلم؟ هل لديك رسالة معيّنة من خلاله؟

متري: الدوافع كانت عديدة. الدافع الأول كان بأنّي وجدتُ أنّه من المستحيل بأن أعيش أو بأن أقبل العيش في بلد منقسم. بلد منقسم طائفياً. حيث الجميع يخشى الجميع. ولا أريد ان أعيش في منطقة مسيحية الهوية تماماً، ولكن اليوم الأمر مستحيل. وبالتالي فقد نشأ الأمر من ذلك، أي من الرفض أو المعاناة من الطائفية بشكل عام، وهو أمر أعيشه يومياً، ويزعجني، ويجعل من المستحيل لي تقريباً بأن أعيش في هذا البلد، ولكنّي لا أريد أن أغادره. أريد أن أعيش هنا ولطالما أردتُ ذلك، وأنا متعلّقة بالبلد.

 

بالنسبة لي كان الأمر بمثابة الذهاب والبحث عن مصادر وجع هذا البلد. لماذا نعاني؟ من أين يأتي هذا الخوف؟ كان عليّ أن أذهب وأبحث عن المصادر التي جعلت الأمور تبلغ هذا الحد. وكان من الصعب جداً السير بين طبقات الحاضر والماضي، والأصعب من كل ذلك كان معرفة كيفية الحديث عن الطائفية بدون الوقوع في فخ استخدام لغة طائفية. من الصعب جداً بأن تكون لبنانياً ولا تتحدّث لغة طائفية.

 

NOW: في ما خصّ ما حصل مع الأمن العام- قدّمت طلباً لعرض الفيلم في أيار. أليس كذلك؟

متري: أجل. أردتُ أن أطلقه في دور السينما، ورفضوا طلبي.

 

NOW: قدّم الأمن العام توصية لوزير الداخلية لمنع الفيلم والأخير قراراً لتفعيل التوصية، أليس كذلك؟

متري: نعم، معظم الناس غير مطلعين على حقيقة ما يحصل، لأنهم لطالما اعتقدوا بأنّ الأمن العام ولسنوات هو المسؤول عن مشاهدة الأفلام ومنع عرضها أو اقتطاع اجزاء منها. وقد أنشأوا مؤخراً، قبل أربع سنوات على ما أعتقد لجنة الرقابة هذه- استناداً الى مرسوم يعود الى عام 1947- وهي مؤلفة من ممثلين لعدة وزارات، وممثل عن الأمن العام. هذه اللجنة تحدّد ما هي الأفلام التي يُعتبر وضعها "حساساً" نوعاً ما، كما يعتقدون. ولكن ليس لهذه اللجنة السلطة للمنع، وبالتالي فهي تقدّم قرارها الى وزير الداخلية على شكل توصية وتقدّم إخطاراً الى الأمن العام بذلك. هذا هو المسار.

 

NOW: هل رأيت القرار الخطي؟

متري: لا، طلبتُ رؤيته، وقالوا لي إني يجب أن أتقدّم بطلب خطي لذلك، فتقدّمتُ بطلب ولا زلت في الانتظار [لاحقاً استطاعت متري الحصول على القرار الخطي].

 

NOW: لكن هل أخبروك شفهياً بسبب ذلك؟

متري: لم يخبروني بشيء، لكنّي سمعتُ الخبر من خلال تسجيل صوتي على "مهارات نيوز" [حيث قالت اللجنة الرسمية إنّه "يثير النعرات الطائفية والمذهبية ويزعزع السلم الأهلي"]. كنتُ أتوقّع حصول ذلك، ولكنه سبب سخيف. من التفاهة بأننا نعيش في بلد يمكن فيه لخطابات السياسيين اليومية على التلفزيونات بأن تثير حرباً أهلية، ونحن نعيش عملياً حرباً أهلية، حتى وإن كنّا لا نتقاتل يومياً في الشوارع. أقصد ماذا تدعو ما يحصل في طرابلس منذ ثلاث سنوات؟ أليست هذه حرباً أهلية. ولهذا أجد من التفاهة بأن يقولوا إنّ فيلماً سوف يُعرض في السينما، وبالكاد سوف يشاهده 10 أشخاص، سوف يشكّل تهديداً للسلم الأهلي.

 

المقصود بأنه من الواضح بأني كفرد ليس لديه أي صلة بأي حزب سياسي، كفرد غير مسلّح، سوف اكون الضحية الأولى للحرب الأهلية. لن اكون الشخص المستفيد من ذلك. كيف إذاً يمكن للضحية الأولى للحرب بان تكون السبب في إشعالها؟ الأمر غير منطقي.

 

NOW: إذا كان السبب الرسمي غير منطقي، فماذا تعتقدين بأن السبب الحقيقي لمنع الفيلم؟

متري: لقد انتهت الحرب الأهلية بطريقة لا تُعتبر نهاية حقيقية لها- لقد كانت عبارة عن تسوية أو هدنة. حيث تم اتفاق الطائف وأصدر أمراء الطوائف قانون عفو عام، ومنذ ذلك الوقت وهم يحكمون. وبالتالي فليس من مصلحتهم بأنّ تأتي وتفتح ملفات الحرب الأهلية وبأن تكشف المرتكبين الحقيقيين، وبأن تقول إننا نعيش اليوم في مجتمع منقسم بسببكم انتم وبسبب ما ارتكبتموه.

 

NOW: إذاً هذا هو العامل الرئيس. أي ربط الحرب بما يحصل اليوم؟

متري: بالضبط، وهم لن يدعوا شيئاً يشكّل اتهاماً لهم. لأن الفيلم يشكّل اتهاماً لهم جميعاً.

 

NOW: لكن في الفيلم، احد الذين تجرين معهم مقابلة يقول إنه "من الأفضل بأن لا نتحدّث عمّا حصل".

متري: أعتقدُ بأنّ الأمر يعود في جزء منه إلى الشعور بالخزي لدى الناس. عندما تشعر بأنك الضحية- هذا تحليلي الشخصي ولا أزال غير قادرة على إيجاد إجابة لذلك- ولكن خصوصاً في الدامور والمجزرة التي تعرّض لها المسيحيون في الجبل على يد الدروز، إنهم لا يتحدّثون عن الأمر مطلقاً. أعتقد بأن هذا مردّه للشعور بالخزي. أحياناً عندما تكون الضحية، مثلاً عندما تتعرّص المرأة للاغتصاب ويقولون لها إن سبب ذلك هو ارتداؤها ثياباً مثيرة، فتصبح مقتنعة بالأمر، ولا يغادرها الشعور بأنها قد تكون السبب في حصول ذلك. لهذا السبب العديد من المجازر بقيت مواضيع محرّمة.

 

NOW: هل تعتقدين بأنه أمر صحي بأن لا نتحدّث في هذه الأمور؟

متري: بالنسبة لي، لا. هو غير صحي إطلاقاً. لأنّك عندما لا تتحدّث، تكون تكبت غضبك، وهو سيزداد ويزداد، وهذا ما يحصل. لقد كبت الناس غضبهم، وهناك الكثير من العنف، العنف النائم في لبنان.

 

NOW: أشار الفيلم الى مسألة مهمة عندما تحدّثت عن الشعور بالذنب، عندما كنت طفلة، كون الميليشيات المسيحية ارتكبت أموراً فظيعة. وبينما كنت تقومين بإخراج الفيلم، قلت بأنك شعرت بأنّ المسيحيين أيضاً كانوا ضحايا. بالتأكيد فإنّ هذا الاعتراف بالمعاناة المشتركة، وبالحس الإنساني المشترك، هو رسالة قوية، رسالة كان على المسؤولين ان يقدّروها ويرحبوا بها، أليس كذلك؟

 

متري: هم لا يريدون ذلك. أعتقد بأن قضية الضحية والمضحيّن هي قضية تواجه كافة البلدان التي نشأت فيها حروباً أهلية. وتقريباً لطالما كانت الضحية مضحيّة فهذه حلقة. ليس المقصود بذلك تسخيف العنف، من خلال القول إننا جميعاً ضحايا وجميعنا مجرمون". بل من أجل القول، لا يوجد أبيض أو أسود، وما من احد لديه الحقيقة كاملة. فلكل جهة جانب حقيقي في كلامها أو في دافعها للقتال.

 

ولكن عندما يعتقد فريق ما أو شخص ما بأنّه القابض على الحقيقة، نكون عندها قد أصبحنا أموات فعلاً. لأن هذا الاعتقاد يجعل الناس يقضون بعضهم على الآخر.

 

لقد تمّ الاجتزاء من هذه المقابلة لكي تتماشى مع المساحة المخصصة لنشرها.

هذه المقابلة ترجمة للنص الأصلي بالإنكليزية

(ترجمة زينة أبو فاعور)

الفيلم عرض في دبي ومنع في لبنان (الصورة من رين متري)