0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


خالـد سليمـان

كي لا تتحوّل كنائس العراق إلى مكان للذاكرة

قد تتحول الكنائس إلى متاحف للذاكرة إذا استمرت هجرة المسيحيين إلى أوروبا وأميركا وأستراليا ونيوزلندا. (وكالات)

"نخاف أن تتحول أديرتنا وكنائسنا العريقة إلى متاحف وأبنية وقصور تذكارية يزورها السياح". يعبّر هذا الكلام الذي قاله ناشط مسيحي في مناطق مدينة الموصل عن خوف كبير يكبر مع المسيحيين منذ بدايات القرن المنصرم، إنما لم يتحدث عنه الإعلام العربي إلاّ بعد تعرض الكنائس في العراق ومصر وسوريا إلى الحرق والتخريب في العقد الأول هذا القرن، هناك تالياً، قرن من الصمت أو إخفاء الرؤوس في رمال الرومانسيات الوطنية.  

 

نعم، قد تتحول الكنائس إلى متاحف للذاكرة إذا استمرت هجرة المسيحيين إلى أوروبا وأميركا وأستراليا ونيوزلندا، وإذا استمر المتعصبون والسلفيون والقاعديون في استهداف التجمعات المسيحية، وإذا استمر صمت نخب الأكثرية الدينية عما يتعرض له "الأخوة المسيحيون" كما درجت التسمية في الإصطلاحات البروتوكولية، وإذا استنجدت الحكومات بحق الفقهاء للنقض كلما وقعت في أزمة وبدت نهايتها في الأفق كما في العراق.

 

أحاول هنا التركيز على وقائع تاريخية تشير الى أن المسيحية في البلاد لم تكن يوماً موضع الإهتمام في القوانين والدساتير العراقية، وترك المسيحيون قراهم وبلداتهم وذاكرتهم من دون أن تترك الغالبيات الدينية والقومية عنصريتها، ورومانسياتها حول "التعايش". 

 

يقول البعض في الأوساط العراقية السياسية والثقافية بأن إعلان الجمهورية في العراق عام ١٩٥٨ أدى إلى تغيير واقع حال الأقليات في البلاد، ولكن سرعان ما عادت أوضاعهم إلى ما كانت عليه قبل ذلك بسبب الإنقلابات العسكرية والأوضاع السياسية المتردية التي شهدها العراق. إنما لم يسأل أحد عما يمكن تسميته بــ"التهجير الناعم" للأقليات في البلاد من خلال حرمانهم من منظومة الحكم، ناهيك عن الحقوق المدنية والدينية والفردية. إن السبب الوحيد الذي يدفع العراقيين للقول بأن الفترة "القاسمية" كانت ذهبية بالنسبة للمسيحيين هو خلو الدستور العراقي قبل ذلك من أية إشارة للأقليات الدينية والعرقية في البلاد. فالبرغم من وجودهم التاريخي في بلاد الرافدين، خلا دستور العراق الأول عام ١٩٢٥ من أي شيء يشير إلى قوانين وبنود تخص حقوق الأقليات وطبيعة التعامل معاً، وكان إصدار قانون الأحوال الشخصية المرقم (١٨٨) عام ١٩٥٩ مكسباً كبيراً للأقليات بحسب المختصين في شأن الأقليات في العراق والمنطقة. ولكن لم يمر وقت طويل عاد فيه العراق إلى خارطة العنف الممنهج مع الإنقلاب العسكري بتاريخ ٨ شباط عام ١٩٦٣، وقد شمل رعب الحملات التطهيرية من قبل البعثيين الأقلية "الكلدانية" المسيحية قبل غيرهم من العراقيين، ذاك أنهم كانوا يصطفون مع الشيوعيين.

 

يكتب مراسل وكالة الصحافة الفرنسية ببغداد تلك الأيام، "وكمثال على حملات (التطهير) الواسعة ما حصل في وزارة مهمة كوزارة النفط، حيث لم يسلم فيها سوى اثنين من الموظفين بينما ألقي القبض على كافة العاملين في الوزارة حتى صغار السن منهم وأرسلوا إلى المعتقلات، ففي الأوساط الرسمية للنظام الجديد نسمعهم يقولون بشكل دائم: "لدينا قوائم بأسماء جميع الشيوعيين ولن نترك أحداً منهم يفلت من يدنا". والقلق كبير جداً في أوساط المسيحيين الكلدان الذين، كما يقال، اصطفوا مع الشيوعيين". (صحيفة لوموند ١٤ شباط ١٩٦٣). علماً أن المسيحيين في العراق يتوزعون بين آثوريين وكلدان وسريان كاثوليك وأرثوذكس وأرمن، وكانوا مقرّبين تاريخياً من اليسار العراقي وشغلوا مواقع قيادية عليا داخل الحزب الشيوعي العراقي. وتعتبر المسيحية من أبرز الأقليات الدينية في البلاد إذ تنتمي الى عدة مذاهب مختلفة ويقطنون في مختلف المحافظات العراقية. كانت نفوسهم - حسب احصاءات خاصة بهم - قبل عام 2003 حوالى مليون ونصف المليون لم يبقَ منهم الآن سوى حوالى ستمائة ألف، غالبيتهم في اقليم كوردستان والاقضية والنواحي التي تقع الى شمال وشرق الموصل، حيث رحلت غالبية المسيحيين من بغداد، وكذلك لم يبقَ إلاّ القلة القليلة منهم في مدن البصرة والعمارة وبابل وديالى.

 

لقد كانت مشاكل الاقليات الدينية في العراق دائما مرتبطة بتعامل المحاكم معها وفق التشريعات الاسلامية في الارث والزواج والطلاق والنفقة والى ما شابه ذلك من الاجراءات، وتبدو القوانين التي تسري على الاقليات في كثير من الاحيان مجحفة بحقهم كما يشير العديد من ممثليها الى ذلك، حيث لا يزالون يعانون من طبيعة بعض القوانين التي تخص الامور أعلاه وخاصة تلك التي تتعلق بتغيير الديانة وما يلحقها من تبعات. ويشير الكثير من الناشطين الى ضرورة "إلغاء ولاية المسلم على غير المسلم في الزواج او إلغاء ولاية غير المسلم على مسلمة، خاصة عند اعتناق زوجة غير مسلمة الاسلام، عندها تسقط ولاية غير المسلم على زوجته بسبب اعتناقها الاسلام وهي في عصمة زوجها غير المسلم شرعاً وقانوناً".

 

تالياً، إن لم يحمِ القانون المدني حقوقهم، وإن تعرضت نواديهم الإجتماعية والثقافية إلى الهجوم والتخريب، والمضايقة في أحسن الأحوال، وضرب الكنائس والأديرة، ومحاولات منح رجال الدين حق النقض (الفيتو) في المؤسسات القضائية، وعدم منحهم مناصب قيادية في مؤسسات الدولة الإدارية والسياسية...إلخ، ما جدوى البقاء في العراق، بل ما جدوى البقاء في الشرق كله، ذاك أن وضع المسيحيين في مصر وبلدان أخرى لا يختلف عما هو عليه الحال في العراق.

 

قصارى الكلام هو أن هناك ألف سبب وسبب لهجرة المسيحيين وتركهم لبلادهم وذاكرتهم واختيار ما وراء البحار موطناً جديداً وأبدياً لهم. أول هذه الأسباب هو الإفتقاد إلى رؤية دنيوية في ما يخص وضعهم الإجتماعي والثقافي والمدني في دساتير وقوانين الدول العربية. تعتبر العنصرية الإجتماعية التي  تمارس ضدهم يومياً سبباً آخر، قد يعتبره البعض ثانوياً وفردياً، إنما هو عبارة عن عنصرية ناعمة كلما تجذرت في ذاكرة "الغلبويين" تركَنا صديق، جار، أو زميل آخر، لنقول فيما بعد كان لدينا جار هو مسيحي طيب. لقد ترك أكثر من ٣٠٠ ألف مسيحي العراق منذ عام ٢٠٠٣ - حسب إحصاءات منظمات عالمية - ولم يبق منهم سوى ٥٠٠ ألف شخص، ولا تزال أبواب العنف والعنصرية والظلم وفرض القوانين القسرية مفتوحة للهجرة وترك البلاد. إذاً فإن الناشط المسيحي لا يبالغ حين يتخوف من تحويل الكنائس والأديرة إلى متاحف للذاكرة.

قد تتحول الكنائس إلى متاحف للذاكرة إذا استمرت هجرة المسيحيين إلى أوروبا وأميركا وأستراليا ونيوزلندا. (وكالات)

إن السبب الوحيد الذي يدفع العراقيين للقول بأن الفترة "القاسمية" كانت ذهبية بالنسبة للمسيحيين هو خلو الدستور العراقي قبل ذلك من أية إشارة للأقليات الدينية والعرقية في البلاد