0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


صالـح حـديفـة

هكذا استخدم نظام الأسد مقام "الست زينب" لـ"مذهَبَة" الصراع

السيدة زينب
السيدة زينب
السيدة زينب

بدأ حزب الله قتاله في سوريا تحت ذريعة الدفاع عن المقدّسات الشيعية، تحديداً منها مقام "السيدة زينب" الذي يقع جنوب العاصمة السورية دمشق في منطقة تعرف بإسم المقام نفسه، "الست زينب"، وذلك بمحاذاة الطريق السريع المؤدّي إلى مطار دمشق الدولي.

تُعتَبر منطقة السيدة زينب من مناطق السياحة الدينية في العالم، لا في سوريا فحسب، إذ يتوافد إليها الزوّار من الطائفة الشيعية من إيران والعراق، ومن دول الخليج وباكستان والهند وأفغانستان، كما كانت مقصداً للعديد من الأوروبيين الذين كانت سوريا وُجهتهم السياحية في فترات سابقة. إضافة إلى هذا الطابع السياحي، فإنّ "الست زينب" منطقة سكنية بامتياز، ذات كثافة سكّانية عالية، تقطنها تاريخياً غالبيةٌ سنّية، قبل أن تتحول إلى غالبية شيعية بفعل عوامل عديدة، أهمّها قدوم الشيعة لاعتبارات دينية - وربما أمنية - للسكن في محيط المقام.
 
قبل الثمانينات كانت حركة الزوّار الدينيين إلى "الست زينب" محدودة، إلى أن انتهت الحرب العراقية الإيرانية وما تركته على مستوى العلاقات بين البلدين وامتناع الإيرانيين عن زيارة المقدّسات في العراق، وإقبالهم في المقابل على زيارة سوريا، خصوصاً وأنّ الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد كان ضدّ نظام صدام حسين في العراق، وأخذ قراراً بالانفتاح على نظام وليّ الفقيه الإيراني. في التسعينيات تحوّلت "الست زينب" إلى مركز ديني حاشد يقصدها في العام حوالي مليوني زائر.

ما قد لا يعرفه كثيرون أن إسم منطقة "الست زينب" الأساسي هو "راوية"، ذلك قبل تسميتها على إسم مقام ابنة الإمام علي، زينب، التي ترقد رُفاتها هناك. ويحيط بـ"الست زينب" مناطق الغوطة الشرقية والغوطة الغربية، ويمرّ بقربها أيضاً الطريق السريع الذي يربط دمشق بمحافظة السويداء.
 
بعد اندلاع الثورة السورية، وازدياد العنف في أرجاء البلاد وتحوّله باتجاهٍ منحى طائفي في كثير من المواقع نتيجة تصرفات النظام السوري وتحالفه مع إيران ومع حزب الله الشيّعيين، تحوّلت "الست زينب" إلى منطقة أمنيّة بامتياز لعناصر النظام السوري والحرس الثوري الإيراني و"حزب الله"، خصوصاً وأن مُحيط المنطقة بمعظمه بات موالياً للثوار السوريين، وارتفعت هناك حدّة الاشتباكات بين الثوار وقوات النظام السوري. وتردّد أن معارك عنيفة حصلت في مناطق ريف دمشق القريبة من "الست زينب" شارك فيها عناصر "حزب الله"، وكانت سقطت قذيفة هاون على ضريح السيدة زينب في نهاية كانون الثاني 2013 أثناء هذه الاشتباكات.
 
أمين عام "حزب الله" السيد حسن نصرالله، قال في إحدى خطاباته الأخيرة، إنّ المعارضة السورية المسلّحة استطاعت أن تسيطر على الغوطة الشرقية والغوطة الغربية في ريف دمشق، وأن تحاصر المنطقة التي تضمّ السيدة زينب، معتبراً أن في الأمر "حساسية مفرطة جداً، لأن هذه الجماعات المسلّحة أبلغت رسائل وهدّدت بأنها ستقوم بتدمير المقام"، محذّراً من أن "قيام أي جماعات تكفيرية بتدمير او هدم مقام السيدة زينب سيكون له تداعيات خطيرة جداً"، مشيراً في هذا السياق إلى أن حزبه يقاتل هناك "منعاً لحصول فتنة مذهبية".
 
إلا أن الائتلاف الوطني السوري المعارض، ردّ على نصرالله بتأكيده أن "السوريين يحمون المقام قبل وجود حزب الله بمئات السنين"، وقال عضو الإئتلاف ملهم الدروبي في حديث صحافي، إن "ادّعاءات حزب الله بحماية مقام السيدة زينب كذب ومحض افتراء، خاصة أن هذا المرقد ليس في خطر ولم يمسّه أحد بأذى منذ مئات السنين، وحزب الله ليس المعني بحماية المرقد، والأمر عبارة عن تبرير لتدخله وقتاله إلى جانب جيش النظام السوري".
 
لكنّ معركة القصير الأخيرة التي لا يزال حزب الله يخوضها على محاور وجبهات عدة دون أن يتمكن من حسمها رغم أن الفارق لمصلحته في الإمكانيات بينه وبين القاتلين المعارضين السوريين، كشفت حقيقة قتال الحزب في سوريا دفاعاً عن النظام السوري برمّته لا عن القرى التي يقطنها لبنانيون، ولا عن المقامات الدينية الشيعية، كما حاول التبرير في بدايات مشاركته.

اليوم أُوكِل إلى "لواء أبو الفضل العباس" المؤلّف من عراقيين ولبنانيين وإيرانيين، مهمة الدفاع عن السيدة زينب، وتظهر صفحة هذا اللواء على موقع "فايسبوك" للتواصل الاجتماعي عدداً من الصور وأسماء القتلى الذين سقطوا في معارك "دفاعاً عن المقام". تحوّلت "الست زينب" بسبب كل ذلك إلى علامة من علامات مذهبة الصراع في سوريا.

الناطق بإسم "الجيش السوري الحر" لؤي المقداد أكد لموقع "NOW" أن "مقام السيدة زينب بناه أهل الشام، وعُمره في هذه الأرض 1400 عام"، سائلاً بالتالي "كيف من الممكن أن يُهدّد أحد من السوريين بتدميره"، وأضاف: "السؤال الأهم هو من حمى هذا المقام عبر مئات السنين وقبل أن تبدأ تجارة حزب الله بقضايا الدين والمقاومة؟"، مؤكداً أن "أحداً لم يهدد مقام السيدة زينب، ولا يستطيع أحد أن يهدد هذا المقام بوجود أهل الشام الأخيار الوسطيين والمسالمين عبر التاريخ".

واتّهم المقداد في المقابل النظام السوري بشكل مباشر "باستهداف المقامات والمساجد والكنائس لتكريس كذبته وخلق أي مبرر لتوتير الوضع الطائفي، لإيجاد مخرج له في حربه على الشعب السوري"، وجزم بالقول إن نصرالله "يعلم تماماً أن قوات النظام هي من تستهدف المقامات وتعمل على كل هذه المسرحيات الطائفية البغيضة"، مبدياً اعتقاده أن "قيادة حزب الله وبتعليمات من طهران تشارك في تنفيذ هذا المخطط الذي شاركت في وضعه".

وختم المقداد بالقول: "مهما بلغ مستوى الإحتقان الذي وصل بين الطوائف ومكوّنات الشعب السوري كما واللبناني، والتي أعترف أن نظام بشار الأسد وحزب الله نجحا في تكريسها والتغرير بنسبة معيّنة بأهلنا في الطوائف الأخرى لمعاداة بعضهم، إلا أننا دائماً نثق بطيبة ووسطية شعوب المنطقة بكل مكوّناتها وطوائفها، ونثق بأن الأمور ستعود إلى طبيعتها بمجرد زوال الأسباب، وهي نظام بشار الأسد ومرتزقته في لبنان والعراق"، كما أكد ثقته أن "شعوب دول المنطقة ستعود متعايشة متآخية، كما كانت دوماً بعد زوال هؤلاء المرتزقة الذين تجبّروا وسرقوا وهيمنوا على بلادنا وشعوبنا وامتهنوا الكذب والخداع والتزوير لتسويق أكاذيبهم ومشاريعهم الشخصية التي تؤذي الجميع، وهم راحلون عن مستقبلنا مهما طال ظلمهم".

مقام السيدة زينب في دمشق (فايسبوك)

تحوّلت "الست زينب" إلى منطقة أمنيّة بامتياز