1

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


حسيـن جمّـو

أكراد سوريا... بين كردستان ودمشق

الإطلالة الأولى القوية لأكراد سوريا بدأت في عام 2004 خلال انتفاضة القامشلي. (وكالات)

القامشلي، سوريا - تفادت غالبية الطبعات العربية من المؤلفات والأبحاث حول الأكراد، أي حديث عن الأكراد كشعب مرتبط برقعة جغرافية متّصلة مع كردستان الكبرى، وغالباً ما يتم تداولهم في صفحات قليلة منزوعة من الطابع السياسي لتفادي تصويرها كمجموعة اجتماعية سياسية، لها مشروع يتعدى طموحات العيش من أجل لقمة الخبز "وكفى بالله ولياً"، كما كان يتم الترويج لها.


الإطلالة الأولى القوية لأكراد سوريا بدأت في عام 2004 خلال انتفاضة القامشلي. وقد استغرق الأمر 47 عاماً (منذ 1957 تاريخ تأسيس أول حزب كردي في سوريا) حتى خرج التعبير السياسي إلى حراك شعبي تم بناؤه على ميراث هائل من الانتهاكات التي طالت حتى أملاكهم الزراعية في مشاريع بعثية وما قبل بعثية، واستهدفت مشاريع إعادة الهندسة اجتماعياً وقومياً ما يعرف بـ"منطقة الجزيرة" كونها الثقل الأكبر لـ"غرب كردستان" الأكراد.


وإذا كان الطابع السياسي المحيط بقضية الأكراد بات معروفاً بعد صعود نجمهم على خلفية تحولهم إلى رقم صعب في معادلة الثورة السورية، فإنه لا يوجد مشروع موحد للأكراد حتى الآن رغم المحاولات الحثيثة التي لم تتكلل بالنجاح، وكانت نتيجتها إعلان حزب الاتحاد الديمقراطي (حليف حزب العمال الكردستاني) الإدارة المدنية الانتقالية في غرب كردستان.

وغرب كردستان هو المصطلح الذي يشير إلى مشروع سياسي لقضية أرض وشعب. بعض الاحزاب الكردية تطرح الفيدرالية حلاً للقضية الكردية ولبقية مناطق سوريا، والبعض يرى الهوية الوطنية السورية هو الاطار الذي ينبغي أن تتم فيه معالجة المشروع السياسي الكردي، بشرط أن تكون درجة التنازل عن العروبة لدى الطرف المقابل بالدرجة نفسها.


هذا التباين في الرؤى الكردية الداخلية مردّه بشكل أساسي إلى مشكلة الانتشار الكردي غير المنتظم في سوريا، حيث إن غرب كردستان هو مولود حديث لشمال كردستان (كردستان تركيا)، وقبل تأسيس مدينة القامشلي في عام 1926 وغلبة الطابع الكردي عليها فيما بعد، كانت كل البلدات الكبيرة الحالية هي امتدادات لمدن وبلدات في كردستان تركيا.


وينتشر الأكراد بشكل رئيسي في بلدات ومدن صغيرة تقع معظمها على الحدود مع تركيا، يتشارك العرب السكن في غالبية هذه المناطق، ويتكثف وجودهم (العرب) في بعض النواحي ليشكلوا الغالبية. ولا يوجد إحصاء رسمي يحصر عدد الأكراد في رقم معين، بل تخضع لتقديرات تتراوح بين مليونين (كحد أدنى) وثلاثة ملايين ونصف (كحد أعلى)، لذا لا يمكن الأخذ بأرقام خاضعة لتفاوت كبير بين حديها الأدنى والأعلى كأساس لبناء أي معطيات بحثية، وحتى الأرقام التي سترد لاحقاً، تخضع للزيادة والنقصان، غير أن لها أساساً في إحصاءات رسمية شاملة لم توضح نسبة كل مكون من مكونات هذه المناطق.  


في أقصى الشمال الشرقي من سوريا تقع منطقة المالكية (ديركا حمكو) التي يصل عدد سكانها إلى نحو 250 ألفاً، وهي من أخصب المناطق وأغناها بالثروة النفطية في سوريا. يسيطر عليها حالياً حزب الاتحاد الديمقراطي، بما فيها النواحي التي تقطنها العشائر العربية مثل اليعربية التي يطلق عليها الأكراد اسم "تل كوجر".


على بعد 90 كيلومتراً إلى الغرب من المالكية تقع حاضرة الكرد الحديثة في سوريا، مدينة القامشلي، ويصل عدد سكان المنطقة إلى 500 ألف نسمة بما فيها ناحيتا عامودا والدرباسية، وثلثاهم من الأكراد بحسب تقديرات مستنبطة من أرقام متضاربة. وقد بنيت المدينة في الأساس للسريان المسيحيين في نهاية عشرينات القرن الماضي، ثم ما لبثت أن أخذت طابعاً كردياً بعد هجرة أكراد القرى المحيطة بالمدينة إليها بسبب تراجع الانتاج الزراعي، إضافة إلى هجرة البدو العرب، حيث تعتبر القامشلي الثقل البشري لعشيرة طي العربية.   


أما مدينة رأس العين (سري كانيه بالكردية)، فهي تقع في منتصف الحدود السورية التركية، وتقع غرب القامشلي بنحو 90 كيلومتراً، ويصل عدد سكانها مع القرى التابعة إلى نحو 220 ألف نسمة، ويقطنها خليط من الأكراد والعرب والمسيحيين والشيشان. تعرضت المنطقة إلى حملة توطين لعرب من البدو وممن غُمرت أراضيهم في بحيرة الأسد (على غرار القامشلي). ولها خصوصية كردية تاريخية، حيث إنها كانت مقراً للإمارة الكردية الملّية حتى مطلع القرن العشرين.


هذه المناطق المذكورة تتبع محافظة الحسكة، وهذه يصل مجموع سكانها (بما فيه ما ذكرناه) إلى 1,5 مليون نسمة بحسب إحصاء رسمي نشر في نهاية عام 2009. والاحصاءات المنشورة خاضعة لرقابة أمنية، وتخضع للزيادة والنقصان في بعض المناطق، ودليلنا إلى ذلك من مشاركين في إحصاءات تمّت في حلب، حيث تم تخفيض نسبة قاطني بعض الأحياء الكردية بنسبة 30%.


عموماً، فإن القوات الكردية التي أسسها حزب الاتحاد الديمقراطي تسيطر على غالبية المناطق الكردية في الحسكة، وربط في ما بينها إلى حد كبير، لكن تبقى هناك هوّة بين رأس العين وتل أبيض التي تتبع محافظة الرقة، ويصل عدد سكان البلدة إلى 50 ألف نسمة، يشكل العرب غالبيتها رغم أن التواجد الأقدم هو للمسيحيين يليهم الأكراد. ويقع إلى الغرب منها بلدة كوباني (عين العرب) التي تتبع محافظة حلب، وتُعتبر منطقة كردية بغالبية ساحقة حيث يصل عدد سكانها إلى قرابة 300 ألف نسمة. تكتسب أهمية أكبر ضمن "غرب كردستان" في حال نجح الأكراد في السيطرة على تل أبيض، حيث سيكون بالإمكان حينها خلق نقطة اتصال ممتدة من كوباني غرباً إلى المالكية شرقاً، تصل إلى أكثر من 500 كيلومتر. وكوباني هي موطن تاريخي لعشيرة البرازية الكردية.


الامتدادات المذكورة أعلاه تغطي منطقة تمتد من نهر دجلة شرقاً إلى الفرات غرباً. وأي مشروع سياسي جغرافي متصل للأكراد ستشمل هذه المناطق من دون عفرين التي تقع أقصى شمال غرب محافظة حلب وسوريا. وعفرين التي يصل سكانها إلى 400 ألف نسمة هي حاضرة كردية عريقة، تتميز بخصائصها الزراعية المتمايزة عن المناطق السابقة، حيث تعتمد بشكل أساسي على مواسم أشجار الزيتون والرمان وأنواع لا حصر لها من الفواكه، إضافة إلى زراعات موسمية مثل القمح والشعير في جزئها الجنوبي بشكل خاص. وتوفر لها وعورتها الجبلية حماية تفوق حجم القوة المجردة التي تدافع عنها حالياً ضد كتائب إسلامية تحاول السيطرة عليها منذ أكثر من سنة. ويشكل أبناء منطقة عفرين غالبية الوجود الكردي في أحياء داخل حلب، مثل حي الأشرفية والشيخ مقصود (غربي وشرقي).  


إضافة إلى هذه المناطق، تنتشر نحو 100 قرية كردية في مناطق الباب وأعزاز والسفيرة في ريف حلب، من دون أن يشكل الأكراد غالبية جغرافية ممتدة أبعد من بلداتهم، وهي أشبه بجزر متناثرة في بحر من غير الأكراد. وسيطرت فصائل إسلامية على معظم هذه القرى بعد معارك ضد مقاتلين أكراد موالين لحزب الاتحاد الديمقراطي. وسقوط هذه المناطق جعلت الأكراد الحالمين بمنطقة متصلة من عفرين إلى المالكية أقرب إلى الواقع مما كانوا عليه قبل ذلك.


يعيش مئات الآلاف من الأكراد تاريخياً في محافظات داخلية، مثل العاصمة دمشق، وإدلب واللاذقية وحماة، إلا ان القسم الأكبر منهم هم "أكراد بلا لغة كردية" حالياً، ولهم حسابات أخرى أقل أهمية في برامج الأحزاب الكردية، كما أن قسماً كبيراً من هؤلاء لا يعرّفون أنفسهم على أساس قومي.

 
ما هو المشروع السياسي الذي يمكن أن يتوافق مع هذا النوع من التوزع والانتشار؟ وهل يمكن أن ينجح مشروع قومي من دون عمق جغرافي؟ (يبلغ الطول 500 كيلومتر متصلة على الأقل) لكن هناك شكوك حول جدوى هذا الطول المرهق بلا عَرْض يمتد إلى الداخل.  


مبدأ الغلبة سيكون الفيصل في حال بقيت هناك هوّة – كالسائدة الآن- تفصل بين الحيز العروبي ضمن المعارضة السورية، وبين الحيز القومي لدى الأكراد. في هذه الحالة، إذا أدار الأكراد مشروعهم ضمن رؤية إقليمية أوسع، من الممكن أن تتوجه أنظارهم إلى الشمال حيث تركيا، حينها لا يعود سؤال العمق الجغرافي واتصاله – أو انقطاعه- الممتد على ما يقارب 900 كيلومتر، أمراً له أهمية طالما أن الوجهة ستتغير – في تلك الحالة-  180 درجة. وقد يشكل ذلك حافزاً للمعارضة الشعبية والنخبوية لمراجعة نزعة المكابرة القومية المنتمية إلى خمسينات القرن الماضي، لتكون استدارة الأكراد في مجموعها 360 درجة، حيث دمشق.

الإطلالة الأولى القوية لأكراد سوريا بدأت في عام 2004 خلال انتفاضة القامشلي. (وكالات)

غرب كردستان هو المصطلح الذي يشير إلى مشروع سياسي لقضية أرض وشعب

  • walliam.rashed

    الاستاذ حسين جمو يرجى تزويد المشاهدين والقراء بخريطة جغرافيه بمقال مفصل لكردستان وأرضها مدعمة بتواريخ وكيفية سلخها ولك الشكر الجزيل

    8 شباط 2014