0

تعليقـات

Facebook

Twitter

Google

send


نتـالـي روزا بوخر

قصة حليم الحاج: ناحت الرؤساء اللبنانيين

صوغ قصة لبنانية عظيمة من الحجر والبرونز والجبس

حليم الحاج
إذا ما تجاهلت الغبار وبيوت العنكبوت، يصعب عليك تصديق أنّ حليم الحاج (1915- 1990) عمل آخر مرة في محترفه قبل 20 عاماً. فهذا النحات الذي وُلد في قرية بجة (16 كلم فوق جبيل)، ترك خلفه الكثير من الأشياء في الاستديو: ميداليات، وتماثيل نصفية لشخصيات معروفة لبنانية وأجنبية (معظمها فرنسية)، حجارة وبرونز، وكذلك أتربة. الغرفة مضيئة ولكن النوافذ العالية تمنع التلهي برؤية الوادي الواقع إلى الأسفل. أما حديقة المنزل وردهته فمزدانتان بعدد كبير من الميداليات والتماثيل، وأبناء أخوة الحاج يخطّطون لتحويله الى متحف يوماً ما.
 
تتدلّى المعاطف التي كان يرتديها الحاج أثناء عمله قرب رف توجد عليه علبتا سجائر من نوع "South". وفي الغرفة صور فوتوغرافية ورسوم تخطيطية بالأبيض والأسود لسياسيين وشعراء، وجنرالات، وكتّاب، ومغنين، ورجال دين، وقديسين، وفينيقيين، وكذلك جوائز تزيّن كلّها الجدران. وداخل درج إحدى طاولات العمل توجد صور فوتوغرافية بالأبيض والأسود للمغنية الفرنسية ميراي ماثيو وقائمة كتبها الفنان بأمور يجب أن لا ينساها "il ne faut pas oublier" (يجب ألاّ ننسى)، التي تتضمّن "فرح الخلق".
 
ومن نماذج مشاريع الحاج الأكثر شهرة ـــ تصميماته لنقود معدنية لبنانية من فئتي خمسة وعشرة قروش أصدرت العام 1955- معلّقة في منزله، حيث لا تزال أرملته روزا تعيش.
 
روزا، هي اليوم في الثمانينات من عمرها، وهي في الأصل من روما، التقت حليم من خلال والدها، وهو فنان أيضاً، تصادق مع التلميذ  اللبناني بينما كان حليم يدرس في إيطاليا. وقد تزوّج حليم وروزا في كنيسة صغيرة في الفاتيكان قبل أن يعودا الى لبنان العام 1952، حيث قسّما في البدء وقتهما بين بيروت وبجة.
 
تذكر روزا لدى وصولها الى لبنان كيف كانت محاطة بأشخاص يتكلّمون العربية، ولم تكن تفهم أي كلمة مما يقولون، وكانت تسأل (ماذا يقولون؟)، ولم يمض عام إلاّ وكانت تتكلّم هي أيضاً العربية. وهي اليوم تنتقل بين العربية، والفرنسية، والإيطالية بسهولة ومتعة.
 
وإلى حين اندلاع الحرب عام 1975، عندما انتقل آل الحاج بشكل نهائي تقريباً الى بجة، كانا يواظبان على حضور معرض أو معرضين وافتتاحات كل أسبوع. وكان لديهما الكثير من الأصدقاء الفنانين. فسيزار نمور، الناقد الفني، يذكر بحيوية روزا كإحدى الشخصيات الأنيقة في المشهد الفني المحلي، وألبوم صور روزا- التي يشبه حليم فيها الممثل الإيطالي، مارشيللو ماستروياني- يؤكّد على كلامها بأنهما استمتعا بالحياة حتى الثمالة ("on vivait la belle vie").
 
في فصل من كتابه،  النحت في لبنان، الذي نُشر العام 1990، يقارن نمور عمل ألفرد بصبوص بعمل الحاج. فالنحاتان، اللذان كانا صديقين وترعرعا في قريتين قريبتين من بعضهما البعض، سلكا دربين فنيين مختلفين. وفي حين ذهب بصبوص في مغامرة اكتشاف الشكل المطلق غير المحدود، بعد أن تعرّف إلى المذهب الحديث أثناء دراسته في فرنسا، سوف يبقى الحاج وفقاً لنمور، اختصاصياً فنياً طيلة فترة ممارسة مهنته. وبقيت مواضيع الحاج وأسلوب عمله كلاسيكية وأكاديمية على الدوام، ربما كنتيجة للعامين اللذين قضاهما في العمل في مواقع تنقيب قديمة في جبيل وهو لا يزال مراهقاً. وبالفعل فقد كتب الحاج في دراسة نشرها العام 1965: "كان لهذه الاعمال والحفريات تأثير عميق عليّ، فقد جعلتني أحب الآثار التاريخية والاماكن العامة. وهي أيضاً لقّنتني مفاهيم تراث بلدي العظيم، وجعلتني أتمسّك بأرضه المقدّسة، وأمارس هذا البحث العميق في ثقافتنا التاريخية القديمة".
 
ويعتقد نمور كذلك أنّ الحاج تأثّر بأستاذه جوزيف حويّك. وقد حصل الحويّك على محترف له في الطابق السفلي من منزل شارل القرم في بيروت. والقرم، هو رجل أعمال معروف، ومحسن، وشاعر، منح الحاج أيضاً مكاناً للعمل فيه، وموّل جناح لبنان في معرض العالم في نيويورك لعام 1939الذي ساهم فيه الحاج ببعض الاعمال.
 
وممّا لا شك فيه أنّ الحاج تأثّر كذلك بنتاج القرم الأدبي، الذي تضمّن الصحيفة النافذة التي بدأ بنشرها العام 1920، وهي La RevuePhénicienne. ولا ريب كذلك في أنّ من الأمور الهامة المؤثرّة فيه كانت حركة قرم الفينيقية، والسعي المشترك لبعض الرسامين مثل سيزار جميل وعمر أنسي لتأسيس أسلوب لبناني، يتميّز عن النماذج والأساليب الاوروبية.
 
وكان للدين أيضاً تأثير قوي في عمل الحاج، ولا تزال بعض التماثيل الدينية موجودة في محترفه وحديقته الخاصة، وبينها تمثال لمار شربل وعدة تماثيل أخرى لمريم العذراء. وهي تصطف الى جانب تماثيل للجنرال ديغول، والمغنية الفرنسية ميراي ماثيو (التي جلست أمام الحاج لكي ينحت لها تمثالاً عندما كانت في لبنان أثناء تقديمها حفلاً في جبيل العام 1974)، وكذلك لنجمي الأدب ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران. في حين تبدو إحدى المنحوتات متأثرّة بالفن الجديد وهي منحوتة Elan، العارية التي تمدّ يديها نحو السموات، والتي توجد نسخ منها بالحجر وبالجبس في الحديقة وفي المحترف.
 
لا تزال أعمال الحاج التي كانت رائجة ومطلوبة في حياته، موجودة في انحاء عدة من لبنان. فقد كلّفته الحكومة اللبنانية أو البلديات مراراً بإنجاز منحوتات ضخمة، بينها منحوتة "البحار الفينيفي"، ومنحوتة فخر الدين التي ترتفع سبعة أمتار، والمرفوعة خارج وزارة الدفاع، الى جانب تماثيل نصفية للعديد من الرؤساء اللبنانيين والقادة العسكريين.
 
هكذا وفي حين لا يُدرّس عمل الحاج في المناهج المدرسية والجامعية الحالية، فقد شكّل نتاجه جزءاً من محاولة جادة لتطوير أسلوب مميّز من النحت اللبناني وساهم مساهمة قيّمة في قصة الفن اللبناني.
 

حليم الحاج (روزا الحاج)

لا تزال أعمال الحاج التي كانت رائجة ومطلوبة في حياته، موجودة في انحاء عدة من لبنان